زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجّ﴾ في سبب نزولها ستة أقوال :
أحدها : رواه مسلم في " صحيحه " من حديث النعمان بن بشير قال. كنت عند منبر رسول الله ﷺ، فقال رجل : ما أبالي أن لا أعمل عملا بعد أن أسقي الحاج، وقال الآخر : ما أبالي أن لا أعمل عملا بعد أن أعمر المسجد الحرام، وقال آخر : الجهاد في سبيل الله أفضل مما قلتم، فزجرهم عمر، وقال : لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله ﷺ، وهو يوم الجمعة، ولكني إذا صليت الجمعة، دخلت فاستفتيت رسول الله فيما اختلفتم فيه، فنزلت هذه الآية.
والثاني : أن العباس بن عبد المطلب قال يوم بدر : لئن كنتم سبقتمونا بالإسلام والهجرة والجهاد، لقد كنا نعمر المسجد الحرام ونسقي الحاج ونفك العاني، فنزلت هذه الآية، رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس.
والثالث : أن المشركين قالوا : عمارة بيت الله الحرام، والقيام على السقاية، خير ممن آمن وجاهد. وكانوا يفتخرون بالحرم من أجل أنهم أهله، فنزلت هذه الآية، رواه عطية العوفي عن ابن عباس.
والرابع : أن عليا والعباس وطلحة - يعني سادن الكعبة - افتخروا، فقال طلحة : أنا صاحب البيت، بيدي مفتاحه، ولو أشاء بت فيه. وقال العباس : أنا صاحب السقاية، والقائم عليها، ولو أشاء بت في المسجد. وقال علي : ما أدري ما تقولون، لقد صليت ستة أشهر قبل الناس، وأنا صاحب الجهاد، فنزلت هذه الآية، قاله الحسن، والشعبي، والقرظي.
والخامس : أنهم لما أمروا بالهجرة قال العباس : أنا أسقي الحاج، وقال طلحة : أنا صاحب الكعبة فلا نهاجر، فنزلت هذه الآية والتي بعدها، قاله مجاهد. هكذا ذكر مجاهد، وإنما الصواب عثمان بن طلحة، لأن طلحة هذا لم يسلم.
والسادس : أن عليا قال للعباس : ألا تلحق بالنبي ﷺ ؟ فقال : ألست في أفضل من الهجرة، ألست أسقي حاج بيت الله وأعمر المسجد الحرام ؟ فنزلت هذه الآية والتي بعدها، قاله مرةُ الهمداني، وابن سيرين. قال الزجاج : ومعنى الآية : أجعلتم أهل سقاية الحاج وأهل عمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله ؟ فحذف المضاف، وأقام المضاف إليه مقامه. قال الحسن : كان ينبذ زبيب، فيسقون الحاج في الموسم. وقال ابن عباس : عمارة المسجد : تجميره، وتخليقه، فأخبر الله أن أفعالهم تلك لا تنفعهم مع الشرك، وسماهم ظالمين لشركهم.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى