زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿وَإِذَ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْواجِهِ حَدِيثاً﴾ يعني :
حفصة من غير خلاف علمناه.
وفي هذا السر ثلاثة أقوال :
أحدها : أنه قال لها : إني مسر إليك سرا فاحفظيه، سريتي هذه عليّ حرام، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال عطاء، والشعبي، والضحاك، وقتادة، وزيد بن أسلم، وابنه، والسدي.
والثاني : أنه قال لها : أبوك، وأبو عائشة، واليا الناس من بعدي، فإياك أن تخبري أحدا، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس.
والثالث : أنه أسر إليها أن أبا بكر خليفتي من بعدي، قاله ميمون بن مهران.
قوله تعالى :﴿فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ﴾ أي : أخبرت به عائشة ﴿وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ أي : أطلع الله نبيه على قوله حفصة لعائشة، فغضب رسول الله ﷺ غضبا شديدا، لأنه استكتم حفصة ذلك، فأخبرها ببعض ما قالت، فذلك قوله تعالى :﴿عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ﴾ وفي الذي عرفها إياه قولان :
أحدهما : أنه حدثها ما حدثتها عائشة من شأن أبي بكر وعمر، وسكت عما أخبرت عائشة من تحريم مارية، لأنه لم يبال ما أظهرت من ذلك، رواه أبو صالح عن ابن عباس.
والثاني : أن الذي عرّف : تحريم مارية، والذي أعرض عنه : ذكر الخلافة لئلا ينتشر، قاله الضحاك، وهذا اختيار الزجاج. قال : ومعنى ﴿عرف بعضه﴾ عرف حفصة بعضه. وقرأ الكسائي، ﴿عَرَفَ﴾ بالتخفيف. قال الزجاج : على هذه القراءة قد عرف كل ما أسره، غير أن المعنى جارٍ على بعضه، كقوله تعالى :﴿وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٧٩] أي : يعلمه ويجاز عليه، وكذلك :﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧] أي : ير جزاءه. فقيل : إن النبي ﷺ طلق حفصة تطليقة، فكان ذلك جزاءها عنده، فأمره الله أن يراجعها. وقال مقاتل بن حيان : لم يطلقها، وإنما هم بطلاقها، فقال له جبريل : لا تطلقها، فإنها صوّامة قوّامة. وقال الحسن : ما استقصى كريم قط، ثم قرأ ﴿عرَّف بعضه وأعرض عن بعض﴾. وقرأ ابن مسعود، وأبي بن كعب، وابن السميفع ﴿عُرَّاف﴾ برفع العين، وتشديد الراء وبألف ﴿بعضِه﴾ بالخفض.
قوله تعالى :﴿فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ﴾ أي : أخبر حفصة بإفشائها السر ﴿قَالَتْ مَنْ أَنبَأَكَ هَذَا﴾ ؟ أي : من أخبرك بأني أفشيت سرك ؟ ﴿قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾ ثم خاطب عائشة وحفصة، فقال :﴿إِن تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ﴾ أي : من التعاون على رسول الله ﷺ بالإيذاء ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ قال ابن عباس :
زاغت، وأثمت. قال الزجاج : عدلت، وزاغت عن الحق. قال مجاهد : كنا نرى قوله تعالى :﴿فقد صغت قلوبكما﴾ شيئا هينا حتى وجدناه في قراءة ابن مسعود : فقد زاغت قلوبكما. وإنما جعل القلبين جماعة لأن كل اثنين فما فوقهما جماعة. وقد أشرنا إلى هذا في قوله تعالى :﴿فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ [النّسَاء: ١١]، وقوله تعالى :﴿إِذْ تَسَوَّرُواْ الْمِحْرَابَ﴾ [ص: ١١]. قال المفسرون : وذلك أنهما أحبا ما كره رسول الله ﷺ من اجتناب جاريته، ﴿وَإِن تَظَاهَرَا﴾ وقرأ ابن مسعود، وأبو عبد الرحمن ومجاهد، والأعمش ﴿تظاهرا﴾ بتخفيف الظاء، أي : تعاونا على النبي ﷺ بالإيذاء ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ﴾ أي : وليه في العون، والنصرة ﴿وَجِبْرِيلُ﴾ وليه ﴿وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وفي المراد بصالح المؤمنين ستة اقوال :
أحدها : أنهم أبو بكر وعمر، قاله ابن مسعود، وعكرمة، والضحاك.
والثاني : أبو بكر، رواه مكحول عن أبي أمامة.
والثالث : عمر، قاله ابن جبير، ومجاهد.
والرابع : خيار المؤمنين، قاله الربيع بن أنس.
والخامس : أنهم الأنبياء، قاله قتادة، والعلاء بن زياد العدوي، وسفيان.
والسادس : أنه علي رضي الله عنه، حكاه الماوردي. قاله الفراء :﴿وصالح المؤمنين﴾ موحد في مذهب جميع، كما تقول : لا يأتيني إلا سائس الحرب، فمن كان ذا ساسة للحرب، فقد أمر بالمجيء، ومثله قوله تعالى :﴿وَالسَّارِقُ والسارقة﴾ [المائدة: ٣٨]، وقوله تعالى :﴿وَاللَّذَانَ يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ﴾ [النّسَاء: ١٦]، وقوله تعالى :﴿إِنَّ الإنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً﴾ [الْمَعَارِجِ: ١٩] في كثير من القرآن يؤدي معنى الواحد عن الجميع.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى