تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني

عن الكتاب
قوله تعالى :( يا أيها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله ) الآية، وقد بينا معنى الأحبار والرهبان من قبل. وقوله :( ليأكلون أموال الناس بالباطل ) قال أهل التفسير : إن المراد منه أخذ الرشاء في الأحكام والمآكل التي كانت لعلمائهم على سفلتهم، ( ويصدون عن سبيل الله ) معناه : أنهم يمنعون الناس عن الإسلام، وقوله :( والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله ) الكنز هو المال المجموع، قال الشاعر :
لا دَرَّ دَرِّى إن أطعمتُ نازلهم(١)قِرْف الحَتِىِّ وعندي البُرُّ مكنوزُ
والحَتِىِّ قالوا : هو المُقْل.
واختلف أهل العلم في من نزلت هذه الآية، قال بعضهم : نزلت في أهل الكتاب، والأكثرون أنها نزلت في الكل.
واختلفوا في الكنز، روي عن ابن عمر، وجماعة : أن الكنز كل مال لم تؤد زكاته، وأما الذي أديت زكاته فليس بكنز، وإن كان مدفونا. وعن علي - رضي الله عنه - أنه قال : أربعة آلاف درهم نفقة وما فوقها كنز. وقال بعضهم : ما فضل عن الحاجة فهو كنز.
وقوله :( ولا ينفقونها في سبيل الله ) فإن سأل سائل وقال : إنه تقدم ذكر الذهب والفضة جميعا، فكيف قال : ولا ينفقونها، ولم يقل : ولا ينفقونهما ؟
الجواب عنه من وجهين :
أحدهما : أن المعنى : ولا ينفقون الكنوز في سبيل الله.
والثاني : أن معنى الآية : يكنزون الذهب ولا ينفقونه، ويكنزون الفضة ولا ينفقونها، فاكتفى بأحدهما عن الآخر، قال الشاعر :
نحن بما عندنا وأنت بماعندك راض والرأي مختلف
معناه : نحن بما عندنا راضون، وأنت بما عندك راض. وفي مثل هذا قول الشاعر :
إن شرخَ الشباب والشعرَ الأسوَدَ ما لم يعاضَ كان جُنُوناَ
يعني : ما لم يعاضيا.
قوله :( فبشرهم بعذاب أليم ) معناه : ضع هذا الوعيد موضع البشارة، وإلا فالوعيد لا يكون بشارة حقيقة.
١ - كذا "بالأصل، وك" وفي لسان العرب (مادة: كنز): نازلَكُم. وفي تفسير القرطبي: جائعهم..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى