الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري

عن الكتاب
﴿لَّمَسْجِدٌ أُسّسَ عَلَى التقوى﴾ قيل : هو مسجد قباء أسسه رسول الله ﷺ وصلى فيه أيام مقامه بقباء، وهي يوم الاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس، وخرج يوم الجمعة، وهو أولى، لأنّ الموازنة بين مسجدي قباء أوقع. وقيل : هو مسجد رسول الله ﷺ بالمدينة، وعن أبي سعيد الخدري : سألت رسول الله ﷺ عن المسجد الذي أسس على التقوى، فأخذ حصباء فضرب بها الأرض وقال :" هو مسجدكم هذا مسجد المدينة " ﴿مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾ من أول يوم من أيام وجوده ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ﴾ قيل : لما نزلت مشى رسول الله ﷺ ومعه المهاجرون حتى وقف على باب مسجد قباء، فإذا الأنصار جلوس فقال : أمؤمنون أنتم ؟ فسكت القوم، ثم أعادها : فقال عمر : يا رسول الله إنهم لمؤمنون وأنا معهم. فقال ﷺ :«أترضون بالقضاء ؟ » قالوا : نعم، قال :«أتصبرون على البلاء ؟ » قالوا : نعم. قال :«أتشكرون في الرخاء ؟ » قالوا : نعم. قال ﷺ :«مؤمنون ورب الكعبة ». فجلس ثم قال : يا معشر الأنصار، إنّ الله عزّ وجلّ قد أثنى عليكم فما الذي تصنعون عند الوضوء وعند الغائط، فقالوا : يا رسول الله، نتبع الغائط الأحجار الثلاثة، ثم نتبع الأحجار الماء. فتلا النبي ﷺ :﴿رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ﴾. وقرىء ؛ «أن يطهروا » بالإدغام. وقيل : هو عام في التطهر من النجاسات كلها. وقيل : كانوا لا ينامون الليل على الجنابة، ويتبعون الماء أثر البول. وعن الحسن : هو التطهر من الذنوب بالتوبة. وقيل : يحبّون أن يتطهروا بالحمى المكفرة لذنوبهم، فحموا عن آخرهم.
فإن قلت : ما معنى المحبتين ؟ قلت : محبتهم للتطهر أنهم يؤثرونه ويحرصون عليه حرص المحبّ للشيء المشتهى له على إيثاره. ومحبة الله تعالى إياهم : أنه يرضى عنهم ويحسن إليهم، كما يفعل المحبّ بمحبوبه.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى