تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي

عن الكتاب
الآية ٨ : وقوله تعالى :﴿إنه على رجعه لقادر﴾ قال بعضهم : أنه على رده إلى صلب أبيه لقادر، وقال بعضهم : إنه على بعثه لقادر، وهذا أشبه التأويلين لأن الآية في موضع الاحتجاج على الكفرة. ولم يذكر عن أحد التنازع في نفي الرد إلى الصلب وإنكاره حتى تدفع المنازعة بهذا.
وكانوا أهل إنكار بالبعث، فاحتج عليهم بابتداء الخلقة. وكذلك أكثر ما جرى به الاحتجاج في إثبات البعث في القرآن، إنما احتج عليهم بالابتداء.
[ وإن ](١) كان التأويل على رده إلى صلب أبيه، فوجه الرد، هو أن يرد من حالة الشيب إلى حالة الشباب ثم من حالة الكبر إلى حالة الصغر ثم إلى حالة الطفولية، ثم يرد مضغة، ثم يرد علقة ثم نطفة، ثم يرد النطفة إلى صلب أبيه، لا أن يوصف الله تعالى بالقدرة على رده، وهو على حاله نسمة عظيمة إلى صلب أبيه مع ضيق ذلك المكان، ولأن هذا محال، والله تعالى لا يوصف بالقدرة على [ محال، وليس في مالا يوصف بالقدرة على ](٢) المحال نفي القدرة عنه في الأزل. وبهذا يجاب من سأل، فقال : أيقدر الله تعالى على إدخال الدنيا في بيضة ؟ فيقال له : إن أردت إدخالها في البيضة في أن تصغر الدنيا، وتضيقها، حتى تجعلها أضيق من البيضة أو [ أن توسع البيضة حتى تسع فيها ](٣) الدنيا، فهو على ذلك قادر.
وإن أردت أنه قادر على إدخالها فيها على إبقاء البيضة بحالها وبقاء الدنيا بحالها، فهذا محال لما فيه من انقلاب البعض كلا والكل بعضا.
فكذلك يوصف الله تعالى [ بالقدرة ](٤) على رد النسمة إلى الصلب بالوجه الذي ذكرنا، لا أن يردها على ما هي عليها إلى الصلب لما في ذلك من الإحالة.
وكذلك إذا سئلنا عن حركات أهل الجنة والسكون، هل لهما غاية ؟ فنقول : لا، فإن قالوا : هل يعلم الله تعالى غايتها وعددها ؟ فنقول له : يعلمها غير منقطعة لا يعلمها منقطعة. ولم يكن في قولنا : إنه لم يعلمه منقطعا، إثبات جهل ولا نفي العلم عنه، بل الجهل إنما يتحقق إذا وصف العلم بالانقطاع في ما لا ينقطع.
فكذلك ليس في نفي الوصف بالقدرة على المحال إثبات عجزه، والله أعلم.
١ من م، في الأصل: و..
٢ من م، ساقطة من الأصل..
٣ في الأصل: توسع فيه، في م: توسع البيضة حتى تسع فيه..
٤ ساقطة من الأصل وم..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى