فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
أقسم سبحانه بالسماء والطارق، وهو : النجم الثاقب، كما صرّح به التنزيل. قال الواحدي : قال المفسرون : أقسم الله بالسماء والطارق، يعني : الكواكب تطرق بالليل، وتخفى بالنهار. قال الفرّاء : الطارق النجم لأنه يطلع بالليل، وما أتاك ليلاً فهو طارق. وكذا قال الزجاج والمبرد : ومنه قول امرئ القيس :
ومثلك حبلى قد طرقت ومرضعفألهيتها عن ذي تمائم محول
وقوله أيضاً :
ألم ترياني كلما جئت طارقاوجدت بها طيباً وإن لم تطيب
وقد اختلف في الطارق هل هو نجم معين أو جنس النجم ؟ فقيل : هو زحل. وقيل : الثريا. وقيل : هو الذي ترمى به الشياطين. وقيل : هو جنس النجم. قال في الصحاح :﴿والطارق﴾ : النجم الذي يقال له كوكب الصبح، ومنه قول هند بنت عتبة :
نحن بنات طارق *** نمشي على النمارق
أي إن أبانا في الشرف كالنجم المضيء، وأصل الطروق : الدقّ، فسمي قاصد الليل طارقاً لاحتياجه في الوصول إلى الدق. وقال قوم : إن الطروق قد يكون نهاراً، والعرب تقول : أتيتك اليوم طرقتين : أي مرتين، ومنه قوله ﷺ :«أعوذ بك من شرّ طوارق الليل والنهار إلاَّ طارقاً يطرق بخير ». ثم بيّن سبحانه ما هو الطارق، تفخيماً لشأنه بعد تعظيمه بالإقسام به فقال :﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطارق * النجم الثاقب﴾ الثاقب : المضيء، ومنه يقال : ثقب النجم ثقوباً وثقابة : إذا أضاء، وثقوبه ضوءه، ومنه قول الشاعر :
أذاع به في الناس حتى كأنهبعلياء نار أوقدت بثقوب
قال الواحدي : الطارق يقع على كل ما طرق ليلاً، ولم يكن النبيّ ﷺ يدري ما المراد به لو لم يبينه بقوله :﴿النجم الثاقب﴾ قال مجاهد : الثاقب المتوهج. قال سفيان : كل ما في القرآن.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله :﴿والسماء والطارق﴾ قال : أقسم ربك بالطارق : وكل شيء طرقك بالليل فهو طارق. وأخرج ابن جرير عنه في قوله :﴿إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ قال : كل نفس عليها حفظة من الملائكة. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة عن ابن عباس في قوله :﴿النجم الثاقب﴾ قال : النجم المضيء ﴿إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ قال : إلاّ عليها حافظ. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عنه :﴿يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصلب والترائب﴾ قال : ما بين الجيد والنحر. وأخرج ابن أبي حاتم عنه في الآية قال : تريبة المرأة وهي موضع القلادة. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عنه أيضاً قال : الترائب بين ثديي المرأة. وأخرج الحاكم وصححه عنه أيضاً قال : الترائب أربعة أضلاع من كلّ جانب من أسفل الأضلاع. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عنه أيضاً :﴿إِنَّهُ على رَجْعِهِ لَقَادِرٌ﴾ قال : على أن يجعل الشيخ شاباً، والشابّ شيخاً.
وأخرج عبد الرزاق والفريابي وعبد بن حميد والبخاري في تاريخه، وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة والحاكم وصححه، وابن مردويه من طرق عن ابن عباس في قوله :﴿والسماء ذَاتِ الرجع﴾ قال : المطر بعد المطر ﴿والأرض ذَاتِ الصدع﴾ قال : صدعها عن النبات. وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس ﴿والأرض ذَاتِ الصدع﴾ تصدّع الأودية. وأخرج ابن منده والديلمي عن معاذ بن أنس مرفوعاً ﴿والأرض ذَاتِ الصدع﴾ قال : تصدع بإذن الله عن الأموال والنبات. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله :﴿إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ قال : حقّ، ﴿وَمَا هوَ بالهزل﴾ قال : بالباطل، وفي قوله :﴿أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً﴾ قال : قريباً.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى