تفسير القرآن الكريم — ابن عثيمين

عن الكتاب
﴿والسماء والطارق﴾ ابتدأ الله عز وجل هذه السورة بالقسم، أقسم الله تعالى بالسماء والطارق وقد يشكل على بعض الناس كيف يقسم الله سبحانه وتعالى بالمخلوقات مع أن القسم بالمخلوقات شرك لقول النبي صلى الله عليه وسلّم :«من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك »، وقال عليه الصلاة والسلام :«من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت ». فلا يجوز الحلف بغير الله لا بالأنبياء، ولا بالملائكة، ولا بالكعبة، ولا بالوطن، ولا بأي شيء من المخلوقات ؟
والجواب على هذا الإشكال أن نقول : إن الله سبحانه وتعالى له أن يقسم بما شاء من خلقه، و إقسامه بما يقسم به من خلقه يدل على عظمة الله عز وجل، لأن عِظم المخلوق يدل على عِظم الخالق، وقد أقسم الله تعالى بأشياء كثيرة من خلقه، ومن أحسن ما رأيته تكلم على هذا الموضوع ابن القيم رحمه الله في كتابه ( التبيان في أقسام القرآن ) وهو كتاب جيد ينفع طالب العلم كثيراً، فهنا يقسم الله تعالى بالسماء، والسماء هو كل ما علاك، فكل ما علاك فهو سماء، حتى السحاب الذي ينزل منه المطر يسمى سماءً، كما قال الله تعالى :﴿أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها﴾ [الرعد: ١٧]. وإذا كان يطلق على كل ما علاك فإنه يشمل ما بين السماء والأرض ويشمل السماوات كلها لأنها كلها قد علتك وهي فوقك. وأما قوله :﴿والطارق﴾ فهو قسم ثان، أي أن الله أقسم بالطارق. فما هو الطارق ؟ ليس الطارق هو الذي يطرق أهله ليلاً بل فسره الله عز وجل بقوله :﴿النجم الثاقب﴾ هذا هو الطارق، والنجم هنا يحتمل أن يكون المراد به جميع النجوم فتكون ( ال ) للجنس، ويحتمل أنه النجم الثاقب، أي : النجم اللامع، قوي اللمعان، لأنه يثقب الظلام بنوره، وأيًّا كان فإن هذه النجوم من آيات الله عز وجل الدالة على كمال قدرته، في سيرها وانتظامها، واختلاف أشكالها واختلاف منافعها أيضاً، قال الله تبارك وتعالى :﴿وعلامات وبالنجم هم يهتدون﴾ [النحل: ١٦]. وقال تعالى :﴿ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوماً للشياطين﴾ [الملك: ٥]. فهي زينة للسماء، ورجوماً للشياطين، وعلامات يهتدى بها.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى