الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي

عن الكتاب
أخرج مسلم وأبو داود وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه عن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال : كنت عند منبر رسول الله ﷺ في نفر من أصحابه فقال رجل منهم، ما أبالي أن لا أعمل لله عملاً بعد الإِسلام إلا أن أسقي الحاج. وقال آخر : بل عمارة المسجد الحرام. وقال آخر : بل الجهاد في سبيل الله خير مما قلتم. فزجرهم عمر رضي الله عنه وقال : لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله ﷺ - وذلك يوم الجمعة - ولكن إذا صليتم الجمعة دخلت على رسول الله ﷺ فاستفتيته فيما اختلفتم فيه، فأنزل الله ﴿أجعلتم سقاية الحاج﴾ إلى قوله ﴿والله لا يهدي القوم الظالمين﴾.
وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ﴿أجعلتم سقاية الحاج. . .﴾ الآية. وذلك أن المشركين قالوا : عمارة بيت الله، وقيام على السقاية، خير ممن آمن وجاهد. فكانوا يفخرون بالحرم ويستكبرون به من أجل أنهم أهله وعماره، فذكر الله استكبارهم وإعراضهم فقال لأهل الحرم من المشركين ﴿قد كانت آياتي تتلى عليكم فكنتم على أعقابكم تنكصون. مستكبرين به سامراً تهجرون﴾ [المؤمنون: ٦٧]. يعني أنهم كانوا يستكبرون بالحرم. وقال ( به سامراً ) كانوا به يسمرون ويهجون بالقرآن والنبي ﷺ، فخير الإِيمان بالله والجهاد مع نبي الله ﷺ على عمران المشركين البيت وقيامهم على السقاية، ولم يكن ينفعهم عند الله تعالى مع الشرك به وإن كانوا يعمرون بيته ويخدمونه، قال الله ﴿لا يستوون عند الله والله لا يهدي القوم الظالمين﴾ يعني الذين زعموا أنهم أهل العمارة، فسماهم الله ظالمين بشركهم فلم تغن عنهم العمارة شيئاً.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال العباس رضي الله عنه حين أسر يوم بدر : إن كنتم سبقتمونا بالإِسلام والهجرة والجهاد لقد كنت نعمر المسجد الحرام، ونسقي الحاج، ونفك العاني، فأنزل الله ﴿أجعلتم سقاية الحاج. . .﴾ الآية. يعني أن ذلك كان في الشرك، فلا أقبل ما كان في الشرك.
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام. . .﴾ الآية. قال : نزلت في علي بن أبي طالب والعباس رضي الله عنه.
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الشعبي رضي الله عنه قال : نزلت هذه الآية ﴿أجعلتم سقاية الحاج﴾ في العباس وعلي رضي الله عنهما تكلما في ذلك.
وأخرج ابن مردويه عن الشعبي رضي الله عنه قال : كانت بين علي والعباس رضي الله عنهما منازعة فقال العباس لعلي رضي الله عنه : أنا عم النبي ﷺ وأنت ابن عمه، وإلي سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام، فأنزل الله ﴿أجعلتم سقاية الحاج. . .﴾ الآية.
وأخرج عبد الرزاق عن الحسن قال : نزلت في علي والعباس وعثمان وشيبة تكلموا في ذلك.
وأخرج ابن أبي شيبة وأبو الشيخ وابن مردويه عن عبد الله بن عبيدة رضي الله عنه قال : قال علي رضي الله عنه للعباس : لو هاجرت إلى المدينة. قال : أوَلست في أفضل من الهجرة ؟ ألست أسقي الحاج، وأعمر المسجد الحرام ؟ فنزلت هذه الآية يعني قوله ﴿أعظم درجة عند الله﴾ قال : فجعل الله للمدينة فضل درجة على مكة.
وأخرج الفريابي عن ابن سيرين قال : قدم علي بن أبي طالب رضي الله عنه مكة فقال للعباس رضي الله عنه : أي عم ألا تهاجر، ألا تلحق برسول الله ﷺ ؟ فقال : أعمر المسجد الحرام، وأحجب البيت. فأنزل الله ﴿أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام. . .﴾ الآية. وقال لقوم قد سماهم : ألا تهاجرون ألا تلحقون برسول الله ﷺ ؟ فقالوا : نقيم مع إخواننا وعشائرنا ومساكننا، فأنزل الله تعالى ﴿قل إن كان آباؤكم﴾ [التوبة: ٢٤] الآية كلها.
وأخرج ابن جرير عن محمد بن كعب القرظي رضي الله عنه قال : افتخر طلحة بن شيبة، والعباس، وعلي بن أبي طالب، فقال طلحة : أنا صاحب البيت معي مفتاحه. وقال العباس رضي الله عنه : أنا صاحب السقاية والقائم عليها : فقال علي رضي الله عنه : ما أدري ما تقولون : لقد صليت إلى القبلة قبل الناس، وأنا صاحب الجهاد، فأنزل الله ﴿أجعلتم سقاية الحاج. . .﴾ الآية كلها.
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن الضحاك رضي الله عنه قال : أقبل المسلمون على العباس وأصحابه الذين أسروا يوم بدر يعيرونهم بالشرك، فقال العباس : أما - والله - لقد كنا نعمر المسجد الحرام، ونفك العاني، ونحجب البيت، ونسقي الحاج، فأنزل الله ﴿أجعلتم سقاية الحاج﴾ الآية.
وأخرج أبو نعيم في فضائل الصحابة وابن عساكر عن أنس رضي الله عنه قال : قعد العباس وشيبة صاحب البيت يفتخران، فقال له العباس رضي الله عنه : أنا أشرف منك، أنا عم رسول الله ﷺ، ووصي أبيه، وساقي الحجيج. فقال شيبة : أنا أشرف منك، أنا أمين الله على بيته وخازنه، أفلا ائتمنك كما ائتمنني ؟ فأطلع عليهما عليّ رضي الله عنه فأخبراه بما قالا. فقال علي رضي الله عنه : أنا أشرف منكما، أنا أوّل من آمن وهاجر : فانطلقوا ثلاثتهم إلى النبي ﷺ فأخبروه. فما أجابهم بشيء، فانصرفوا فنزل عليه الوحي بعد أيام، فأرسل إليهم فقرأ عليهم ﴿أجعلتم سقاية الحاج﴾ إلى آخر العشر.
وأخرج أبو الشيخ عن أبي حمزة السعدي أنه قرأ ﴿أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام﴾.
وأخرج أبو الشيخ عن الحسن رضي الله عنه في قوله ﴿أجعلتم سقاية الحاج﴾ قال : أرادوا أن يدعوا السقاية والحجابة فقال رسول الله ﷺ « لا تدعوها فإن لكم فيها خيراً ».
وأخرج ابن أبي شيبة وأبو الشيخ عن عبد الله بن السائب رضي الله عنه قال : اشرب من سقاية العباس فإنها من السنة. ولفظ ابن أبي شيبة : فإنه من تمام الحج.
وأخرج البخاري والحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن ابن عباس رضي الله عنهما « أن رسول الله ﷺ جاء إلى السقاية فاستسقى، فقال للعباس : يا فضل اذهب إلى أمك فائت رسول الله ﷺ بشراب من عندها، فقال : اسقني. فقال : يا رسول الله إنهم يجعلون أيديهم فيه. فقال : اسقني. فشرب منه ثم أتى زمزم وهم يسقون ويعملون فيها فقال : اعملوا فإنكم على عمل صالح، لولا أن تغلبوا لنزلت حتى أضع الحبل على هذه، وأشار إلى عاتقه ».
وأخرج أحمد عن أبي محذورة رضي الله عنه قال : جعل رسول الله ﷺ الأذان لنا ولموالينا، والسقاية لنبي هاشم، والحجابة لبني عبد الدار.
وأخرج ابن سعد عن علي رضي الله عنه قال « قلت للعباس رضي الله عنه : سل لنا رسول الله ﷺ ألا نأتيك بماء لم تمسه الأيدي ؟ قال : بلى، فاسقوني فسقوه، ثم أتى زمزم فقال : استقوا لي منها دلواً، فأخرجوا منها دلواً فمضمض منه ثم مجه فيه، ثم قال : أعيدوه ثم قال : إنكم على عمل صالح، ثم قال : لولا أن تغلبوا عليه لنزلت فنزعت معكم ».
وأخرج ابن سعد عن جعفر بن تمام قال : جاء رجل إلى ابن عباس رضي الله عنهما فقال : أرأيت ما تسقون الناس من نبيذ هذا الزبيب، أسنة تبغونها أم تجدون هذا أهون عليكم من البن والعسل ؟ قال ابن عباس رضي الله عنهما :« إن رسول الله ﷺ أتى العباس وهو يسقي الناس فقال «اسقني. فدعا العباس بعساس من نبيذ، فتناول رسول الله ﷺ عساً منها فشرب، ثم قال : أحسنتم هكذا فاصنعوا. قال ابن عباس رضي الله عنهما : فما يسرني أن سقايتها جرت عليَّ لبناً وعسلا مكان قول رسول الله ﷺ : أحسنتم هكذا فافعلوا ».
وأخرج ابن سعد عن مجاهد رضي الله عنه قال : اشرب من سقاية آل العباس فإنها من السنة ».
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عطاء رضي الله عنه في قوله ﴿أجعلتم سقاية الحاج ؟﴾ قال : زمزم.
وأخرج عبد الرزاق في المصنف والأزرقي في تاريخ مكة والبيهقي في الدلائل عن الزهري رضي الله عنه قال : أول ما ذكر من عبد المطلب جد رسول الله ﷺ : أن قريشاً خرجت من الحرم فارّة من أصحاب الفيل وهو غلام شاب فقال : والله لا أخرج من حرم الله أبتغي العز في غيره. فجلس عند البيت وأجلت عنه قريش فقال :
اللهم إن المرء يمنع رحله فامنع رحالكلا يغلبن صليبهم وضلالهم عدواً محالك
فلم يزل ثابتاً في الحرم حتى أهلك الله الفيل وأصحابه، فرجعت قريش وقد عظم فيها لصبره وتعظيمه محارم الله، فبينما هو في ذلك وقد ولد له أكبر بنيه، فأدرك - وهو الحارث بن عبد المطلب - فأتي عبد المطلب في المنام فقيل له : احفر زمزم خبيئة الشيخ الأعظم، فاستيقظ فقال : اللهمَّ بيِّن لي. فأتي في المنام مرة أخرى فقيل : احفرتكم بين الفرث والدم في مبحث الغراب في قرية النمل مستقبل الأنصاب الحمر. فقام عبد المطلب فمشى حتى جلس في المسجد الحرام ينتظر ما سمي له من الآيات، فنحرت بقرة بالجزورة فانفلتت من جازرها تحمي نفسها حتى غلب عليها الموت في المسجد في موضع زمزم، فجزرت تلك البقرة من مكانها حتى احتمل لحمها فأقبل غراب يهوي حتى وقع في الفرث، فبحث عن قرية النمل فقام عبد المطلب فحفر هناك، فجاءته قريش فقالت لعبد المطلب : ما هذا الصنيع إنما لم نكن نرميك بالجهل لم تحفر في مسجدنا ؟ ! فقال عبد المطلب : إني لحافر هذا البئر ومجاهد من صدني عنها. فطفق هو وولده الحارث وليس له ولد يومئذ غيره، فسفه عليهما يومئذ ناس من قريش فنازعوها وقاتلوهما، وتناهى عنه ناس من قريش لما يعلمون من عتق نسبه وصدقه واجتهاده في دينهم.
حتى إذا أمكن الحفر واشتد عليه الأذى، نذر أن وفي له عشرة من الولدان ينحر أحدهم، ثم حفر حتى أدرك سيوفاً دفنت في زمزم حين دفنت، فلما رأت قريش أنه قد أدرك السيوف قالوا : يا عبد المطلب أجدنا مما وجدت. فقال عبد المطلب : هذه السيوف لبيت الله. فحفر حتى انبط الماء في التراب وفجرها حتى لا تنزف وبنى عليها حوضاً، فطفق هو وابنه ينزعان فيملآن ذلك الحوض فيشربه الحاج، فيكسره أناس حسدة من قريش فيصلحه عبد المطلب حين يصبح.
فلما أكثروا فساده دعا عبد المطلب ربه، فأريَ في المنام فقيل له : قل اللهمَّ لا أحلها المغتسل ولكن هي للشاربين حل وبل ثم كفيتهم. فقام عبد المطلب حين اختلفت قريش في المسجد، فنادى بالذي أرى ثم انصرف فلم يكن يفسد حوضه ذلك عليه أحد من قريش إلا رمى في جسده بداء حتى تركوا حوضه وسقايته، ثم تزوّج عبد المطلب النساء فولد له عشرة رهط.
فقال : اللهمَّ إني كنت نذرت لك نحر أحدهم وإني أقرع بينهم فأصيب بذلك من شئت. فأقرع بينهم فطارت القرعة على عبد الله، وكان أحب ولده إليه فقال عبد المطلب : اللهم هو أحب إليك أم مائة من الابل ؟ ثم أقرع بينه وبين المائة من الإِبل فطارت القرعة على المائة من الإِبل، فنحرها عبد المطلب.
وأخرج الأزرقي والبيهقي في الدلائل عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : قال عبد المطلب : إني لنائم في الحجر إذ أتاني آت فقال : أحفر طيبة. قلت : وما طيبة ؟ فذهب عني، فلما كان من الغد رجعت إلى مضجعي فن

تفسير هذه الآية من كتب أخرى