الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم — الكَازَرُوني

عن الكتاب
لَمَّا بين أحكام النساء اتبعه ما جرى من أمهات المؤمنين مَعَ مَا يضتمن من نصحهنّ فقال: ﴿بِسمِ ٱللهِ ٱلرَّحْمٰنِ ٱلرَّحِيـمِ * يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ﴾: بالحلف ﴿مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ﴾: من مبا شر مارية أو العسل ﴿تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ﴾: حفصة، إذ عاتبته على مباشرة مارية يومها أو يوم عائشة رضي الله عنهم فقال: صلى الله عليه وسلم:" مارية علي حرام تسلية لحفصة أو شرب العسل، فقالت سودة وصفية: نشم منك رائحة المغافير جمع مغفور والمغفور صَمْعُ العِضاه، كريه الرائحة، فحلف لا ياكل العسل "، كذا في الصحيحين، والأوّلُ عن أكثر السلف ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: لا يؤاخذكم به ﴿قَدْ فَرَضَ ٱللَّهُ﴾: شرع الله ﴿لَكُمْ تَحِلَّةَ﴾ أي: تحليل عقود.
﴿أَيْمَانِكُمْ﴾: بالكفارة كما في المائدة، وعلى قول تحريم مارية، ورد أنه كفر بإعتقاق رقبة ﴿وَٱللَّهُ مَوْلاَكُمْ﴾: متولي أموركم ﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾: في أحكامه ﴿وَ﴾: اذكر ﴿إِذْ أَسَرَّ ٱلنَّبِيُّ إِلَىٰ بَعْضِ أَزْوَاجِهِ﴾ حفصة ﴿حَدِيثاً﴾ أي: تحريم ما مر مع خلافة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما بعده، كما قاله عليٌّ وابن عباس رضي الله عنهم وقال: لا تفشيه. كذا رواه الطبراني وغيره ﴿فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ﴾ عائشة على ظن جوازه ﴿وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ أي أطلع نبيه عليه أي: على النبأ به ﴿عَرَّفَ﴾: لحفصة ﴿بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ﴾: تكرما منه هو حديث العسل، أو الخلافة ولابن كثير في إسناده نظر ﴿فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنبَأَكَ هَـٰذَا﴾: ظنت أن عشائة نصحتها ﴿قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾: ثم قال تعالى لحفصة وعائشة: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ﴾: فتوبا ﴿فَقَدْ صَغَتْ﴾ أي: مالت ﴿قُلُوبُكُمَا﴾: إلى موجب التوبة وهو الم سرة بما كرهه صلى الله عليه وسلم، من تحريم مارية ﴿وَإِن تَظَاهَرَا﴾: تعاونا ﴿عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاَهُ﴾: ناصره ﴿وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾: أبو بكر وعمر كما في مسلم وغيره، أو كلهم ﴿وَالْمَلاَئِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾: تتظاهر لنصره ﴿عَسَىٰ رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجاً خَيْراً مِّنكُنَّ مُسْلِمَاتٍ﴾: منقادات ﴿مُّؤْمِنَاتٍ﴾: مؤصدقات ﴿قَانِتَاتٍ﴾: مواظبات على الطاعة ﴿تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ﴾: صائمات أو مهاجرات ﴿ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَاراً﴾: وسط العطف لتنافيهما، أي: مشتملات على الثيبات والأبكار ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ قُوۤاْ أَنفُسَكُمْ﴾: بالطاعة ﴿وَأَهْلِيكُمْ﴾: بالنصح ﴿نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾: الكبريت أو الأصنام ﴿عَلَيْهَا مَلاَئِكَةٌ غِلاَظٌ﴾: خلقا ما بين منكبي الواحد منهم سنة، أو كما بين المشرق والمغرب ﴿شِدَادٌ﴾: خلقا وبطشا ﴿لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ﴾: في ﴿مَآ أَمَرَهُمْ﴾: فيما مضى ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾: فيما يستقبل ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لاَ تَعْتَذِرُواْ ٱلْيَوْمَ﴾: فإنه لا ينفع ﴿إِنَّمَا تُجْزَوْنَ﴾: جزاء ﴿مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ * يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ تُوبُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحاً﴾: ناصحة صادقة لأنهم معها بالمعاودة، وفي الحديث:" هي أن يتوب ثم لا يرجع كما لا يعود اللبن إلى الضرع "﴿عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ﴾: قد مر حكمة " عسى " من الكريم ﴿يَوْمَ لاَ يُخْزِى ٱللَّهُ ٱلنَّبِيَّ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ﴾: بإخال النار ﴿نُورُهُمْ يَسْعَىٰ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾: على الصراط ﴿يَقُولُونَ﴾: إذا انطفأ نور المنافقين أو حين رأوا نور بعضهم أنقص من بعض بحسب أعمالهم: ﴿رَبَّنَآ أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا﴾: وعلى الثاني ﴿وَٱغْفِرْ لَنَآ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ جَاهِدِ ٱلْكُفَّارَ﴾: بالسيف ﴿وَٱلْمُنَافِقِينَ﴾: بالحجة ﴿وَٱغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾: إذا بلغ الرِّفْق مداه ﴿وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ﴾: هي ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ﴾: أي: جعل مثل حال الذين ﴿كَفَرُواْ﴾: في عدم انتفاعهم بقرابتهم للأنبياء ﴿ٱمْرَأَتَ نُوحٍ﴾: والهة ﴿وَٱمْرَأَتَ لُوطٍ﴾: واغلة ﴿كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا﴾: كرر ذكر عبودتيهما لتشريف الإضافة ﴿صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا﴾: بالنفاق ﴿فَلَمْ يُغْنِيَا﴾: أي: لم يدفع النبيان ﴿عَنْهُمَا مِنَ ٱللَّهِ﴾ أي: عذابه ﴿شَيْئاً وَقِيلَ﴾ لهما: ﴿ٱدْخُلاَ ٱلنَّارَ مَعَ﴾ الكفار ﴿ٱلدَّاخِلِينَ * وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ﴾: أي: جعل مثل حال الذين ﴿آمَنُواْ﴾: في عدم تضررهم بقرابة الكفار ﴿ٱمْرَأَتَ فِرْعَوْنَ﴾ آسية ﴿إِذْ﴾: آمنت بموسى فعذبها فرعون أشد تعذيب: إذْ ﴿قَالَتْ رَبِّ ٱبْنِ لِي عِندَكَ بَيْتاً فِي ٱلْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ﴾: فكشف لها عن بيتها في الجنة، فضحكت ثم قبضت، وقيل: رفعت إلى الجنة حية ﴿وَ﴾ ﴿ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ﴾، تسلية للأرامل ﴿مَرْيَمَ ٱبْنَتَ عِمْرَانَ ٱلَّتِيۤ أَحْصَنَتْ﴾: صانت ﴿فَرْجَهَا﴾: من الرجال ﴿فَنَفَخْنَا فِيهِ﴾: في فرجها ﴿مِن رُّوحِنَا﴾: بنفخ جبريل في جيب درعها وكل خرق في الثوب يسمى فرجا، فحملت بعيسى عليه الصلاة والسلام ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ﴾ أي: بشرائع ﴿رَبِّهَا وَكُتُبِهِ﴾: المنزلة ﴿وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾: المواظبين على الطاعة، ذَكَّر للتغليب أو لكمالها، أو " مِنْ " ابتدائية - واللهُ أعْلَمُ.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى