محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي

عن الكتاب
٢٧ ﴿ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء والله غفور رحيم﴾
﴿ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء﴾ أي منهم، لحكمة تقتضيه أي يوفقه للإسلام ﴿والله غفور﴾ أي يتجاوز عما سلف منهم من الكفر والمعاصي ﴿رحيم﴾ أي يتفضل عليهم ويثيبهم.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:تنبيهات
الأول – فيما نقل في غزوة(١) ( حنين ) وتسمى غزوة ( أوطاس ) وهما موضعان بين مكة والطائف، فسميت الغزوة باسم مكانها، وتسمى غزوة ( هوازن )، لأنهم الذين أتوا لقتال رسول الله ﷺ وكانت هذه الوقعة بعد فتح مكة، في شوال سنة ثمان من الهجرة، فإن الفتح كان لعشر بقين من رمضان، وبعده أقام رسول الله ﷺ بمكة خمس عشرة ليلة، وهو يقصر الصلاة، فبلغه أن هوازن وثقيف جمعوا له، وهم عامدون إلى مكة، وقد نزلوا ( حنينا ) وكانوا حين سمعوا بمخرج رسول ﷺ بالمدينة يظنون أنه إنما يريدهم. فاجتمعت هوازن إلى مالك بن عوف من بني نصر، وقد أوعب معه بني نصر بن معاوية بن بكر بن هوازن وبني جشم بن معاوية وبني سعد بن بكر، وناسا من بني هلال بن عامر بن صعصعة بن معاوية والأحلاف وبني مالك بن ثقيف بن بكر، وفي جشم دريد بن الصمة رئيسهم وكبيرهم، شيخ كبير، ليس فيه إلا رأيه ومعرفته بالحرب، وكان شجاعا مجربا، وجميع أمر الناس إلى مالك بن عوف. فلما أتاهم أن رسول الله ﷺ فتح مكة، أقبلوا عامدين إليه، فأجمع السير إلى رسول الله ﷺ، وساق مع الناس أموالهم ونساءهم وأبناءهم، يرى أنه أثبت لموقفهم، فلما نزل بأوطاس اجتمع إليه الناس، فقال دريد :/ بأي واد أنتم ؟ قالوا : بأوطاس. قال : نعم مجال الخيل، لا حزن ضرس، ولا سهل دهس، مالي أسمع رغاء البعير، ونهاق الحمير، ويعار الشاء وبكاء الصغير ؟ قالوا : ساق مالك مع الناس نساءهم وأموالهم وأبناءهم ليقاتلوا عنها، فقال : راعي ضأن والله وهل يرد المنهزم شيء ؟ إنها إن كانت لك لم ينفعك إلا رجل بسلاحه، وإن كانت عليك فضحت في أهلك ومالك ثم قال : ما فعلت كعب وكلاب ؟ قالوا : لم يشهدها أحد منهم. قال غاب الحد والجد، لو كان يوم علاء ورفعة لم يغب عنهم كعب ولا كلاب، ولو وددت أنكم فعلتم ما فعلا. فمن شهدها منكم ؟ قالوا : عمر وعوف وابنا عامر، قال : ذانك الجدعان، لا ينفعان ولا يضران ثم أنكر على مالك رأيه في ذلك وقال له : لم تصنع بتقديم بيضة هوازن إلى نحور الخيل شيئا، ارفعهم إلى ممتنع بلادهم، وعليا قومهم، ثم ألق الصبيان على متون الخيل شيئا، فإن كانت لك، لحق بك من ورائك، وإن كانت لغيرك، كنت قد أحرزت أهلك ومالك. قال : لا والله لا أفعل ذلك، إنك قد كبرت وكبر عقلك، والله لتطيعني يا معشر هوازن، أو لأتكئن على هذا السيف حتى يخرج من ظهري ! وكره أن يكون لدريد بن الصمة فيها ذكر أو رأي. قالوا أطعناك، فقال دريد : هذا يوم لم أشهده، ولم يفتني. ثم قال مالك للناس : إذا رأيتموهم فاكسروا جفون سيوفكم، ثم شدوا شدة رجل واحد، وبعث عيونا من رجاله فأتوه، وقد تفرقت أوصالهم، فقال : ويلكم ما شأنكم ؟ قالوا : رأينا رجالا بيضا، على خيل بلق : والله ما تماسكنا أن أصابنا ما ترى، فوالله ما رده ذلك عن وجهه أن مضى على ما يريد.
فلما سمع بهم نبي الله ﷺ بعث عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي يستعلم خبرهم، فجاءه وأطلعه على جلية الخبر، وأنهم قاصدون إليه، فاستعار رسول الله ﷺ، من صفوان بن أمية مائة درع- وقيل أربعمائة – وخرج في اثني عشر ألفا من المسلمين، عشرة آلاف الذين صحبوه من المدينة، وألفان من مسلمة الفتح، واستعمل على مكة عتاب بن أسيد بن أبي العيص بن أمية، ومضى لوجهه، وفي جملة من اتبعه عباس بن مرداس والضحاك بن سفيان / الكلابي، وجموع من عبس وذبيان، ومزينة، وبني أسد، ومر في طريقه بشجرة سدر خضراء، وكان لهم في الجاهلية مثلها، يطوف بها الأعراب ويعظمونها ويسمونها ذات أنواط. فقالوا(٢) يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط، كما لهم ذات أنواط، فقال لهم :" قلتم كما قال قوم موسى(٣) ﴿اجعل لنا إلها كما لهم آلهة﴾ والذي نفسي بيده، لتركبن سنن من كان قبلكم ". ثم نهض حتى أتى وادي حنين من أودية تهامة، وهو واد حزن فتوسطوه في غبش الصبح، وقد كمنت هوازن في جانبيه، فحملوا على المسلمين حملة رجل واحد فولى المسلمون لا يلوي أحد على أحد، وناداهم ﷺ فلم يرجعوا وثبت معه أبو بكر وعمر وعلي والعباس وأبو سفيان بن الحرث وابنه جعفر، والفضل وقثم ابنا العباس، وجماعة سواهم، والنبي ﷺ، على بغلته البيضاء ( دلدل ) والعباس آخذ بشكائمها، وكان جهير الصوت، فأمره رسول الله ﷺ، أن ينادي بالأنصار وأصحاب الشجرة، ( قيل : المهاجرين ) فلما سمعوا الصوت وذهبوا ليرجعوا صدهم ازدحام الناس عن أن يثنوا رواحلهم فاستقاموا وتناولوا سيوفهم وتراسهم، واقتحموا عن الرواحل راجعين إلى النبي ﷺ، وقد اجتمع منهم حواليه نحو المائة، فاستقبلوا هوازن والناس متلاحقون واشتدت الحرب، وحمي الوطيس، ولما غشوا رسول الله ﷺ نزل عن بغلته ثم قبض قبضة من تراب الأرض، ثم استقبل به وجوههم وقال :" شاهت الوجوه " فما بقي إنسان منهم إلا أصابه منها في عينيه وفمه، ثم صدق المسلمون الحملة عليهم، وقذف الله في قلوب هوازن الرعب. فلم يملكوا أنفسهم، فولوا منهزمين ولحق آخر الناس، وأسرى هوازن مغلولة بين يديه، وغنم المسلمون عيالهم وأموالهم، واستحر القتل في بني مالك من ثقيف، فقتل منهم يومئذ سبعون رجلا، وانحازت طوائف هوازن إلى أوطاس، واتبعتهم طائفة من خيل / المسلمين الذي توجهوا من ( نخلة )، فأدركوا فيهم دريد بن الصمة فقتلوه، وبعث ﷺ، إلى من اجتمع بأوطاس من هوازن، أبا عامر الأشعري عم أبي موسى فقاتلهم، وقتل بسهم رماه به سلمة بن دريد بن الصمة، فأخذ أبو موسى الراية، وشد على قاتل عمه، فقتله، وانهزم المشركون، وانفضت جموع أهل هوازن كلها، واستشهد من المسلمين يومئذ أربعة، ثم جمعت إلى رسول الله ﷺ، سبايا حنين وأموالها، فأمر بها، فحبست ( بالجعرانة ) بنظر مسعود بن عمرو الغفاري. وسار ﷺ من فوره إلى الطائف فحاصر بها ( ثقيف ) خمس عشرة ليلة، وقاتلوا من وراء الحصون، وأسلم من كان حولهم من الناس، وجاءت وفودهم إليه، ثم انصرف ﷺ عن الطائف، ونزل الجعرانة فيمن معه من الناس وأتاه هناك وفد هوازن مسلمين راغبين فخيرهم بين العيال والأبناء والأموال، فاختاروا العيال والأبناء وكلموا المسلمين في ذلك بأمر رسول الله ﷺ، فقال ﷺ :" ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم " وقال المهاجرون والأنصار : ما كان لنا فهو لرسول الله ﷺ، ومن لم تطب نفسه عوضه رسول الله ﷺ، عن نصيبه، ورد عليهم نساءهم وأبناءهم بأجمعهم، وكان عدد سبي هوازن ستة آلاف بين ذكر وأنثى والإبل أربعة وعشرون ألفا، والغنم أكثر من أربعين ألف شاة، وأربعة آلاف أوقية فضة، وقسم ﷺ الأموال بين المسلمين، ونفل كثيرا من الطلقاء ( وهم الذين من عليهم النبي ﷺ بالإطلاق يوم فتح مكة من الأسر ونحوه ) يتألفهم على الإسلام مائة مائة من الإبل ومنهم مالك بن عوف النصري، فقال حين أسلم(٤) :
ما إن رأيت ولا سمعت بمثلهفي الناس كلهم بمثل محمد
أوفى وأعطى للجزيل إذا اجتُديومتى يشأ يخبرك عما في غد
وإذا الكتيبة عردت أنيابهابالسمهري وضرب كل مهند
فكأنه ليث على أشبالهوسط الهباءة خادر في مرصد
الثاني – قال الإمام ابن القيم في ( زاد المعاد ) في فصل جود فيه :
الإشارة إلى بعض ما تضمنته هذه الغزوة من المسائل الفقهية والنكت الحكمية ما نصه :
كان الله عز وجل قد وعد رسوله، وهو صادق الوعد، أنه إذا فتح مكة، دخل الناس في دينه أفواجا، ودانت له العرب بأسرها، فلما تم له الفتح المبين، اقتضت حكمته تعالى أن أمسك قلوب هوازن ومن تبعها عن الإسلام، وأن يجمعوا ويتألبوا لحرب رسول الله ﷺ، والمسلمين، ليظهر أمر الله، وتمام إعزازه لرسوله ونصره لدينه ولتكون غنائمهم شكرانا لأهل الفتح، وليظهر الله سبحانه لرسوله وعباده، قهره لهذه الشوكة العظيمة، التي لم يلق المسلمون مثلها، فلا يقاومهم بعدُ أحدٌ من العرب، ولغير ذلك من الحكم الباهرة التي تلوح للمتأملين، وتبدو للمتوسمين. فاقتضت حكمته سبحانه أن أذاق المسلمين أولا مرارة الهزيمة والكسرة، مع كثرة عددهم وعُددهم، وقوة شوكتهم ليطامِنَ رؤوسا رفعت بالفتح، ولم تدخل بلده وحرمه، كما دخله رسول الله ﷺ، واضعا رأسه منحنيا على فرسه، حتى إن ذقنه تكاد أن تمس سرجه، تواضعا لربه وخضوعا لعظمته، واستكانة لعزته أن أحل له حرمه وبلده، ولم يحل لأحد قبله، ولا لأحد بعده، وليبين الله لمن قال :( لن نغلب اليوم عن قلة )، أن النصر إنما هو من عنده، وأنه من ينصره فلا غالب له، ومن يخذله فلا ناصر له غيره، وأنه سبحانه هو الذي تولى نصر رسوله ودينه، لا كثرتكم التي أعجبتكم، فإنها لم تغن عنكم شيئا، فوليتم مدبرين. فلما انكسرت قلوبهم أرسلت إليها خِلَع الجبر مع بريد النصر(٥) ﴿ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم تروها﴾ وقد اقتضت حكمته أن خلع النصر وجوائزه إنما تفيض على أهل الانكسار(٦) ﴿ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون﴾. ومنها أن الله سبحانه لما منع الجيش غنائم أهل مكة، فلم يغنموا منها ذهبا ولا فضة ولا متاعا ولا سبيا ولا أرضا، كما روى أبو داود(٧) عن وهب بن منبه قال :" سألت جابرا : هل غنموا يوم الفتح شيئا ؟ قال : لا ! ".
وكانوا قد فتحوها بإيجاف الخيل والركاب، وهم عشرة آلاف وفيهم حاجة إلى ما يحتاج إليه الجيش من أصحاب القوة، فحرك سبحانه قلوب المشركين لغزوهم، وقذف في قلوبهم إخراج أموالهم ونعمهم وشياههم، وسبيهم معهم نزلا وضيافة، وكرامة لحزبه وجنده، وتمم تقديره سبحانه بأن أطمعهم في الظفر وألاح لهم مبادئ النصر، ليقضي الله أمرا كان مفعولا.
فلما أنزل الله نصره على رسوله وأوليائه وبرزت الغنائم لأهلها، وجرت فيها سهام الله ورسوله، قيل : لا حاجة لنا في دمائكم، ولا في نسائكم وذراريكم، فأوحى الله سبحانه إلى قلوبهم التوبة والإنابة، فجاءوا مسلمين، فقيل : إن من شكران إسلامكم وإتيانكم أن رد عليكم نساءكم وأبناءكم وسبيكم(٨) ﴿إن يعلم الله في قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا مما أخذ منكم ويغفر لكم، والله غفور رحيم﴾.
ومنها : أن الله سبحانه افتتح غزوات العرب بغزوة بدر، وختم غزوهم بغزوة حنين، ولهذا يقرن بين هاتين الغزاتين بالذكر، / فيقال : بدر وحنين، وإن كان بينهما سبع سنين والملائكة قاتلت بأنفسها مع المسلمين في هاتين الغزاتين، والنبي ﷺ، رمى في وجوه المشركين بالحصباء فيهما، وبهاتين الغزاتين طفئت جمرة العرب لغزو رسول الله ﷺ، فالأولى خوفتهم وكسرت من حدتهم، والثانية استفرغت قواهم واستنفذت سهامهم وأذلت جميعهم، حتى لم يجدوا بدا من الدخول في دين الله.
ومنها : أن الله سبحانه جبر بها أهل مكة وفرحهم بما نالوه من النصر والمغنم


تنبيهات
الأول – فيما نقل في غزوة(١) ( حنين ) وتسمى غزوة ( أوطاس ) وهما موضعان بين مكة والطائف، فسميت الغزوة باسم مكانها، وتسمى غزوة ( هوازن )، لأنهم الذين أتوا لقتال رسول الله ﷺ وكانت هذه الوقعة بعد فتح مكة، في شوال سنة ثمان من الهجرة، فإن الفتح كان لعشر بقين من رمضان، وبعده أقام رسول الله ﷺ بمكة خمس عشرة ليلة، وهو يقصر الصلاة، فبلغه أن هوازن وثقيف جمعوا له، وهم عامدون إلى مكة، وقد نزلوا ( حنينا ) وكانوا حين سمعوا بمخرج رسول ﷺ بالمدينة يظنون أنه إنما يريدهم. فاجتمعت هوازن إلى مالك بن عوف من بني نصر، وقد أوعب معه بني نصر بن معاوية بن بكر بن هوازن وبني جشم بن معاوية وبني سعد بن بكر، وناسا من بني هلال بن عامر بن صعصعة بن معاوية والأحلاف وبني مالك بن ثقيف بن بكر، وفي جشم دريد بن الصمة رئيسهم وكبيرهم، شيخ كبير، ليس فيه إلا رأيه ومعرفته بالحرب، وكان شجاعا مجربا، وجميع أمر الناس إلى مالك بن عوف. فلما أتاهم أن رسول الله ﷺ فتح مكة، أقبلوا عامدين إليه، فأجمع السير إلى رسول الله ﷺ، وساق مع الناس أموالهم ونساءهم وأبناءهم، يرى أنه أثبت لموقفهم، فلما نزل بأوطاس اجتمع إليه الناس، فقال دريد :/ بأي واد أنتم ؟ قالوا : بأوطاس. قال : نعم مجال الخيل، لا حزن ضرس، ولا سهل دهس، مالي أسمع رغاء البعير، ونهاق الحمير، ويعار الشاء وبكاء الصغير ؟ قالوا : ساق مالك مع الناس نساءهم وأموالهم وأبناءهم ليقاتلوا عنها، فقال : راعي ضأن والله وهل يرد المنهزم شيء ؟ إنها إن كانت لك لم ينفعك إلا رجل بسلاحه، وإن كانت عليك فضحت في أهلك ومالك ثم قال : ما فعلت كعب وكلاب ؟ قالوا : لم يشهدها أحد منهم. قال غاب الحد والجد، لو كان يوم علاء ورفعة لم يغب عنهم كعب ولا كلاب، ولو وددت أنكم فعلتم ما فعلا. فمن شهدها منكم ؟ قالوا : عمر وعوف وابنا عامر، قال : ذانك الجدعان، لا ينفعان ولا يضران ثم أنكر على مالك رأيه في ذلك وقال له : لم تصنع بتقديم بيضة هوازن إلى نحور الخيل شيئا، ارفعهم إلى ممتنع بلادهم، وعليا قومهم، ثم ألق الصبيان على متون الخيل شيئا، فإن كانت لك، لحق بك من ورائك، وإن كانت لغيرك، كنت قد أحرزت أهلك ومالك. قال : لا والله لا أفعل ذلك، إنك قد كبرت وكبر عقلك، والله لتطيعني يا معشر هوازن، أو لأتكئن على هذا السيف حتى يخرج من ظهري ! وكره أن يكون لدريد بن الصمة فيها ذكر أو رأي. قالوا أطعناك، فقال دريد : هذا يوم لم أشهده، ولم يفتني. ثم قال مالك للناس : إذا رأيتموهم فاكسروا جفون سيوفكم، ثم شدوا شدة رجل واحد، وبعث عيونا من رجاله فأتوه، وقد تفرقت أوصالهم، فقال : ويلكم ما شأنكم ؟ قالوا : رأينا رجالا بيضا، على خيل بلق : والله ما تماسكنا أن أصابنا ما ترى، فوالله ما رده ذلك عن وجهه أن مضى على ما يريد.
فلما سمع بهم نبي الله ﷺ بعث عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي يستعلم خبرهم، فجاءه وأطلعه على جلية الخبر، وأنهم قاصدون إليه، فاستعار رسول الله ﷺ، من صفوان بن أمية مائة درع- وقيل أربعمائة – وخرج في اثني عشر ألفا من المسلمين، عشرة آلاف الذين صحبوه من المدينة، وألفان من مسلمة الفتح، واستعمل على مكة عتاب بن أسيد بن أبي العيص بن أمية، ومضى لوجهه، وفي جملة من اتبعه عباس بن مرداس والضحاك بن سفيان / الكلابي، وجموع من عبس وذبيان، ومزينة، وبني أسد، ومر في طريقه بشجرة سدر خضراء، وكان لهم في الجاهلية مثلها، يطوف بها الأعراب ويعظمونها ويسمونها ذات أنواط. فقالوا(٢) يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط، كما لهم ذات أنواط، فقال لهم :" قلتم كما قال قوم موسى(٣) ﴿اجعل لنا إلها كما لهم آلهة﴾ والذي نفسي بيده، لتركبن سنن من كان قبلكم ". ثم نهض حتى أتى وادي حنين من أودية تهامة، وهو واد حزن فتوسطوه في غبش الصبح، وقد كمنت هوازن في جانبيه، فحملوا على المسلمين حملة رجل واحد فولى المسلمون لا يلوي أحد على أحد، وناداهم ﷺ فلم يرجعوا وثبت معه أبو بكر وعمر وعلي والعباس وأبو سفيان بن الحرث وابنه جعفر، والفضل وقثم ابنا العباس، وجماعة سواهم، والنبي ﷺ، على بغلته البيضاء ( دلدل ) والعباس آخذ بشكائمها، وكان جهير الصوت، فأمره رسول الله ﷺ، أن ينادي بالأنصار وأصحاب الشجرة، ( قيل : المهاجرين ) فلما سمعوا الصوت وذهبوا ليرجعوا صدهم ازدحام الناس عن أن يثنوا رواحلهم فاستقاموا وتناولوا سيوفهم وتراسهم، واقتحموا عن الرواحل راجعين إلى النبي ﷺ، وقد اجتمع منهم حواليه نحو المائة، فاستقبلوا هوازن والناس متلاحقون واشتدت الحرب، وحمي الوطيس، ولما غشوا رسول الله ﷺ نزل عن بغلته ثم قبض قبضة من تراب الأرض، ثم استقبل به وجوههم وقال :" شاهت الوجوه " فما بقي إنسان منهم إلا أصابه منها في عينيه وفمه، ثم صدق المسلمون الحملة عليهم، وقذف الله في قلوب هوازن الرعب. فلم يملكوا أنفسهم، فولوا منهزمين ولحق آخر الناس، وأسرى هوازن مغلولة بين يديه، وغنم المسلمون عيالهم وأموالهم، واستحر القتل في بني مالك من ثقيف، فقتل منهم يومئذ سبعون رجلا، وانحازت طوائف هوازن إلى أوطاس، واتبعتهم طائفة من خيل / المسلمين الذي توجهوا من ( نخلة )، فأدركوا فيهم دريد بن الصمة فقتلوه، وبعث ﷺ، إلى من اجتمع بأوطاس من هوازن، أبا عامر الأشعري عم أبي موسى فقاتلهم، وقتل بسهم رماه به سلمة بن دريد بن الصمة، فأخذ أبو موسى الراية، وشد على قاتل عمه، فقتله، وانهزم المشركون، وانفضت جموع أهل هوازن كلها، واستشهد من المسلمين يومئذ أربعة، ثم جمعت إلى رسول الله ﷺ، سبايا حنين وأموالها، فأمر بها، فحبست ( بالجعرانة ) بنظر مسعود بن عمرو الغفاري. وسار ﷺ من فوره إلى الطائف فحاصر بها ( ثقيف ) خمس عشرة ليلة، وقاتلوا من وراء الحصون، وأسلم من كان حولهم من الناس، وجاءت وفودهم إليه، ثم انصرف ﷺ عن الطائف، ونزل الجعرانة فيمن معه من الناس وأتاه هناك وفد هوازن مسلمين راغبين فخيرهم بين العيال والأبناء والأموال، فاختاروا العيال والأبناء وكلموا المسلمين في ذلك بأمر رسول الله ﷺ، فقال ﷺ :" ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم " وقال المهاجرون والأنصار : ما كان لنا فهو لرسول الله ﷺ، ومن لم تطب نفسه عوضه رسول الله ﷺ، عن نصيبه، ورد عليهم نساءهم وأبناءهم بأجمعهم، وكان عدد سبي هوازن ستة آلاف بين ذكر وأنثى والإبل أربعة وعشرون ألفا، والغنم أكثر من أربعين ألف شاة، وأربعة آلاف أوقية فضة، وقسم ﷺ الأموال بين المسلمين، ونفل كثيرا من الطلقاء ( وهم الذين من عليهم النبي ﷺ بالإطلاق يوم فتح مكة من الأسر ونحوه ) يتألفهم على الإسلام مائة مائة من الإبل ومنهم مالك بن عوف النصري، فقال حين أسلم(٤) :
ما إن رأيت ولا سمعت بمثلهفي الناس كلهم بمثل محمد
أوفى وأعطى للجزيل إذا اجتُديومتى يشأ يخبرك عما في غد
وإذا الكتيبة عردت أنيابهابالسمهري وضرب كل مهند
فكأنه ليث على أشبالهوسط الهباءة خادر في مرصد
الثاني – قال الإمام ابن القيم في ( زاد المعاد ) في فصل جود فيه :
الإشارة إلى بعض ما تضمنته هذه الغزوة من المسائل الفقهية والنكت الحكمية ما نصه :
كان الله عز وجل قد وعد رسوله، وهو صادق الوعد، أنه إذا فتح مكة، دخل الناس في دينه أفواجا، ودانت له العرب بأسرها، فلما تم له الفتح المبين، اقتضت حكمته تعالى أن أمسك قلوب هوازن ومن تبعها عن الإسلام، وأن يجمعوا ويتألبوا لحرب رسول الله ﷺ، والمسلمين، ليظهر أمر الله، وتمام إعزازه لرسوله ونصره لدينه ولتكون غنائمهم شكرانا لأهل الفتح، وليظهر الله سبحانه لرسوله وعباده، قهره لهذه الشوكة العظيمة، التي لم يلق المسلمون مثلها، فلا يقاومهم بعدُ أحدٌ من العرب، ولغير ذلك من الحكم الباهرة التي تلوح للمتأملين، وتبدو للمتوسمين. فاقتضت حكمته سبحانه أن أذاق المسلمين أولا مرارة الهزيمة والكسرة، مع كثرة عددهم وعُددهم، وقوة شوكتهم ليطامِنَ رؤوسا رفعت بالفتح، ولم تدخل بلده وحرمه، كما دخله رسول الله ﷺ، واضعا رأسه منحنيا على فرسه، حتى إن ذقنه تكاد أن تمس سرجه، تواضعا لربه وخضوعا لعظمته، واستكانة لعزته أن أحل له حرمه وبلده، ولم يحل لأحد قبله، ولا لأحد بعده، وليبين الله لمن قال :( لن نغلب اليوم عن قلة )، أن النصر إنما هو من عنده، وأنه من ينصره فلا غالب له، ومن يخذله فلا ناصر له غيره، وأنه سبحانه هو الذي تولى نصر رسوله ودينه، لا كثرتكم التي أعجبتكم، فإنها لم تغن عنكم شيئا، فوليتم مدبرين. فلما انكسرت قلوبهم أرسلت إليها خِلَع الجبر مع بريد النصر(٥) ﴿ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم تروها﴾ وقد اقتضت حكمته أن خلع النصر وجوائزه إنما تفيض على أهل الانكسار(٦) ﴿ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون﴾. ومنها أن الله سبحانه لما منع الجيش غنائم أهل مكة، فلم يغنموا منها ذهبا ولا فضة ولا متاعا ولا سبيا ولا أرضا، كما روى أبو داود(٧) عن وهب بن منبه قال :" سألت جابرا : هل غنموا يوم الفتح شيئا ؟ قال : لا ! ".
وكانوا قد فتحوها بإيجاف الخيل والركاب، وهم عشرة آلاف وفيهم حاجة إلى ما يحتاج إليه الجيش من أصحاب القوة، فحرك سبحانه قلوب المشركين لغزوهم، وقذف في قلوبهم إخراج أموالهم ونعمهم وشياههم، وسبيهم معهم نزلا وضيافة، وكرامة لحزبه وجنده، وتمم تقديره سبحانه بأن أطمعهم في الظفر وألاح لهم مبادئ النصر، ليقضي الله أمرا كان مفعولا.
فلما أنزل الله نصره على رسوله وأوليائه وبرزت الغنائم لأهلها، وجرت فيها سهام الله ورسوله، قيل : لا حاجة لنا في دمائكم، ولا في نسائكم وذراريكم، فأوحى الله سبحانه إلى قلوبهم التوبة والإنابة، فجاءوا مسلمين، فقيل : إن من شكران إسلامكم وإتيانكم أن رد عليكم نساءكم وأبناءكم وسبيكم(٨) ﴿إن يعلم الله في قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا مما أخذ منكم ويغفر لكم، والله غفور رحيم﴾.
ومنها : أن الله سبحانه افتتح غزوات العرب بغزوة بدر، وختم غزوهم بغزوة حنين، ولهذا يقرن بين هاتين الغزاتين بالذكر، / فيقال : بدر وحنين، وإن كان بينهما سبع سنين والملائكة قاتلت بأنفسها مع المسلمين في هاتين الغزاتين، والنبي ﷺ، رمى في وجوه المشركين بالحصباء فيهما، وبهاتين الغزاتين طفئت جمرة العرب لغزو رسول الله ﷺ، فالأولى خوفتهم وكسرت من حدتهم، والثانية استفرغت قواهم واستنفذت سهامهم وأذلت جميعهم، حتى لم يجدوا بدا من الدخول في دين الله.
ومنها : أن الله سبحانه جبر بها أهل مكة وفرحهم بما نالوه من النصر والمغنم

تفسير هذه الآية من كتب أخرى