مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي

عن الكتاب
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقوله :﴿ومن يتق الله يجعل له مخرجا﴾ قال الشعبي : من يطلق للعدة يجعل الله له سبيلا إلى الرجعة، وقال غيره : مخرجا من كل أمر ضاق على الناس، قال الكلبي : ومن يصبر على المصيبة يجعل الله له مخرجا من النار إلى الجنة، وقرأها النبي ﷺ فقال :" مخرجا من شبهات الدنيا ومن غمرات الموت، ومن شدائد يوم القيامة، " وقال أكثر أهل التفسير : أنزل هذا وما بعده في عوف بن مالك الأشجعي أسر العدو ابنا له فأتى النبي ﷺ، وذكر له ذلك وشكا إليه الفاقة فقال له :" اتق الله واصبر وأكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله " ففعل الرجل ذلك فبينما هو في بيته إذ أتاه ابنه، وقد غفل عنه العدو، فأصاب إبلا وجاء بها إلى أبيه، وقال صاحب الكشاف : فبينا هو في بيته، إذ قرع ابنه الباب ومعه مائة من الإبل غفل عنها العدو فاستاقها، فذلك قوله :﴿ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بلاغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدرا﴾.
فذلك قوله :﴿ويرزقه من حيث لا يحتسب﴾ ويجوز أنه إن اتقى الله وآثر الحلال والصبر على أهله فتح الله عليه إن كان ذا ضيق ﴿ويرزقه من حيث لا يحتسب﴾ وقال في الكشاف :﴿ومن يتق الله﴾ جملة اعتراضية مؤكدة لما سبق من إجراء أمر الطلاق على السنة كما مر.


وقوله تعالى :﴿ومن يتوكل على الله فهو حسبه﴾ أي من وثق به فيما ناله كفاه الله ما أهمه، ولذلك قال رسول الله ﷺ :" من أحب أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله " وقرئ ﴿إن الله بالغ أمره﴾ بالإضافة ﴿وبالغ أمره﴾ أي نافذ أمره، وقرأ المفضل ﴿بالغا أمره﴾، على أن قوله ﴿قد جعل﴾ خبر ﴿إن﴾، و ﴿بالغا﴾ حال. قال ابن عباس يريد في جميع خلقه والمعنى سيبلغ الله أمره فيما يريد منكم و ﴿قد جعل الله لكل شيء قدرا﴾ أي تقديرا وتوقيتا، وهذا بيان لوجوب التوكل على الله تعالى وتفويض الأمر إليه، قال الكلبي ومقاتل : لكل شيء من الشدة والرخاء أجل ينتهي إليه قدر الله تعالى ذلك كله لا يقدم ولا يؤخر. وقال ابن عباس : يريد قدرت ما خلقت بمشيئتي، وقوله :﴿فإذا بلغن أجلهن﴾ إلى قوله :﴿مخرجا﴾ آية ومنه إلى قوله :﴿قدرا﴾ آية أخرى عند الأكثر، وعند الكوفي والمدني المجموع آية واحدة ثم في هذه الآية ( لطيفة ) وهي أن التقوى في رعاية أحوال النساء مفتقرة إلى المال، فقال تعالى :﴿ومن يتق الله يجعل له مخرجا﴾ وقريب من هذا قوله :﴿إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله﴾ فإن قيل :﴿ومن يتوكل على الله فهو حسبه﴾ يدل على عدم الاحتياج للكسب في طلب الرزق، وقوله تعالى :﴿فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله﴾ يدل على الاحتياج فكيف هو ؟ نقول : لا يدل على الاحتياج، لأن قوله :﴿فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله﴾ للإباحة كما مر والإباحة مما ينافي الاحتياج إلى الكسب لما أن الاحتياج مناف للتخيير.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى