الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي

عن الكتاب
وقوله سبحانه :﴿وَمَن يَتَّقِ الله يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ﴾ قال بعض رواة الآثار :" نزلتْ هذه الآيةُ في عَوْفِ بن مالك الأشجعي ؛ أُسِرَ ولدُه وقُدِرَ عليه رزقُه، فَشَكَا ذلكَ إلى النبي ﷺ، فَأَمَرَه بالتَّقْوَى، فلم يلبثْ أن تَفَلَّتَ ولدُه وأخَذَ قطيعَ غَنَمٍ للقومِ الذين أسَرُوه، فَسَأَلَ ( عَوْف ) النبيَّ ﷺ : أتَطِيبُ لَهُ تِلْكَ الغَنَمُ ؟ فقال : نَعَمْ، قال أبو عمر بن عبد البر : قال النبيُّ ﷺ :«أبى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أنْ يَجْعَلَ أرْزَاقَ عِبَادِهِ المُؤْمِنِينَ إلاَّ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُونَ » وقال عليه السلام لابن مسعود :" لاَ يَكْثَرْ هَمُّكَ، يَا عَبْدَ اللَّهِ ؛ مَا يُقَدَّرْ يَكُنْ وَمَا تُرْزَقْ يأتِيكَ "، وعنه ﷺ :" اسْتَنْزِلُوا الرِّزْقَ بالصَّدَقَة "، انتهى من كتابه المسمى ب«بهجة المجالس وأنس المجالس ».
وقوله تعالى :﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى الله فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ هذهِ الآياتُ كلُّها عِظةٌ لجميعِ الناسِ، ومعنى حَسْبُهُ : كَافِيهِ. وقال ابن مسعود : هذه أكْثَرَ الآيات حَضًّا على التفويضِ للَّه.
وقوله تعالى :﴿إِنَّ الله بالغ أَمْرِهِ﴾ بَيَانٌ، وَحَضٌّ عَلى التوكلِ، أي : لا بُدَّ مِنْ نفوذِ أمرِ اللَّهِ ؛ توكلتَ أيُّهَا المرءُ أوْ لَمْ تَتَوَكَّلْ ؛ قاله مسروق ؛ فإنْ توكلتَ على اللَّهِ كَفَاكَ وَتَعَجَّلَتِ الراحةُ والبَرَكةُ، وإن لم تتوكَّلْ وَكَلَكَ إلى عَجْزِكَ وَتَسَخَّطَكَ، وأمرُه سبحانَه في الوجهين نَافِذٌ.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى