التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي

عن الكتاب
والظرف فى قوله - تعالى - ﴿وَإِذَ أَسَرَّ النبي إلى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثاً﴾ متعلق بمحذوف تقديره اذكر، وقوله :﴿أَسَرَّ﴾ من الإسرار بالشىء بمعنى كتمانه وعدم إشاعته.
والمراد ببعض أزواجه : حفصة - رضى الله عنها -.
والمراد بالحديث قوله لها - كما جاء فى بعض الروايات - : " بل شربت عسلا عند زينب، ولن أعود، وقد حلفت فلا تخبرى بذلك أحدا.. ".
أو قوله لها فى شأن مارية : " إنى قد حرمتها على نفسى، فاكتمى ذلك فأخبرت بذلك عائشة ".
أى : واذكر - أيها العاقل لتعتتبر وتتعظ - وقت أن أسر النبى - ﷺ - إلى زوجه حفصة حديثا، يتعلق بشربه العسل فى بيت زينب بنت جحش، وقوله - ﷺ - لحفصة لا تخبرى بذلك أحدا ".
﴿فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ﴾ أى : فلما أخبرت حفصة عائشة بهذا الحديث الذى أمرت بكتمانه ﴿وَأَظْهَرَهُ الله عَلَيْهِ﴾ أى : وأطلع الله - تعالى - نبيه - ﷺ - على ما قالته حفصة لعائشة.
فالمراد بالإظهار : الاطلاع، وهو مشتق من الظهور بمعنى التغلب.
وعبر بالإظهار عن الاطلاع، لأن حفصة وعائشة كانتا حريصتين على عدم معرفة ما دار بينهما فى هذا الشأن، فلما أطلع الله - تعالى - نبيه على ذلك كانتا بمنزلة من غلبتا على أمرهما.
وقوله - سبحانه - :﴿عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ﴾ بيان للمسلك السامى الذى سلكه - ﷺ - فى معاتبته لحفصة على إفشائها لما أمرها أن تكتمه والمفعول الأول لعرف محذوف أى : عرفها بعضه.
أى : فحين خاطب - ﷺ - حفصة فى شأن الحديث الذى أفشته، اكتفى بالإشارة إلى جانب منه، ولم يذكر لها تفاصيل ما قاله لها سابقا.
لسمو أخلاقه - ﷺ - إذ فى ذكر التفاصيل مزيد من الخجل والإحراج لها.
قال بعضهم : ما زال التغافل من فعل الكرام وما استقصى كريم قط وقال الشاعر :
ليس الغبى بسيد فى قومه... لكن سيد قومه المتغابى
وإنما عرفها - ﷺ - ببعض الحديث، ليوقفها على خطئها وعلى أنه كان من الواجب عليها أن تحفظ سره - ﷺ -.
قالوا : ولعل حفصة رضى الله عنها - قد فعلت ذلك، ظنا منها أنه لا حرج فى إخبار عائشة بذلك، أو أنها اجتهدت فأخطأت، ثم تابت وندمت على خطئها.
ثم حكى - سبحانه - ما قالته حفصة للرسول - ﷺ - وما رد به عليها فقال :﴿فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنبَأَكَ هذا قَالَ نَبَّأَنِيَ العليم الخبير﴾.
أى : فلما سمعت من الرسول - ﷺ - ما يدل على أنه قد أطلع على ما قالته لعائشة، قالت له : من أخبرك بما دار بينى وبينها ؟ فأجابها - ﷺ - بقوله : أخبرنى بذلك الله - تعالى - العليم بجميع أحوال عباده وتصرفاتهم.. الخبير بما تكنه الصدور، وبما يدور فى النفوس من هواجس وخواطر.
وإنما قالت له - ﷺ - :﴿مَنْ أَنبَأَكَ هذا﴾ لتتأكد من أن عائشة لم تخبره - ﷺ - بما دار بينهما فى هذا الشأن... فلما قالت لها - ﷺ - :﴿نَبَّأَنِيَ العليم الخبير﴾ تحقق ظنها فى كتمان عائشة لما قالته لها، وتيقنت أن الذى أخبره بذلك هو الله - عز موجل -.
وفى تذلل الآية الكريمة بقوله :﴿العليم الخبير﴾ إشارة حكيمة وتنبيه بليغ، إلى أن من الواجب على كل عاقل، أن يكون ملتزما لكتمان الأسرار التى يؤتمن عليها، وأن إذاعتها - ولو فى أضيق الحدود - لا تخفى على الله - عز وجل - لأنه - سبحانه - عليم بكل معلوم، ومحيطب بخبايا النفوس وخلجاتها.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى