فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
لما ذكر سبحانه ما تقدّم من الأحكام، حذّر من مخالفتها، وذكر عتوّ قوم خالفوا أوامره، فحلّ بهم عذابه، فقال :﴿وَكَأِيّن مّن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبّهَا وَرُسُلِهِ﴾ يعني : عصت، والمراد : أهلها، والمعنى : وكم من أهل قرية عصوا أمر الله ورسله، أو أعرضوا عن أمر الله ورسله على تضمين ﴿عتت﴾ معنى أعرضت، وقد قدّمنا الكلام في ﴿كأين﴾ في سورة آل عمران وغيرها ﴿فحاسبناها حِسَاباً شَدِيداً﴾ أي شددنا على أهلها في الحساب بما عملوا. قال مقاتل : حاسبها الله بعملها في الدنيا فجازها بالعذاب، وهو معنى قوله :﴿وعذبناها عَذَاباً نُّكْراً﴾ أي عذبنا أهلها عذاباً عظيماً منكراً في الآخرة، وقيل : في الكلام تقديم وتأخير : أي عذبنا أهلها عذاباً نكراً في الدنيا بالجوع والقحط، والسيف والخسف والمسخ، وحاسبناهم في الآخرة حساباً شديداً. والنكر : المنكر.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله :﴿فحاسبناها حِسَاباً شَدِيداً﴾ يقول : لم ترحم ﴿وعذبناها عَذَاباً نُّكْراً﴾ يقول : عظيماً منكراً. وأخرج ابن مردويه عنه ﴿قَدْ أَنزَلَ الله إِلَيْكُمْ ذِكْراً * رَسُولاً﴾ قال : محمداً ﷺ. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال له رجل :﴿الله الذي خَلَقَ سَبْعَ سموات وَمِنَ الأرض مِثْلَهُنَّ﴾ إلى آخر السورة، فقال ابن عباس : ما يؤمنك أن أخبرك بها فتكفر ؟ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في الشعب من طريق أبي الضحى عن ابن عباس في قوله :﴿وَمِنَ الأرض مِثْلَهُنَّ﴾ قال : سبع أرضين في كلّ أرض نبيّ كنبيكم، وآدم كآدم، ونوح كنوح، وإبراهيم كإبراهيم، وعيسى كعيسى، قال البيهقي : هذا إسناده صحيح، وهو شاذّ بمرّة لا أعلم لأبي الضحى عليه متابعاً. وأخرج ابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن ابن عمرو قال : قال رسول الله ﷺ :«إن الأرضين بين كل أرض والتي تليها مسيرة خمسمائة عام، والعليا منها على ظهر حوت قد التقى طرفاه في السماء، والحوت على صخرة، والصخرة بيد ملك. والثانية مسجن الريح، فلما أراد الله أن يهلك عاداً أمر خازن الريح أن يرسل عليهم ريحاً يهلك عاداً، فقال : يا ربّ أرسل عليهم من الريح قدر منخر الثور ؟ فقال له الجبار : إذن تكفأ الأرض ومن عليها، ولكن أرسل عليهم بقدر خاتم فهي التي قال الله في كتابه :﴿مَا تَذَرُ مِن شَيْء أَتَتْ عَلَيْهِ إِلاَّ جَعَلَتْهُ كالرميم﴾ [الذاريات: ٤٢] والثالثة فيها حجرة جهنم، والرابعة فيها كبريت جهنم، فقالوا : يا رسول الله للنار كبريت ؟ قال : نعم، والذي نفسي بيده إن فيها لأودية من كبريت لو أرسل فيها الجبال الرواسي لماعت» إلى آخر الحديث. قال الذهبي متعقباً للحاكم : هو حديث منكر. وأخرج عثمان بن سعيد الدارمي عن ابن عباس قال : سيد السموات السماء التي فيها العرش، وسيد الأرضين الأرض التي نحن فيها.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى