محتويات صفحة تفسير الآية

تجد في هذه الصفحة تفسير الآية ٣٤ من سورة التوبة في ١٢٨ كتابًا من كتب التفسير، ومعاني غريب كلماتها، وإعرابها، وقراءات القراء العشرة فيها، و٥٤ قولًا من التفسير بالمأثور، وما يتصل بها من الموضوعات والوقفات والترجمات.

تفسير الآية ٣٤ من سورة التوبة

١٢٨ كتابًا من كتب التفسير

جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى :﴿يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ إِنّ كَثِيراً مّنَ الأحْبَارِ وَالرّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ﴾.
يقول تعالى ذكره : يا أيها الذين صدّقوا الله ورسوله وأقرّوا بوحدانية ربهم، إن كثيرا من العلماء والقرّاء من بني إسرائيل من اليهود والنصارى ٍٍ " يَأْكُلُونَ أموَالَ النّاسِ بالباطِلِ " يقول : يأخذون الرُّشى في أحكامهم، ويحرّفون كتاب الله، ويكتبون بأيديهم كتباً ثم يقولون : هذه من عند الله، ويأخذون بها ثمنا قليلاً من سِفْلَتِهم. وَيَصُدّونَ عَنْ سَبِيلِ اللّهِ، يقول : ويمنعون من أراد الدخول في الإسلام الدخول فيه بنهيهم إيّاهم عنه.
وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك :
- حدثني محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن المفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ : " يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا إنّ كَثِيرا مِنَ الأحْبارِ وَالرّهْبانِ لَيَأْكُلُونَ أمْوَالَ النّاسِ بالباطِلِ " أما " الأحبار " ؛ فمن اليهود. وأما " الرهبان " ؛ فمن النصارى. وأما " سبيل الله " ؛ فمحمد ﷺ.

القول في تأويل قوله تعالى :﴿وَالّذِينَ يَكْنِزُونَ الذّهَبَ وَالفِضّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشّرْهُمْ بِعَذَابٍ ألِيمٍ﴾.


يقول تعالى ذكره : " إنّ كَثِيرا مِنَ الأحْبارِ وَالرّهْبانِ لَيَأْكُلُونَ أمْوَالَ النّاسِ بالباطِلِ "، ويأكلها أيضا معهم " الّذِينَ يَكْنِزُونَ الذّهَبَ وَالفِضّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشّرْهُمْ بِعَذَابٍ ألِيمٍ "، يقول : بشر الكثير من الأحبار والرهبان الذين يأكلون أموال الناس بالباطل، والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله، بعذاب أليم لهم يوم القيامة مُوجع من الله.
واختلف أهل العلم في معنى " الكنز "، فقال بعضهم : هو كلّ مال وجبت فيه الزكاة، فلم تؤدّ زكاته. قالوا : وعنى بقوله : " ولاَ يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللّهِ "، ولا يؤدون زكاتها. ذكر من قال ذلك :
- حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا عبد الوهاب، قال : حدثنا أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، قال : كلّ مال أدّيت زكاته فليس بكنز، وإن كان مدفونا، وكلّ مال لم تؤدّ زكاته، فهو الكنز الذي ذكره الله في القرآن، يُكْوَى به صاحبه، وإن لم يكن مدفونا.
- حدثنا الحسن بن الجنيد، قال : حدثنا سعيد بن مسلمة، قال : حدثنا إسماعيل بن أمية، عن نافع، عن ابن عمر، أنه قال : كلّ مال أدّيت منه الزكاة فليس بكنز، وإن كان مدفونا، وكلّ مال لم تؤدّ منه الزكاة وإن لم يكن مدفونا، فهو كنز.
- حدثني أبو السائب، قال : حدثنا ابن فضيل، عن يحيى بن سعيد، عن نافع، عن ابن عمر، قال : أيمُّا مال أدّيت زكاته فليس بكنز، وإن كان مدفونا في الأرض. وأيما مال لم تؤدّ زكاته، فهو بكنز يكوى به صاحبه، وإن كان على وجه الأرض.
- حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبي وجرير، عن الأعمش، عن عطية، عن ابن عمر، قال : ما أدّيت زكاته فليس بكنز.
- قال : حدثنا أبي، عن العمري، عن نافع، عن ابن عمر، قال : ما أدّيت زكاته فليس بكنز، وإن كان تحت سبع أرضين. وما لم تؤدّ زكاته فهو كنز، وإن كان ظاهرا.
- قال : حدثنا جرير، عن الشيباني، عن عكرمة، قال : ما أدّيت زكاته فليس بكنز.
- حدثنا محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن المفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ، قال : " أما الذين يكنزون الذهب والفضة "، فهؤلاء أهل القبلة. و " الكنز " : ما لم تؤدّ زكاته وإن كان على ظهر الأرض، وإن قلّ. وإن كان كثيرا قد أدّيت زكاته، فليس بكنز.
- حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبي، عن إسرائيل، عن جابر، قال : قلت لعامر : مالٌ على رفّ بين السماء والأرض لا تؤدّى زكاته، أكنز هو ؟ قال : يُكْوى به يوم القيامة.
وقال آخرون : كل مال زاد على أربعة آلاف درهم، فهو كنز، أدّيت منه الزكاة أو لم تؤدّ. ذكر من قال ذلك :
- حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبو بكر بن عياش، عن أبي حصين، عن أبي الضحى، عن جعدة بن هبيرة، عن عليّ رحمة الله عليه قال : أربعة آلاف درهم فما دونها " نفقة "، فما كان أكثر من ذلك فهو " كنز ".
- حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبي، عن سفيان، عن أبي حصين، عن أبي الضحى، عن جعدة بن هبيرة، عن عليّ، مثله.
- حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا الشعبيّ، قال : أخبرني أبو حصين، عن أبي الضحى، عن جعدة بن هبيرة، عن عليّ رحمة الله عليه، في قوله : " وَالّذِينَ يُكْنِزُونَ الذّهَبَ والفضّةَ "، قال : أربعة آلاف درهم فما دونها نفقة، وما فوقها كنز.
وقال آخرون : " الكنز " كلّ ما فضل من المال عن حاجة صاحبه إليه. ذكر من قال ذلك :
- حدثنا محمد بن المثنى، قال : حدثنا عبيد الله بن معاذ، قال : حدثنا أبي، قال : حدثنا شعبة، عن أنس، عن عبد الواحد : أنه سمع أبا مجيب قال : كان نعل سيف أبي هريرة من فضة، فنهاه عنها أبو ذرّ، وقال : إن رسول الله ﷺ قال :«مَنْ تَرَكَ صَفْرَاءَ أوْ بَيْضَاءَ كُوِيَ بِهَا ».
- حدثنا محمد بن بشار، قال : حدثنا مؤمل، قال : حدثنا سفيان، عن منصور، عن الأعمش وعمرو بن مرّة، عن سالم بن أبي الجعد، قال : لما نزلت : " وَالّذِينَ يُكْنِزُونَ الذّهَبَ والفضّةَ ولاَ يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللّهِ "، قال النبي ﷺ :«تَبًّا للذّهَبِ ! تَبًّا للفِضّةِ ! » يقولها ثلاثا. قال : فشقّ ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ، قالوا : فأيَّ مال نتخذه ؟ فقال عمر : أنا أعلم لكم ذلك. فقال : يا رسول الله إن أصحابك قد شقّ عليهم، وقالوا : فأيَّ المال نتخذ ؟ فقال :«لسانا ذَاكِرا، وَقَلْبا شَاكِرا، وَزَوْجَةً تُعِينُ أحَدَكُمْ على دِينِهِ ».
- حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا مؤمل، قال : حدثنا إسرائيل، عن منصور، عن سالم بن أبي الجعد، عن ثوبان، بمثله.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا الثوريّ، عن منصور، عن عمرو بن مرّة، عن سالم بن أبي الجعد، قال : لما نزلت هذه الآية : " وَالّذِينَ يُكْنِزُونَ الذّهَبَ والفضّةَ ولاَ يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللّهِ "، قال المهاجرون : وأيَّ المال نتخذ ؟ فقال عمر : أسأل النبيّ ﷺ عنه. قال : فأدركته على بعير، فقلت : يا رسول الله إن المهاجرين قالوا : فأيَّ المال نتخذه ؟ فقال رسول الله ﷺ :«لِسانا ذَاكِرا، وقَلْبا شَاكِرا، وَزَوْجَةً مُؤْمِنَةً تُعِينُ أحَدَكُمْ على دِينِهِ ».
- حدثنا الحسن قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة، عن شهر بن حوشب، عن أبي أمامة، قال : توفي رجل من أهل الصُّفَّة، فوُجد في مئزرِه دينارٌ، فقال رسول الله ﷺ :«كَيّةٌ ! » ثم توفي آخر، فوُجد في مئزره ديناران، فقال النبيّ ﷺ :
«كَيّتانِ ! ».
- حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، عن شهر بن حوشب، عن صدى بن عجلان أبي أمامة، قال : مات رجل من أهل الصفة، فوجد في مئزره دينار، فقال رسول الله ﷺ :«كَيّةٌ ! » ثم توفي آخر، فوجد في مئزره ديناران فقال نبيّ الله :
«كَيّتانِ ! ».
- حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا جرير، عن منصور، عن سالم، عن ثوبان، قال : كنا في سفر، ونحن نسير مع رسول الله ﷺ، قال المهاجرون : لوددنا أنا علمنا أيُّ المال خيرٌ فنتخذه ؟ إذ نزل في الذهب والفضة ما نزل ! فقال عمر : إن شئتم سألت رسول الله ﷺ عن ذلك ! فقالوا : أجل ! فانطلق فتبعته أوضع على بعيري، فقال : يا رسول الله إن المهاجرين لما أنزل الله في الذهب والفضة ما أنزل قالوا : وددنا أنا علمنا أيّ المال خير فنتخذه، قال :«نَعَمْ، فَيَتّخِذُ أحَدُكُمْ لِسانا ذَاكِرا، وَقَلْبا شَاكِرا، وَزَوْجَةً تُعِينُ أحَدَكُمْ على إيمَانِهِ ».
قال أبو جعفر : وأولى الأقوال في ذلك بالصحة، القول الذي ذُكِر عن ابن عمر : من أن كلّ مال أديت زكاته فليس بكنز يحرم على صاحبه اكتنازه وإن كثر، وأن كلّ ما لم تؤدّ زكاته فصاحبه معاقب مستحقّ وعيد الله، إلا أن يتفضل الله عليه بعفوه وإن قل، إذا كان مما يجب فيه الزكاة.
وذلك أن الله أوجب في خمس أواق من الوَرِق على لسان رسوله رُبع عُشرها، وفي عشرين مثقالاً من الذهب مثل ذلك ربع عشرها. فإذ كان ذلك فرض الله في الذهب والفضة على لسان رسوله، فمعلوم أن الكثير من المال وإن بلغ في الكثرة ألوفَ ألوفٍ لو كان، وإن أدّيت زكاته من الكنوز التي أوعد الله أهلها عليها العقاب، لم يكن فيه الزكاة التي ذكرنا من ربع العشر. لأن ما كان فرضا إخراج جميعه من المال وحرامٌ اتخاذه، فزكاته الخروج من جميعه إلى أهله لا ربع عشره، وذلك مثل المال المغصوب الذي هو حرام على الغاصب إمساكه وفرضٌ عليه إخراجه من يده إلى يده، فالتطهر منه : ردّه إلى صاحبه. فلو كان ما زاد من المال على أربعة آلاف درهم، أو ما فضل عن حاجة ربه التي لا بد منها، مما يستحق صاحبه باقتنائه إذا أدّى إلى أهل السهمان حقوقهم منها من الصدقة وعيد الله، لم يكن اللازم ربه فيه ربع عشره، بل كان اللازم له الخروج من جميعه إلى أهله وصرفه فيما يجب عليه صرفه، كالذي ذكرنا من أن الواجب على غاصبِ رجلٍ مالَه ردُّه على ربه. وبعد، فإن فيما :
- حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد بن ثور، قال : قال معمر : أخبرني سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ، قال :«ما مِنْ رَجُلٍ لا يُؤَدّي زَكَاةَ مالِهِ إلاّ جُعِلَ يَوْمَ القِيَامَةِ صفَائِحَ مِنْ نارٍ يُكْوَى بِها جَنْبُهُ وجَبْهَتُهُ وظَهْرُهُ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ ألُفَ سَنَةٍ، حتى يُقْضَى بينَ النّاسِ، ثُمّ يَرَى سَبِيلَه، وَإنْ كانَتْ إبِلاً إلاّ بُطِحَ لَهَا بِقاعٍ قَرْقَرٍ، تطأه بأخْفَافِها » حسبته قال :
«وَتَعَضّهُ بأفْوَاهِها، يَرِدُ أُولاها على أُخْرَاها، حتى يُقْضَى بينَ النّاسِ ثُمّ يَرَى سَبِيلَهُ. وَإنْ كانَتْ غَنَما فَمِثْلُ ذلكَ، إلا أنّها تَنْطَحُهُ بقُرُونِها، وتطأه بأظْلاَفِها ».
وفي ذلك نظائر من الأخبار التي كرهنا الإطالة بذكرها، الدلالة الواضحة على أن الوعيد إنما هو من الله على الأموال التي لم تؤدّ الوظائف المفروضة فيها لأهلها من الصدقة، لا على اقتنائها واكتنازها.
وفيما بينا من ذلك البيان الواضح على أن الآية لخاصّ كما قال ابن عباس، وذلك ما :
- حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس : " وَالّذِينَ يُكْنِزُونَ الذّهَبَ والفضّةَ ولاَ يُنْفِقُونَ
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
القول في تأويل قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الأحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ (٣٤)﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله، وأقروا بوحدانية ربهم، إن كثيرًا من العلماء والقُرَّاء من بني إسرائيل من اليهود والنصارى (١) = (ليأكلون أموال الناس بالباطل)، يقول: يأخذون الرشى في أحكامهم، ويحرّفون كتاب الله، ويكتبون بأيديهم كتبًا ثم يقولون: "هذه من عند الله"، ويأخذون بها ثمنًا قليلا من سِفلتهم (٢) = (ويصدُّون عن سبيل الله)، يقول: ويمنعون من أرادَ الدخول في الإسلام الدخولَ فيه، بنهيهم إياهم عنه. (٣)
* * *
وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
١٦٦٤٨- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: (يا أيها الذين آمنوا إن كثيرًا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل)، أما "الأحبار"، فمن اليهود. وأما "الرهبان"، فمن النصارى. وأما "سبيل الله"، فمحمد صلى الله عليه وسلم.
* * *
(١) انظر تفسير " الأحبار "، و " الرهبان " فيما سلف ص: ٢٠٩، تعليق: ٢، وص: ٢٠٨، تعليق: ٢، والمراجع هناك.
(٢) انظر تفسير " أكل الأموال بالباطل " فيما سلف ٩: ٣٩٢، تعليق: ١، والمراجع هناك.
(٣) انظر تفسير " الصمد " فيما سلف ص: ١٥١، تعليق: ١، والمراجع هناك.
= وتفسير " سبيل الله " في فهارس اللغة (سبل).

القول في تأويل قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يَكْنزونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ).


قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: (إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل)، ويأكلها أيضًا معهم (الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم)، يقول: بشّر الكثيرَ من الأحبار والرهبان الذين يأكلون أموال الناس بالباطل، والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله، بعذابٍ أليم لهم يوم القيامة، مُوجع من الله. (١)
* * *
واختلف أهل العلم في معنى "الكنز".
فقال بعضهم: هو كل مال وجبت فيه الزكاة، فلم تؤدَّ زكاته. قالوا: وعنى بقوله: (ولا ينفقونها في سبيل الله)، ولا يؤدُّون زكاتها.
* ذكر من قال ذلك:
١٦٦٤٩- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الوهاب قال، حدثنا أيوب، عن نافع، عن ابن عمر قال: كل مال أدَّيت زكاته فليس بكنز وإن كان مدفونًا. وكل مالٍ لم تؤدَّ زكاته، فهو الكنز الذي ذكره الله في القرآن، يكوى به صاحبه، وإن لم يكن مدفونًا. (٢)
١٦٦٥٠- حدثنا الحسن بن الجنيد قال، حدثنا سعيد بن مسلمة قال، حدثنا إسماعيل بن أمية، عن نافع، عن ابن عمر، أنه قال: كل مالٍ أدَّيت منه الزكاة فليس بكنز وإن كان مدفونًا. وكل مال لم تودَّ منه الزكاة، وإن لم
(١) انظر تفسير " أليم " فينا سلف من فهارس اللغة (ألم).
(٢) الأثر: ١٦٦٤٩ - حديث ابن عمرو في الكنز، رواه أبوه جعفر من طرق، بألفاظ مختلفة، موقوفا على ابن عمر، وهو الصواب، وإسناد هذا الخبر صحيح إلى ابن عمرو.
رواه مالك بمعناه من طريق عبد الله بن دينار. عن عبد الله بن عمرو في الموطأ: ٢٥٦.
يكن مدفونًا، فهو كنز. (١)
١٦٦٥١- حدثني أبو السائب قال، حدثنا ابن فضيل، عن يحيى بن سعيد، عن نافع، عن ابن عمر قال: أيُّما مالٍ أدّيت زكاته فليس بكنز وإن كان مدفونًا في الأرض. وأيُّما مالٍ لم تودِّ زكاته، فهو كنز يكوى به صاحبه، وإن كان على وجه الأرض. (٢)
١٦٦٥٢- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي وجرير، عن الأعمش، عن عطية، عن ابن عمر قال: ما أدَّيت زكاته فليس بكنز. (٣)
١٦٦٥٣-...... قال، حدثنا أبي، عن العمري، عن نافع، عن ابن عمر قال: ما أدّيت زكاته فليس بكنز وإن كان تحت سبع أرَضِين. وما لم تؤدِّ زكاته فهو كنز وإن كان ظاهرًا. (٤)
١٦٦٥٤-...... قال، حدثنا جرير، عن الشيباني، عن عكرمة قال: ما أدَّيت زكاته فليس بكنز.
(١) الأثر: ١٦٦٥٠ - " الحسن بن الجنيد البلخي "، شيخ الطبري، ويقال " الحسين "، مضى برقم: ٨٤٥٨. وكان في المخطوطة: " الحسين " وأثبت ما في المخطوطة.
و" سعيد بن مسلمة بن هشام بن عبد الملك بن مروان "، ضعيف الحديث، مضى برقم: ٨٤٥٨.
و" إسماعيل بن أمية الأموي "، مضى برقم: ٢٦١٥، ٨٤٥٨.
وهذا إسناد ضعيف لضعف " سعيد بن مسلمة ".
(٢) الأثر: ١٦٦٥١ - رواه البيهقي في السنن ٤: ٨٢، بنحو هذا اللفظ من طريق ابن نمير، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، وقال: " هذا هو الصحيح، موقوف. وكذلك رواه جماعة عن نافع، وجماعة عن عبيد الله بن عمر. وقد رواه سويد بن عبد العزيز، وليس بالقوي، مرفوعا إلى رسول الله ﷺ ".
(٣) الأثر: ١٦٦٥٢ - "عطية"، هو "عطية بن سعد العوفي"، ضعيف الحديث، مضى تضعيفه في رقم: ٣٠٥.
(٤) الأثر: ١٦٦٥٣ - " العمري " وهو " عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب "، سلف مرارا وهذا الإسناد هو الذي أشار إليه البيهقي فيما سلف رقم ١٦٥٥١، في التعليق.
١٦٦٥٥- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: أما (الذين يكنزون الذهب والفضة)، فهؤلاء أهل القبلة، و"الكنز"، ما لم تؤدِّ زكاته وإن كان على ظهر الأرض، وإن قلّ. وإن كان كثيرًا قد أدّيت زكاته، فليس بكنز.
١٦٦٥٦- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن إسرائيل، عن جابر قال: قلت لعامر: مالٌ على رَفٍّ بين السماء والأرض لا تؤدَّى زكاته، أكنز هو؟ قال: يُكْوَى به يوم القيامة.
* * *
وقال آخرون: كل مال زاد على أربعة آلاف درهم فهو كنز أدَّيت منه الزكاة أو لم تؤدِّ.
* ذكر من قال ذلك:
١٦٦٥٧- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو بكر بن عياش، عن أبي حصين، عن أبي الضحى، عن جعدة بن هبيرة، عن علي رحمة الله عليه قال: أربعة آلاف درهم فما دونها "نفقة"، فما كان أكثر من ذلك فهو "كنز"، (١)
١٦٦٥٨- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن أبي حصين، عن أبي الضحى، عن جعدة بن هبيرة، عن علي مثله.
١٦٦٥٩- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الشعبي قال، أخبرني أبو حصين، عن أبي الضحى، عن جعدة بن هبيرة، عن علي رحمة الله عليه في قوله: (والذين يكنزون الذهب والفضة)، قال: أربعة آلاف درهم فما دونها نفقة، وما فوقها كنز.
* * *
(١) الأثر: ١٦٦٥٧ - " جعدة بن هبيرة المخزومي "، تابعي ولد على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وهو ابن أم هانئ بنت أبي طالب. خاله علي رضي الله عنهم. مترجم في التهذيب، والكبير ١ / ٢ / ٢٣٨، وابن أبي حاتم ١ / ١ / ٥٢٦.
وسيأتي بعد من طريقين.
وقال آخرون: "الكنز" كل ما فضل من المال عن حاجة صاحبه إليه.
* ذكر من قال ذلك:
١٦٦٦٠- حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا عبد الله بن معاذ قال، حدثنا أبي قال، حدثنا شعبة، عن عبد الواحد: أنه سمع أبا مجيب قال: كان نعل سيف أبي هريرة من فضة، فنهاه عنها أبو ذر وقال: إن رسول الله ﷺ قال: "من ترك صَفْرَاء أو بيضاء كُوِي بها. (١)
١٦٦٦١- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا مؤمل قال، حدثنا سفيان، عن منصور، عن الأعمش وعمرو بن مرة، عن سالم بن أبي الجعد قال: لما نزلت: (والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله)، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "تبًّا للذهب! تبًّا للفضة! يقولها ثلاثًا، قال: فشق ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالوا: فأيَّ مال نتخذ؟! فقال عمر: أنا أعلم لكم
(١) الأثر: ١٦٦٦٠ - " ابن عبد الواحد "، يقال: " عبد الله بن عبد الواحد الثقفي "، ويقال: " فلان بن عبد الواحد، رجل من ثقيف "، ويقال: " يحيى بن عبد الواحد " ويقال: " عبد الواحد ". مجهول، وكان في المطبوعة: " عن أنس، عن عبد الواحد "، غير فيها وزاد ما لم يكن في المخطوطة.
و" أبو مجيب "، الشاشي. مجهول.
وهذا الخبر رواه أحمد في مسنده ٥: ١٦٨ من طريق محمد بن جعفر، عن شعبة، عن رجل من ثقيف يقال له فلان بن عبد الواحد قال: سمعت أبا مجيب.
وذكره الحافظ في تعجيل المنفعة: ٥١٨، في ترجمة " أبو محمد ". وذكر نص حديث أحمد ثم قال: " وهذا الحديث أخرجه البخاري في كتاب الكنى، فيما حكاه الحاكم أبو أحمد عنه، من طريق ابن أبي عدي، عن شعبة، عن عبد الله بن عبد الواحد الثقفي، عن أبي مجيب الشاشي، فذكره. وحكى الحاكم أنه قيل في اسم هذا الثقفي: يحيى، وقيل: عبد الواحد. وقال: الاختلاف فيه على شعبة ".
وفي رواية أحمد: " لقي أبو ذر أبا هريرة، وجعل = أراه قال = قبيعة سيفه فضة ".
و" قبيعة السيف "، هي التي تكون على رأس قائم السيف. وقيل: هي ما تحت شاربي السيف، مما يكون فوق الغمد، فيجيء مع قائم السيف. والشاربان: أنفان طويلان أسفل القائم، أحدهما من هذا الجانب، والآخر من هذا الجانب.
وأما " نعل السيف "، فهو ما يكون في أسفل جفنه من حديدة أو فضة.
ذلك! فقال: يا رسول الله، إن أصحابك قد شق عليهم، وقالوا: فأيَّ المال نتخذ؟ فقال: لسانًا ذاكرًا، وقلبًا شاكرًا، وزوجةً تُعين أحدكم على دينه. (١)
١٦٦٦٢- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا مؤمل قال، حدثنا إسرائيل، عن منصور، عن سالم بن أبي الجعد، عن ثوبان، بمثله. (٢)
١٦٦٦٣- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري، عن منصور، عن عمرو بن مرة، عن سالم بن أبي الجعد قال: لما نزلت هذه الآية: (والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله)، قال المهاجرون: وأيَّ المال نتّخذ؟ فقال عمر: اسأل النبي ﷺ عنه. قال: فأدركته على بعيرٍ فقلت: يا رسول الله، إن المهاجرين قالوا: فأيَّ المال نتخذه؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لسانًا ذاكرًا، وقلبًا
(١) الأثر: ١٦٦٦١ - خبر عمر هذا رواه أبو جعفر من طرق. أولها هذا، ثم رقم: ١٦٦٦٢، ١٦٦٦٣، ١٦٦٦٦.
و" سالم بن أبي الجعد الأشجعي، ثقة، روى له الجماعة، مضى مرارا. روى عن عمر، ولم يدركه. ومن هذا، هذا الخبر، ورقم: ١٦٦٦٣.
فهذا خبر ضعيف، لانقطاعه. وانظر تخريج الخبر التالي، وروايته في المسند من طريق عبد الله بن عمرو بن مرة، عن عمرو بن مرة، عن سالم، عن ثوبان.
(٢) الأثر: ١٦٦٦٢ - " سالم بن أبي الجعد "، عن " ثوبان "، مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، اشتراه ثم أعتقه.
و" سالم بن أبي الجعد " لم يسمع من ثوبان، قال أحمد: " لم يسمع سالم من ثوبان، ولم يلقه. بينهما: معدان بن أبي طلحة. وليست هذه الأحاديث بصحاح ".
وهذا الخبر رواه أحمد في المسند ٥: ٢٧٨ من طريق إسرائيل، عن منصور، عن سالم.
ثم رواه أيضا ٥: ٢٨٢، من طريق وكيع، عن عبد الله بن عمرو بن مرة، عن عمرو بن مرة، عن سالم، عن ثوبان.
ورواه الترمذي في كتاب التفسير، من طريق عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن منصور، بنحوه، وقال: " هذا حديث حسن. سألت محمد بن إسماعيل (البخاري) فقلت له: سالم بن أبي الجعد سمع ثوبان؟ فقال! لا؛ قلت له، ممن سمع من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: سمع من جابر بن عبد الله، وأنس بن مالك، وذكر غير واحد من أصحاب النبي ﷺ ".
وسيأتي من طريق سالم عن ثوبان برقم: ١٦٦٦٦.
وانظر تفسير ابن كثير ٤: ١٥٥.
شاكرًا، وزوجةً مؤمنةً، تعين أحدكم على دينه. (١)
١٦٦٦٤- حدثنا الحسن قال: أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة، عن شهر بن حوشب، عن أبي أمامة قال: توفي رجل من أهل الصُّفة، فوُجد في مئزرِه دينارٌ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كيَّةٌ! ثم توفي آخر فوُجد في مئزره ديناران، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: كيَّتان! (٢)
١٦٦٦٥- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن شهر بن حوشب، عن صديّ بن عجلان أبي أمامة قال: مات رجل: من أهل الصُّفة، فوجد في مئزره دينارٌ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كيّةٌ! ثم توفيّ آخر، فوجد في مئزره ديناران، فقال نبي الله: كيّتان! (٣)
١٦٦٦٦- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن منصور، عن سالم، عن ثوبان قال: كنا في سفر، ونحن نسير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال المهاجرون: لوددنا أنَّا علمنا أيُّ المال خيرٌ فنتخذه؟ إذ نزل في الذهب والفضة ما نزل! فقال عمر: إن شئتم سألتُ رسول الله ﷺ عن ذلك! فقالوا: أجل!
(١) الأثر: ١٦٦٦٣ - انظر تخريج الآثار السالفة.
(٢) الأثران: ١٦٦٦٤، ١٦٦٦٥ - " شهر بن حوشب "، مضى توثيقه مرارا.
فهذا خبر صحيح الإسناد، رواه أحمد في المسند ٥: ٢٥٣، من طرق، من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن شهر. ورواه من طريق روح، عن معمر، عن قتادة، ومن طريق حسين، عن شيبان، عن قتادة.
ورواه أيضا ٥: ٢٥٢ عن حجاج قال: سمعت شعبة يحدث عن قتادة وهاشم = قال حدثني شعبة أنبأنا قتادة قال: سمعت أبا الحسن يحدث = قال هاشم في حديثه: أبو الجعد مولى لبني ضبيعة، عن أبي أمامة.
ثم رواه أيضا ٥: ٢٥٣، من حجاج، عن شعبة، عن عبد الرحمن، من أهل حمص، من بني العداء، من كندة، مختصرا.
وروى أحمد نحوه في حديث علي بن أبي طالب، بإسناد ضعيف رقم: ٧٨٨، ١١٥٥، ١١٥٦، ١١٥٧.
وانظر تفسير ابن كثير ٤: ١٥٨، ١٥٩.
(٣) الأثران: ١٦٦٦٤، ١٦٦٦٥ - " شهر بن حوشب "، مضى توثيقه مرارا.
فهذا خبر صحيح الإسناد، رواه أحمد في المسند ٥: ٢٥٣، من طرق، من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن شهر. ورواه من طريق روح، عن معمر، عن قتادة، ومن طريق حسين، عن شيبان، عن قتادة.
ورواه أيضا ٥: ٢٥٢ عن حجاج قال: سمعت شعبة يحدث عن قتادة وهاشم = قال حدثني شعبة أنبأنا قتادة قال: سمعت أبا الحسن يحدث = قال هاشم في حديثه: أبو الجعد مولى لبني ضبيعة، عن أبي أمامة.
ثم رواه أيضا ٥: ٢٥٣، من حجاج، عن شعبة، عن عبد الرحمن، من أهل حمص، من بني العداء، من كندة، مختصرا.
وروى أحمد نحوه في حديث علي بن أبي طالب، بإسناد ضعيف رقم: ٧٨٨، ١١٥٥، ١١٥٦، ١١٥٧.
وانظر تفسير ابن كثير ٤: ١٥٨، ١٥٩.
فانطلق، فتبعته أوضع على بعيري، (١) فقال: يا رسول الله إن المهاجرين لما أنزل الله في الذهب والفضة ما أنزل قالوا: وددنا أنّا علمنا أيّ المال خير فنتخذه؟ قال: نعم! فيتخذ أحدكم لسانًا ذاكرًا، وقلبًا شاكرًا، وزوجةٌ تعين أحدَكم على إيمانه. (٢)
* * *
قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصحة، القولُ الذي ذكر عن ابن عمر: من أن كل مالٍ أدّيت زكاته فليس بكنز يحرُم على صاحبه اكتنازُه وإن كثر = وأنّ كل مالٍ لم تُؤَّد زكاته فصاحبه مُعاقب مستحقٌّ وعيدَ الله، إلا أن يتفضل الله عليه بعفوه وإن قلّ، إذا كان مما يجبُ فيه الزكاة.
وذلك أن الله أوجب في خمس أواقٍ من الوَرِق على لسان رسوله رُبع عُشْرها، (٣) وفي عشرين مثقالا من الذهب مثل ذلك، رُبْع عشرها. فإذ كان ذلك فرضَ الله في الذهب والفضَّة على لسان رسوله، فمعلومٌ أن الكثير من المال وإن بلغ في الكثرة ألوفَ ألوفٍ، لو كان = وإن أدِّيت زكاته = من الكنوز التي أوعدَ الله أهلَها عليها العقاب، لم يكن فيه الزكاة التي ذكرنا من رُبْع العُشْر. لأن ما كان فرضًا إخراجُ جميعِه من المال، وحرامٌ اتخاذه، فزكاته الخروجُ من جميعه إلى أهله، لا رُبع عُشره. وذلك مثلُ المال المغصوب الذي هو حرامٌ على الغاصب إمساكُه، وفرضٌ عليه إخراجه من يده إلى يده، التطهّر منه: ردُّه إلى صاحبه. فلو كان ما زادَ من المال على أربعة آلاف درهم، أو ما فضل عن حاجة ربِّه التي لا بد منها، مما يستحق صاحبُه باقتنائه = إذا أدَّى إلى أهل السُّهْمان حقوقهم منها من الصدقة = وعيدَ الله، لم يكن اللازمُ ربَّه فيه رُبْع عشره، بل كان اللازم له الخروج من جميعه إلى أهله، وصرفه فيما يجب عليه صرفه، كالذي ذكرنا
(١) " أوضع الراكب "، أسرع بدابته إسراعا دون العدو الشديد.
(٢) الأثر: ١٦٦٦٦ - مكرر الخبر رقم: ١٦٦٦٢، وانظر تخريج الأخبار السالفة.
(٣) " الورق " (بكسر الراء)، الفضة.
من أن الواجب على غاصِبِ رجلٍ مالَه، رَدُّه على ربِّه.
* * *
وبعدُ، فإن فيما:-
١٦٦٦٧- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور قال، قال معمر، أخبرني سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: ما من رجل لا يؤدِّي زكاةَ ماله إلا جُعل يوم القيامة صفائحَ من نار يُكْوَى بها جبينه وجبهته وظهره، (١) في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضي بين الناس، ثم يرى سبيله، وإن كانت إبلا إلا بُطِحَ لها بقاع قرقرٍ، (٢) تطأه بأخفافها = حسبته قال: وتعضه بأفواهها = يردّ أولاها على أخراها، حتى يقضي بين الناس، ثم يرى سبيله. وإن كانت غنمًا فمثل ذلك، إلا أنها تنطحه بقُرُونها، وتطأه بأظلافها. (٣)
* * *
= وفي نظائر ذلك من الأخبار التي كرهنا الإطالة بذكرها، الدلالةُ الواضحة على أن الوعيد إنما هو من الله على الأموال التي لم تُؤَدَّ الوظائفُ المفروضةُ فيها لأهلها من الصدقة، لا على اقتنائها واكتنازها. وفيما بيّنا من ذلك البيانُ الواضح على أن الآية لخاصٍّ، كما قال ابن عباس، وذلك ما:-
١٦٦٦٨- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي،
(١) في المخطوطة: " جسه " غير منقوطة، والذي في مسلم: " جنباه وجبينه " والاختلاف في هذه الأحرف ذكره مسلم في صحيحه، وأثبت ما في المخطوطة لموافقته لما في مسند أحمد رقم: ٧٧٠٦.
(٢) " بطح " (بالبناء للمجهول)، ألقي على وجهه. و " القاع ": الأرض المستوية الفسيحة. و " قرقر "، هي الصحراء البارزة الملساء.
(٣) الأثر: ١٦٦٦٧ - حديث صحيح. رواه مسلم مطولا في صحيحه ٧: ٦٧، من طريق محمد بن عبد الملك الأموي، عن عبد العزيز بن المختار، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبي صالح. ورواه من طرق أخرى عن أبي صالح، ومن طرق عن أبي هريرة.
ورواه أحمد في مسنده رقم: ٧٥٥٣، مطولا، وقد استوفى أخي السيد أحمد تخريجه هناك. ثم رواه أيضا رقم: ٧٧٠٦، من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن سهيل بن أبي صالح، مختصرا، وفيه: " جبينه وجبهته وظهره " فمن أجل ذلك أثبت ما كان في المخطوطة (تعليق: ١).
قال حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: (والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم)، يقول: هم أهل الكتاب. وقال: هي خاصَّة وعامةٌ.
* * *
قال أبو جعفر: يعني بقوله: "هي خاصة وعامة"، هي خاصة من المسلمين فيمن لم يؤدِّ زكاة ماله منهم، وعامة في أهل الكتاب، لأنهم كفار لا تقبل منهم نفقاتهم إن أنفقوا. يدلُّ على صحة ما قلنا في تأويل قول ابن عباس هذا، ما:-
١٦٦٦٩- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: (والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها)، إلى قوله: (هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون)، قال: هم الذين لا يؤدُّون زكاة أموالهم. قال: وكل مالٍ لا تؤدَّى زكاته، كان على ظهر الأرض أو في بطنها، فهو كنز وكل مالٍ تؤدَّى زكاته فليس بكنز كان على ظهر الأرض أو في بطنها.
١٦٦٧٠- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: (والذين يكنزون الذهب والفضة)، قال: "الكنز"، ما كنز عن طاعة الله وفريضته، وذلك "الكنز". وقال: افترضت الزكاة والصلاة جميعًا لم يفرَّق بينهما.
* * *
قال أبو جعفر: وإنما قلنا: "ذلك على الخصوص"، لأن "الكنز" في كلام العرب: كل شيء مجموع بعضُه على بعضٍ، في بطن الأرض كان أو على ظهرها، يدلُّ على ذلك قول الشاعر: (١)
لا دَرَّ دَرِّيَ إنْ أَطْعَمْتُ نَازِلَهُمْقَرْفَ الْحَتِيِّ وعِنْدِي الْبُرُّ مَكْنُوزُ (٢)
(١) هو المتنخل الهذلي.
(٢) ديوان الهذليين ٢: ١٥، اللسان (كنز)، وغيرهما كثير، وهي أبيات جياد، وصف فيها جوع الجائع وصفا لا يبارى، يقول بعده، ووصف رجلا ضاعت نعمه، وشردته البيد:
* * *لَوْ أنَّهُ جَاءَني جَوْعَانُ مُهْتَلِكٌمِنْ بُؤسِ النَّاسِ، عَنْهُ الخيْرُ مَحْجُوزُ
أعيي وقَصَّرَ لَمَّا فَاتَهُ نَعَمٌيُبَادِرُ اللَّيْلَ بالعَلْيَاء مَحْفُوزُ
حَتَّى يَجِيءَ، وَجِنُّ اللَّيْلِ يُوغِلُهُوالشَّوْكُ فِي وَضَحِ الرِّجْلَيْنِ مَرْكُوزُ
قَدْ حَالَ دُونَ دَرِيسَيْهِ مُؤَوِّبَةٌنِسْعٌ، لَهَا بِعِضَاهِ الأرْضِ تَهْرِيزُ
كَأنَّمَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَلبَّتِهِمِنْ جُلْبَةِ الجُوعِ جَيَّارٌ وإرْزِيزُ
لَبَاتَ أُسْوَةَ حَجَّاجٍ وَإخْوَتِهِفِي جَهْدِنا، أوْ لَهُ شَفٌّ وَتْمرِيزُ
" القرف "، ما يقرف عن الشيء، وهي قشره. و " الحتي " الدوم. يقول: لا أطعمه الخسيس، والبر عندي مخزون بعضه على بعض.
ثم يقول: ضاعت إبله، فتقاذفته البيد، فهو من قلقه يصعد على الروابي يتنور نارا يقصدها.
ثم قال: يدفعه سواد الليل ومخاوفه، وقد أضناه السير، فوقع في أرض ذات شوك، فعلق به، لا يكاد ينقشه من شدة ضعفه. ثم يقول: اشتدت ريح الشمال الباردة بالليل = وهي المؤوبة، والشمال، هي النسع = فطيرت عنه ثوبيه الباليين، فأخذه الجوع والبرد، فحمي جوفه من شدة الجوع، وذلك هو " الجيار "، واصطكت أسنانه، وذلك هو " الإرزيز ". ثم يقول: لو جاءني هذا الجائع المشرد، لكان بين أهله، فهو عندي بمنزلة حجاج وإخوته، وهم أولاد المتنخل، في ساعة العسرة، بل لكان له فضل عليهم = وهو " الشف " =، ولكان له زيادة وتمييز = وهو " التمزيز ".
يعني بذلك: وعندي البرُّ مجموع بعضه على بعض. وكذلك تقول العرب للبدن المجتمع: "مكتنز"، لانضمام بعضه إلى بعض.
وإذا كان ذلك معنى "الكنز"، عندهم، وكان قوله: (والذين يكنزون الذهب والفضة)، معناه: والذين يجمعون الذهب والفضة بعضَها إلى بعض ولا ينفقونها في سبيل الله، وهو عامٌّ في التلاوة، ولم يكن في الآية بيانُ كم ذلك القدر من الذهب والفضّة الذي إذا جمع بعضُه إلى بعض، (١) استحقَّ الوعيدَ = (٢) كان معلومًا أن خصوص ذلك إنما أدرك، لوقْف الرسول عليه، وذلك كما بينا من أنه المال الذي لم يودَّ حق الله منه من الزكاة دون غيره، لما قد أوضحنا من الدلالة على صحته.
(١) في المخطوطة والمطبوعة: " لم يكن في الآية "، بغير واو، والصواب إثباتها.
(٢) السياق: " وإ ذا كان ذلك معنى الكنز عندهم... كان معلوما... ".
وقد كان بعض الصحابة يقول: هي عامة في كل كنز غير أنها خاصّة في أهل الكتاب، وإياهم عَنَى الله بها.
* ذكر من قال ذلك:
١٦٦٧١- حدثني أبو حصين عبد الله بن أحمد بن يونس قال، حدثنا هشيم قال، حدثنا حصين، عن زيد بن وهب قال: مررت بالرَّبَذَة، فلقيت أبا ذَرّ، فقلت: يا أبا ذرّ، ما أنزلك هذه البلاد؟ قال: كنت بالشأم، فقرأت هذه الآية: (والذين يكنزون الذهب والفضة)، الآية، فقال معاوية: ليست هذه الآية فينَا، إنما هذه الآية في أهل الكتاب! قال: فقلت: إنها لفينا وفيهم! قال: فارتَفَع في ذلك بيني وبينه القولُ، فكتب إلى عثمان يشكُوني، فكتب إليَّ عثمان أنْ أقبل إليّ! قال: فأقبلت، فلما قدمت المدينة ركِبني الناسُ كأنهم لم يروني قبل يومئذ، فشكوت ذلك إلى عثمان، فقال لي: تَنَحَّ قريبًا. قلت: والله لن أدعَ ما كنت أقول! (١)
١٦٦٧٢- حدثنا أبو كريب وأبو السائب وابن وكيع قالوا، حدثنا ابن إدريس قال، حدثنا حصين، عن زيد بن وهب قال: مررنا بالربذة، ثم ذكر عن أبي ذر نحوه. (٢)
(١) الأثر: ١٦٦٧١ - " أبو حصين "، " عبد الله بن أحمد بن يونس اليربوعي "، شيخ الطبري، ثقة. مضى برقم: ١٢٣٣٦.
و" حصين "، هو " حصين بن عبد الرحمن الهذلي "، ثقة سلف مرارا، آخرها رقم: ١٢١٩٣، ١٢٣٠٤.
و" زيد بن وهب الجهني" تابعي كبير، هاجر إلى رسول الله، ولم يدركه. مضى برقم: ٤٢٢٢، ١٦٥٢٧، ١٦٥٢٨.
وهذا الخبر رواه البخاري في صحيحه (الفتح ٣: ٢١٧ / ٨: ٢٤٤)، أولهما من طريق هشيم، عن حصين، والثاني من طريق جرير، عن حصين.
ورواه ابن سعد في الطبقات ٤ / ١ / ١٦٦، من طريق هشيم، عن حصين.
وسيرويه أبو جعفر من طريق هشيم أيضا برقم: ١٦٦٧٤.
(٢) الأثر: ١٦٦٧٢ - هذا مكرر الذي قبله.
١٦٦٧٣- حدثني أبو السائب قال، حدثنا ابن إدريس، عن أشعث وهشام، عن أبي بشر قال، قال أبو ذر: خرجت إلى الشأم، فقرأت هذه الآية: (والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله)، فقال معاوية: إنما هي في أهل الكتاب! قال فقلت: إنها لفينا وفيهم. (١)
١٦٦٧٤- حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا حصين، عن زيد بن وهب قال: مررت بالرَّبَذة، فإذا أنا بأبي ذر قال قلت له: ما أنزلك منزلك هذا؟ قال: كنت بالشأم، فاختلفت أنا ومعاوية في هذه الآية: (والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله)، قال: فقال: نزلت في أهل الكتاب. فقلت: نزلت فينا وفيهم = ثم ذكر نحو حديث هشيم، عن حصين. (٢)
* * *
فإن قال قائل: فكيف قيل: (ولا ينفقونها في سبيل الله)، فأخرجت "الهاء" و"الألف" مخرج الكناية عن أحدِ النوعين.
قيل: يحتمل ذلك وجهين:
أحدهما: أن يكون "الذهب والفضة" مرادًا بها الكنوز، كأنه قيل: والذين يكنزون الكنوز ولا ينفقونَها في سبيل الله، لأن الذهب والفضة هي "الكنوز"، في هذا الموضع.
والأخر أن يكون استغنى بالخبر عن إحداهما في عائد ذكرهما، من الخبر عن الأخرى، لدلالة الكلام على الخبر عن الأخرى مثل الخبر عنها، وذلك كثير موجود في كلام العرب وأشعارها، ومنه قول الشاعر: (٣)
(١) الأثر: ١٦٦٧٣ - " أبو بشر "، هو: " جعفر بن أبي وحشية "، مضى مرارا. وهو إسناد منقطع.
(٢) الأثر: ١٦٦٧٤ - هو مكرر الأثر السالف رقم: ١٦٦٧١، انظر تخريجه هناك.
(٣) هو عمرو بن امرئ القيس، من بني الحارث بن الخزرج، جد عبد الله بن رواحة، جاهلي قديم.

تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
قال السدي : الأحبار من اليهود، والرهبان من النصارى.
وهو كما قال، فإن الأحبار هم علماء اليهود، كما قال تعالى :﴿لَوْلا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الإثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ﴾ [المائدة: ٦٣]
والرهبان : عباد النصارى، والقسيسون : علماؤهم، كما قال تعالى :﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [المائدة: ٨٢]
والمقصود : التحذير من علماء السوء وعُبَّاد الضلال(١) كما قال سفيان بن عيينة : من فسد من علمائنا كان فيه شبه من اليهود، ومن فسد من عُبَّادنا كان فيه شبه من النصارى. وفي الحديث الصحيح :" لتركبنّ سَنَن من كان قبلكم حَذْو القُذّة بالقُذّة ". قالوا : اليهود والنصارى ؟ قال :" فمن ؟ ". وفي رواية : فارس والروم ؟ قال :" وَمَن(٢) الناس إلا هؤلاء ؟ " (٣) والحاصل التحذير من التشبه بهم في أحوالهم وأقوالهم ؛ ولهذا قال تعالى :﴿لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾ وذلك أنهم يأكلون الدنيا بالدين ومناصبهم ورياستهم في الناس، يأكلون أموالهم بذلك، كما كان لأحبار اليهود على أهل الجاهلية شرف، ولهم عندهم خَرْج وهدايا وضرائب تجيء إليهم، فلما بعث الله رسوله، صلوات الله وسلامه عليه(٤) استمروا على ضلالهم وكفرهم وعنادهم، طمعا منهم أن تبقى لهم تلك الرياسات، فأطفأها الله بنور النبوة، وسلبهم إياها، وعوضهم بالذلة والمسكنة، وباءوا بغضب من الله.
وقوله تعالى :﴿وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي : وهم مع أكلهم الحرام يصدون الناس عن اتباع الحق، ويُلبسون الحق بالباطل، ويظهرون لمن اتبعهم من الجهلة أنهم يدعون إلى الخير، وليسوا كما يزعمون، بل هم دعاة إلى النار، ويوم القيامة لا ينصرون.
وقوله :﴿وَالَّذِينَ يَكْنزونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ هؤلاء هم القسم الثالث من رءوس الناس، فإن الناس عالة على العلماء، وعلى العُبَّاد، وعلى أرباب الأموال، فإذا فسدت أحوال هؤلاء فسدت أحوال الناس، كما قال بعضهم(٥) وَهَل أفْسَدَ الدِّينَ إلا المُلوكُ *** وَأحبارُ سُوءٍ وَرُهْبَانُها؟
وأما الكنز فقال مالك، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر أنه قال : هو المال الذي لا تؤدى منه الزكاة.
وروى الثوري وغيره عن عُبَيد الله(٦) عن نافع، عن ابن عمر قال : ما أُدِّي زكاتُه فليس بكنز وإن كان تحت سبع أرضين، وما(٧) كان ظاهرا لا تؤدى زكاته فهو كنز(٨) وقد رُوي هذا عن ابن عباس، وجابر، وأبي هريرة موقوفا ومرفوعا(٩) وعمر بن الخطاب، نحوه، رضي الله عنهم :" أيما مال أديت زكاته فليس بكنز وإن كان مدفونا في الأرض، وأيما مال لم تؤد زكاته فهو كنز يكوى به صاحبه وإن كان على وجه الأرض ".
وروى البخاري من حديث الزهري، عن خالد بن أسلم قال : خرجنا مع عبد الله بن عمر، فقال : هذا قبل أن تنزل الزكاة، فلما نزلت جعلها الله طُهرًا للأموال(١٠)
وكذا قال عمر بن عبد العزيز، وعراك بن مالك : نسخها قوله تعالى :﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٣]
وقال سعيد بن محمد بن زياد، عن أبي أمامة أنه قال : حلية السيوف من الكنز ما أحدثكم إلا ما سمعت.
وقال الثوري، عن أبي حصين، عن أبي الضُّحَى، عن جَعْدَة بن هبيرة، عن علي، رضي الله عنه، قال : أربعة آلاف فما دونها نفقة، فما كان أكثر منه(١١) فهو كنز.
وهذا غريب. وقد جاء في مدح التقلل من الذهب والفضة وذم التكثر(١٢) منهما، أحاديث كثيرة ؛ ولنورد منها هنا طرفا يدل على الباقي، فقال عبد الرازق : أخبرنا الثوري، أخبرني أبو حصين، عن أبي الضحى، بن جعدة بن هبيرة، عن علي، رضي الله عنه، في قوله :﴿وَالَّذِينَ يَكْنزونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قال النبي ﷺ :" تَبّا للذهب، تَبّا للفضة " يقولها ثلاثا، قال : فشق ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ وقالوا : فأي مال نتخذ ؟ فقال : عمر، رضي الله عنه، أنا أعلم لكم ذلك فقال : يا رسول الله، إن أصحابك قد شق عليهم [ و ](١٣) قالوا : فأيَّ مال نتخذ ؟ قال :" لسانا ذاكرا، وقلبا شاكرا(١٤) وزوجة تعين أحدكم على دينه " (١٥)
حديث آخر : قال الإمام أحمد : حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، حدثني سالم، حدثني عبد الله بن أبي الهُذَيْل، حدثني صاحب لي أن رسول الله ﷺ قال :" تبا للذهب والفضة ". قال : فحدثني صاحبي أنه انطلق مع عمر بن الخطاب فقال : يا رسول الله، قولك :" تبا للذهب والفضة "، ماذا ندخر ؟. قال رسول الله ﷺ :" لسانا ذاكرا، وقلبا شاكرا، وزوجة تُعين على الآخرة " (١٦)
حديث آخر : قال(١٧) الإمام أحمد : حدثنا وكيع، حدثنا عبد الله بن عمرو بن مرة، عن أبيه، عن سالم بن أبي الجعد، عن ثوبان قال : لما نزل في الفضة والذهب(١٨) ما نزل قالوا : فأي المال نتخذ ؟ قال [ عمر : أنا أعلم ذلك لكم فأوضع(١٩) على بعير فأدركه، وأنا في أثره، فقال : يا رسول الله، أي المال نتخذ ؟ قال ](٢٠) ليتخذ أحدكم قلبا شاكرا ولسانا ذاكرا وزوجة تعين أحدكم في(٢١) أمر الآخرة ".
ورواه الترمذي، وابن ماجه، من غير وجه، عن سالم بن أبي الجعد(٢٢) وقال الترمذي : حسن، وحكي عن البخاري أن سالما لم يسمعه من ثوبان.
قلت : ولهذا رواه بعضهم عنه مرسلا والله أعلم.
حديث آخر : قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي، حدثنا حميد بن مالك، حدثنا يحيى بن يعلى المحاربي، حدثنا أبي، حدثنا غَيْلان بن جامع المحاربي، عن عثمان أبي اليقظان، عن جعفر بن إياس، عن مجاهد، عن ابن عباس قال : لما نزلت هذه الآية :﴿وَالَّذِينَ يَكْنزونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ الآية، كَبُر ذلك على المسلمين، وقالوا : ما يستطيع أحد منا أن يترك لولده ما لا يبقى بعده. فقال عمر : أنا أفرِّج عنكم. فانطلق عمر واتبعه ثوبان، فأتى النبي ﷺ فقال : يا نبيَّ الله، إنه قد كَبُر على أصحابك هذه الآية. فقال نبيُّ الله ﷺ :" إن الله لم يفرض الزكاة إلا ليطيب بها ما بقي من أموالكم، وإنما فرض المواريث من أموال تبقى بعدكم ". قال : فكبَّر عمر، ثم قال له النبي ﷺ :" ألا أخبرك بخير ما يكنز المرء ؟ المرأة الصالحة التي إذا نظر إليها سرته، وإذا أمرها أطاعته، وإذا غاب عنها حفظته ".
ورواه أبو داود، والحاكم في مستدركه، وابن مردويه من حديث يحيى بن يعلى، به(٢٣) وقال الحاكم : صحيح على شرطهما، ولم يخرجاه.
حديث آخر : قال الإمام أحمد : حدثنا روح، حدثنا الأوزاعي، عن حسان بن عطية قال : كان شداد بن أوس، رضي الله عنه، في سفر، فنزل منزلا فقال لغلامه : ائتنا بالشَّفْرَةِ نعْبَث بها. فأنكرت عليه، فقال : ما تكلمت بكلمة منذ أسلمت إلا وأنا أخْطمُها وأزمُّها غير كلمتي هذه، فلا تحفظونها(٢٤) علي، واحفظوا ما أقول لكم : سمعت رسول الله ﷺ يقول :" إذا كنز الناس الذهب والفضة فاكنزوا هؤلاء الكلمات : اللهم، إنى أسألك الثبات في الأمر، والعزيمة على الرشد، وأسألك شكر نعمتك، وأسألك حسن عبادتك، وأسألك قلبا سليما، وأسألك لسانا صادقا، وأسألك من خير ما تعلم، وأعوذ بك من شر ما تعلم، وأستغفرك لما تعلم، إنك أنت علام الغيوب " (٢٥)
١ - في ت، د، ك، أ :"الضلالة"..
٢ - في ت، د، أ :"فمن"..
٣ - رواه البخاري في صحيحه برقم (٣٤٥٦) ومسلم في صحيحه برقم (٢٦٦٩) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه..
٤ - في د :"صلى الله عليه وسلم"..
٥ - هو عبد الله بن المبارك رحمه الله..
٦ - في أ :"عبد الله"..
٧ - في ت، أ :"وإن"..
٨ - رواه البيهقي في السنن الكبرى (٤/٨٢) من طريق سفيان عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر مرفوعا وقال :"ليس هذا بمحفوظ، وإنما المشهور عن سفيان عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر موقوفا"..
٩ - أما حديث ابن عباس، فرواه الطبري في تفسيره (١٤/٢٢٥) من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس موقوفا، وأما حديث جابر، فرواه ابن عدي في الكامل (٧/١٨٩) من طريق يحيى بن أبي أنيسة عن أبي الزبير عن جابر مرفوعا، ورواه الخطيب في تاريخ بغداد (٨/١٢) من طريق خصيف عن أبي الزبير عن جابر مرفوعا، وأما حديث أبي هريرة، فرواه الترمذي في السنن برقم (٦١٨) قال العراقي :"إسناده جيد"..
١٠ - صحيح البخاري برقم (١٤٠٤)..
١١ - في ت، د، أ :"أكثر من ذلك"..
١٢ - في ت :"التكثير"..
١٣ - زيادة من ت، ك، أ..
١٤ - في أ :"ذاكرا"..
١٥ - ذكره الزيلعي في تخريج الكشاف (٢/٧١) وعزاه لعبد الرزاق في تفسيره بعد أن ذكر من حديث ثوبان وعمر، ثم قال :"الحاصل أنه حديث ضعيف لما فيه من الاضطراب"..
١٦ - المسند (٥/٣٦٦)..
١٧ - في ت، ك :"وقال"..
١٨ - في ت، ك :"في الذهب والفضة"..
١٩ - في ت، ك :"أعلم لكم ذلك قال : فأوضع"..
٢٠ - زيادة من ت، د، ك، أ والمسند..
٢١ - في ت، د، ك، أ، "علي"..
٢٢ - المسند (٥/٢٨٢) وسنن الترمذي برقم (٣٠٩٤) وسنن ابن ماجه برقم (١٨٥٦)..
٢٣ - سنن أبي داود برقم (١٦٦٤) والمستدرك (٢/٣٣٣) قال الذهبي :"وعثمان لا أعرفه والخبر عجيب"..
٢٤ - في ت، د، ك، أ :"تحفظوها"..
٢٥ - المسند (٤/١٢٣)..
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
وَفِي الْمُسْنَدِ أَيْضًا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَدِيّ، عَنْ ابْنِ عَوْنٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي حُذَيْفَةَ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ سَمِعَهُ (١) يَقُولُ: دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: "يَا عَدِيُّ، أَسْلِمْ تَسْلَمْ". فَقُلْتُ: إِنِّي مِنْ أَهْلِ دِينٍ. قَالَ: "أَنَا أَعْلَمُ بِدِينِكَ مِنْكَ". فَقُلْتُ: أَنْتَ أَعْلَمُ بِدِينِي مِنِّي؟ قَالَ: "نَعَمْ، أَلَسْتَ مَنِ الرَّكُوسِيَّة، وَأَنْتَ تَأْكُلُ مِرْبَاعَ قَوْمِكَ؟ ". قُلْتُ: بَلَى. قَالَ: "فَإِنَّ هَذَا لَا يَحِلُّ لَكَ فِي دِينِكَ". قَالَ: فَلَمْ يَعْدُ أَنْ قَالَهَا فَتَوَاضَعْتُ لَهَا، قَالَ: "أَمَا إِنِّي أَعْلَمُ مَا الَّذِي يَمْنَعُكَ مِنَ الْإِسْلَامِ، تَقُولُ: إِنَّمَا اتَّبَعَهُ ضَعَفَةُ النَّاسِ وَمَنْ لَا قُوَّةَ لَهُ، وَقَدْ رَمَتْهم الْعَرَبُ، أَتَعْرِفُ الْحِيرَةَ؟ " قُلْتُ: لَمْ أَرَهَا، وَقَدْ سَمِعْتُ بِهَا. قَالَ: "فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لِيُتِمَّنَّ اللَّهُ هَذَا الْأَمْرَ حَتَّى تَخْرُجَ الظَّعِينة مِنَ الْحِيرَةِ، حَتَّى تَطُوفَ بِالْبَيْتِ فِي غَيْرِ جِوَارِ أَحَدٍ، وَلَتَفْتَحُنَّ (٢) كُنُوزَ كِسْرَى بْنِ هُرْمُزَ". قُلْتُ: كِسْرَى بْنُ هُرْمُزَ؟. قَالَ: "نَعَمْ، كِسْرَى بْنُ هُرْمُزَ، وليُبْذَلنَّ الْمَالُ حَتَّى لَا يَقْبَلَهُ أَحَدٌ". قَالَ عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ: فَهَذِهِ الظَّعِينَةُ تَخْرُجُ مِنْ الْحِيرَةِ، فَتَطُوفُ بِالْبَيْتِ فِي غَيْرِ جِوَارِ أَحَدٍ، وَلَقَدْ كُنْتُ فِيمَنْ فَتَحَ كُنُوزَ كِسْرَى بْنِ هُرْمُزَ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَتَكُونَنَّ الثَّالِثَةَ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد قَالَهَا (٣).
وَقَالَ مُسْلِمٌ: حَدَّثَنَا أَبُو مَعْنٍ زَيْدُ بْنُ يَزِيدَ الرّقَاشِيّ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ الْعَلَاءِ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "لَا يَذْهَبُ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ حَتَّى تُعْبَد اللاتُ والعُزّى". فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنْ كُنْتُ لَأَظُنُّ حِينَ أَنْزَلَ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ أَنَّ ذَلِكَ تَامٌّ، قَالَ: "إِنَّهُ سَيَكُونُ مِنْ ذَلِكَ مَا شَاءَ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ، ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ رِيحًا طَيِّبَةً [فَيَتَوَفَّى كُلَّ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّة خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ] (٤) فَيَبْقَى مَنْ لَا خَيْرَ فِيهِ، فَيَرْجِعُونَ إِلَى دِينِ آبَائِهِمْ" (٥)
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الأحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنزونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٤) يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنزتُمْ لأنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنزونَ (٣٥)﴾
قَالَ السُّدِّيُّ: الْأَحْبَارُ مِنَ الْيَهُودِ، وَالرُّهْبَانُ مِنَ النَّصَارَى.
وَهُوَ كَمَا قَالَ، فَإِنَّ الْأَحْبَارَ هُمْ عُلَمَاءُ الْيَهُودِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لَوْلا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الإثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ﴾ [المائدة: ٦٣]
(١) في ت، أ: "سمعته".
(٢) في ت، أ: "وليفتحن".
(٣) المسند (٤/٣٧٧، ٣٧٨) وكأن الحافظ اختصره هنا.
(٤) زيادة من ت، ك، أ، ومسلم.
(٥) صحيح مسلم برقم (٢٩٠٧).
وَالرُّهْبَانُ: عُبَّادُ النَّصَارَى، وَالْقِسِّيسُونَ: عُلَمَاؤُهُمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الْمَائِدَةِ: ٨٢]
وَالْمَقْصُودُ: التَّحْذِيرُ مِنْ عُلَمَاءِ السُّوءِ وعُبَّاد الضَّلَالِ (١) كَمَا قَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: مَنْ فَسَدَ مِنْ عُلَمَائِنَا كَانَ فِيهِ شَبَهٌ مِنَ الْيَهُودِ، وَمَنْ فَسَدَ مِنْ عُبَّادنا كَانَ فِيهِ شَبَهٌ مِنَ النَّصَارَى. وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: "لَتَرْكَبُنَّ سَنَن مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ حَذْو القُذّة بالقُذّة". قَالُوا: الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى؟ قَالَ: "فَمَنْ؟ ". وَفِي رِوَايَةٍ: فَارِسَ وَالرُّومَ؟ قَالَ: "وَمَن (٢) النَّاسُ إِلَّا هَؤُلَاءِ؟ " (٣)
وَالْحَاصِلُ التَّحْذِيرُ مِنَ التَّشَبُّهِ بِهِمْ فِي أَحْوَالِهِمْ وَأَقْوَالِهِمْ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾ وَذَلِكَ أَنَّهُمْ يَأْكُلُونَ الدُّنْيَا بِالدِّينِ وَمَنَاصِبِهِمْ وَرِيَاسَتِهِمْ فِي النَّاسِ، يَأْكُلُونَ أَمْوَالَهُمْ بِذَلِكَ، كَمَا كَانَ لِأَحْبَارِ الْيَهُودِ عَلَى أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ شَرَفٌ، وَلَهُمْ عِنْدُهُمْ خَرْج وَهَدَايَا وَضَرَائِبُ تَجِيءُ إِلَيْهِمْ، فَلَمَّا بَعَثَ اللَّهُ رَسُولَهُ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ (٤) اسْتَمَرُّوا عَلَى ضَلَالِهِمْ وَكُفْرِهِمْ وَعِنَادِهِمْ، طَمَعًا مِنْهُمْ أَنْ تَبْقَى لَهُمْ تِلْكَ الرِّيَاسَاتُ، فَأَطْفَأَهَا اللَّهُ بِنُورِ النُّبُوَّةِ، وَسَلَبَهُمْ إِيَّاهَا، وَعَوَّضَهُمْ بِالذِّلَّةِ وَالْمَسْكَنَةِ، وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أَيْ: وَهُمْ مَعَ أَكْلِهِمُ الْحَرَامَ يَصُدُّونَ النَّاسَ عَنِ اتِّبَاعِ الْحَقِّ، ويُلبسون الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ، وَيُظْهِرُونَ لِمَنِ اتَّبَعَهُمْ مِنَ الْجَهَلَةِ أَنَّهُمْ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ، وَلَيْسُوا كَمَا يَزْعُمُونَ، بَلْ هُمْ دُعَاةٌ إِلَى النَّارِ، وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنزونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ هَؤُلَاءِ هُمُ الْقِسْمُ الثَّالِثُ مِنْ رُءُوسِ النَّاسِ، فَإِنَّ النَّاسَ عَالَةٌ عَلَى الْعُلَمَاءِ، وَعَلَى العُبَّاد، وَعَلَى أَرْبَابِ الْأَمْوَالِ، فَإِذَا فَسَدَتْ أَحْوَالُ هَؤُلَاءِ فَسَدَتْ أَحْوَالُ النَّاسِ، كَمَا قَالَ بَعْضُهُمْ (٥)
وَهَل أفْسَدَ الدِّينَ إِلَّا المُلوكُ... وَأحبارُ سُوءٍ وَرُهْبَانُها؟...
وَأَمَّا الْكَنْزُ فَقَالَ مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: هُوَ الْمَالُ الَّذِي لَا تُؤَدَّى مِنْهُ الزَّكَاةُ.
وَرَوَى الثَّوْرِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ عُبَيد اللَّهِ (٦) عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: مَا أُدِّي زكاتُه فَلَيْسَ بِكَنْزٍ وَإِنْ كَانَ تَحْتَ سَبْعِ أَرَضِينَ، وَمَا (٧) كَانَ ظَاهِرًا لَا تُؤَدَّى زَكَاتُهُ فَهُوَ كَنْزٌ (٨) وَقَدْ رُوي هذا عن ابن
(١) في ت، د، ك، أ: "الضلالة".
(٢) في ت، د، أ: "فمن".
(٣) رواه البخاري في صحيحه برقم (٣٤٥٦) ومسلم في صحيحه برقم (٢٦٦٩) من حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
(٤) في د: "صلى الله عليه وسلم".
(٥) هو عبد الله بن المبارك رحمه الله.
(٦) في أ: "عبد الله".
(٧) في ت، أ: "وإن".
(٨) رواه البيهقي في السنن الكبرى (٤/٨٢) من طريق سُفْيَانَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عمر مرفوعا وقال: "ليس هذا بمحفوظ، وإنما المشهور عن سفيان عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عمر موقوفا".
عَبَّاسٍ، وَجَابِرٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ مَوْقُوفًا وَمَرْفُوعًا (١) وَعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، نَحْوَهُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ: "أَيُّمَا مَالٍ أَدَّيْتَ زَكَاتَهُ فَلَيْسَ بِكَنْزٍ وَإِنْ كَانَ مَدْفُونًا فِي الْأَرْضِ، وَأَيُّمَا مَالٍ لَمْ تُؤَدِّ زَكَاتَهُ فَهُوَ كَنْزٌ يُكْوَى بِهِ صَاحِبُهُ وَإِنْ كَانَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ".
وَرَوَى الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ خَالِدِ بْنِ أَسْلَمَ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، فَقَالَ: هَذَا قَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ الزَّكَاةُ، فَلَمَّا نَزَلَتْ جَعَلَهَا اللَّهُ طُهرًا لِلْأَمْوَالِ (٢)
وَكَذَا قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَعِرَاكُ بْنُ مَالِكٍ: نَسَخَهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [التَّوْبَةِ: ١٠٣]
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ أَنَّهُ قَالَ: حِلْيَةُ السُّيُوفِ مِنَ الْكَنْزِ مَا أُحَدِّثُكُمْ إِلَّا مَا سَمِعْتُ.
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ، عَنْ أَبِي حُصَيْنٍ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنِ جَعْدَة بْنِ هُبَيْرَةَ، عَنْ عَلِيٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: أَرْبَعَةُ آلَافٍ فَمَا دُونَهَا نَفَقَةٌ، فَمَا كَانَ أَكْثَرَ مِنْهُ (٣) فَهُوَ كَنْزٌ.
وَهَذَا غَرِيبٌ. وَقَدْ جَاءَ فِي مَدْحِ التَّقَلُّلِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَذَمِّ التَّكَثُّرِ (٤) مِنْهُمَا، أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ؛ وَلْنُورِدْ مِنْهَا هُنَا طَرَفًا يَدُلُّ عَلَى الْبَاقِي، فقال عبد الرازق: أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ، أَخْبَرَنِي أَبُو حَصِينٍ، عَنْ أَبِي الضحى، بن جَعْدَةَ بْنِ هُبَيْرَةَ، عَنْ عَلِيٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنزونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "تَبّا لِلذَّهَبِ، تَبّا لِلْفِضَّةِ" يَقُولُهَا ثَلَاثًا، قَالَ: فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم وَقَالُوا: فَأَيُّ مَالٍ نَتَّخِذُ؟ فَقَالَ: عُمَرُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَا أَعْلَمُ لَكُمْ ذَلِكَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أَصْحَابَكَ قَدْ شَقَّ عَلَيْهِمْ [وَ] (٥) قَالُوا: فأيَّ مَالٍ نَتَّخِذُ؟ قَالَ: "لِسَانًا ذَاكِرًا، وَقَلْبًا شَاكِرًا (٦) وَزَوْجَةً تُعِينُ أَحَدَكُمْ عَلَى دِينِهِ" (٧)
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنِي سَالِمٌ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي الهُذَيْل، حَدَّثَنِي صَاحِبٌ لِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "تَبًّا لِلذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ". قَالَ: فَحَدَّثَنِي صَاحِبِي أَنَّهُ انْطَلَقَ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَوْلُكُ: "تَبًّا لِلذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ"، مَاذَا نَدَّخِرُ؟. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لِسَانًا ذَاكِرًا، وقلبا شاكرا، وزوجة تُعين على الآخرة" (٨)
(١) أما حديث ابن عباس، فرواه الطبري في تفسيره (١٤/٢٢٥) مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ موقوفا، وأما حديث جابر، فرواه ابن عدي في الكامل (٧/١٨٩) من طريق يحيى بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جابر مرفوعا، ورواه الخطيب في تاريخ بغداد (٨/١٢) من طريق خصيف عن أبي الزبير عن جابر مرفوعا، وأما حديث أبي هريرة، فرواه الترمذي في السنن برقم (٦١٨) قال العراقي: "إسناده جيد".
(٢) صحيح البخاري برقم (١٤٠٤).
(٣) في ت، د، أ: "أكثر من ذلك".
(٤) في ت: "التكثير".
(٥) زيادة من ت، ك، أ.
(٦) في أ: "ذاكرا".
(٧) ذكره الزيلعي في تخريج الكشاف (٢/٧١) وعزاه لعبد الرزاق في تفسيره بعد أن ذكر من حديث ثوبان وعمر، ثم قال: "الحاصل أنه حديث ضعيف لما فيه من الاضطراب".
(٨) المسند (٥/٣٦٦).
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ (١) الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: لَمَّا نَزَلَ فِي الْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ (٢) مَا نَزَلَ قَالُوا: فَأَيُّ الْمَالِ نَتَّخِذُ؟ قَالَ [عُمَرُ: أَنَا أَعْلَمُ ذَلِكَ لَكُمْ فَأَوْضَعَ (٣) عَلَى بَعِيرٍ فَأَدْرَكَهُ، وَأَنَا فِي أَثَرِهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الْمَالِ نَتَّخِذُ؟ قَالَ] (٤) لِيَتَّخِذْ أَحَدُكُمْ قَلْبًا شَاكِرًا وَلِسَانًا ذَاكِرًا وَزَوْجَةً تُعِينُ أَحَدَكُمْ فِي (٥) أَمْرِ الْآخِرَةِ ".
وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ (٦) وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ، وَحُكِيَ عَنِ الْبُخَارِيِّ أَنَّ سَالِمًا لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْ ثَوْبَانَ.
قُلْتُ: وَلِهَذَا رَوَاهُ بَعْضُهُمْ عَنْهُ مُرْسَلًا واللَّهُ أَعْلَمُ.
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَالِكٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَعْلَى الْمُحَارِبِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا غَيْلان بْنُ جَامِعٍ الْمُحَارِبِيُّ، عَنْ عُثْمَانَ أَبِي الْيَقْظَانِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ إِيَاسٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنزونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ الْآيَةَ، كَبُر ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَقَالُوا: مَا يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ مِنَّا أَنْ يَتْرُكَ لِوَلَدِهِ مَا لَا يَبْقَى بَعْدَهُ. فَقَالَ عُمَرُ: أَنَا أفرِّج عَنْكُمْ. فَانْطَلَقَ عُمَرُ وَاتَّبَعَهُ ثَوْبَانُ، فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا نبيَّ اللَّهِ، إِنَّهُ قَدْ كَبُر عَلَى أَصْحَابِكَ هَذِهِ الْآيَةَ. فَقَالَ نبيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَفْرِضِ الزَّكَاةَ إِلَّا لِيُطَيِّبَ بِهَا مَا بَقِيَ مِنْ أَمْوَالِكُمْ، وَإِنَّمَا فَرَضَ الْمَوَارِيثَ مِنْ أَمْوَالٍ تَبْقَى بَعْدَكُمْ". قَالَ: فكبَّر عُمَرُ، ثُمَّ قَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَلَا أُخْبِرُكَ بِخَيْرِ مَا يَكْنِزُ الْمَرْءُ؟ الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ الَّتِي إِذَا نَظَرَ إِلَيْهَا سَرَّتْهُ، وَإِذَا أَمَرَهَا أَطَاعَتْهُ، وَإِذَا غَابَ عَنْهَا حَفِظَتْهُ".
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ حَدِيثِ يَحْيَى بْنِ يَعْلَى، بِهِ (٧) وَقَالَ الْحَاكِمُ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِهِمَا، وَلَمْ يُخْرِجَاهُ.
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا رَوْحٌ، حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ، عَنْ حَسَّانَ بْنِ عَطِيَّةَ قَالَ: كَانَ شَدَّادُ بْنُ أَوْسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فِي سَفَرٍ، فَنَزَلَ مَنْزِلًا فَقَالَ لِغُلَامِهِ: ائْتِنَا بالشَّفْرَةِ نعْبَث بِهَا. فَأَنْكَرْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: مَا تَكَلَّمْتُ بِكَلِمَةٍ مُنْذُ أَسْلَمْتُ إِلَّا وَأَنَا أخْطمُها وأزمُّها غَيْرَ كَلِمَتِي هَذِهِ، فَلَا تَحْفَظُونَهَا (٨) عَلَيَّ، وَاحْفَظُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "إِذَا كَنَزَ النَّاسُ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ فَاكْنِزُوا هَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ: اللَّهُمَّ، إِنِّي أَسْأَلُكَ الثَّبَاتَ فِي الْأَمْرِ، وَالْعَزِيمَةَ عَلَى الرُّشْدِ، وَأَسْأَلُكَ شُكْرَ نِعْمَتِكَ، وَأَسْأَلُكَ حُسْنَ عِبَادَتِكَ، وَأَسْأَلُكَ قَلْبًا سَلِيمًا، وَأَسْأَلُكَ لِسَانًا صَادِقًا، وَأَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِ مَا تَعْلَمُ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا تَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا تَعْلَمُ، إنك أنت علام الغيوب" (٩)
(١) في ت، ك: "وقال".
(٢) في ت، ك: "في الذهب والفضة".
(٣) في ت، ك: "أعلم لكم ذلك قال: فأوضع".
(٤) زيادة من ت، د، ك، أوالمسند.
(٥) في ت، د، ك، أ، "علي".
(٦) المسند (٥/٢٨٢) وسنن الترمذي برقم (٣٠٩٤) وسنن ابن ماجه برقم (١٨٥٦).
(٧) سنن أبي داود برقم (١٦٦٤) والمستدرك (٢/٣٣٣) قال الذهبي: "وعثمان لا أعرفه والخبر عجيب".
(٨) في ت، د، ك، أ: "تحفظوها".
(٩) المسند (٤/١٢٣).
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنزتُمْ لأنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنزونَ﴾ أَيْ: يُقَالُ لَهُمْ هَذَا الْكَلَامُ تَبْكِيتًا وَتَقْرِيعًا وَتَهَكُّمًا، كَمَا فِي قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدُّخَانِ: ٤٨، ٤٩] أَيْ: هَذَا بِذَاكَ، وَهُوَ (١) الَّذِي كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ لِأَنْفُسِكُمْ؛ وَلِهَذَا يُقَالُ: مَنْ أَحَبَّ شَيْئًا وَقَدَّمَهُ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ، عُذِّبَ بِهِ. وَهَؤُلَاءِ لَمَّا كَانَ جَمْعُ هَذِهِ الْأَمْوَالِ آثَرَ عِنْدَهُمْ مِنْ رِضَا اللَّهِ عَنْهُمْ، عُذِّبُوا بِهَا، كَمَا كَانَ أَبُو لَهَبٍ، لَعَنَهُ اللَّهُ، جَاهِدًا فِي عَدَاوَةِ الرَّسُولِ، صَلَوَاتُ اللَّهِ [وَسَلَامُهُ] (٢) عَلَيْهِ (٣) وَامْرَأَتُهُ تُعِينُهُ فِي ذَلِكَ، كَانَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَوْنًا عَلَى عَذَابِهِ أَيْضًا ﴿فِي جِيدِهَا﴾ أَيْ: [فِي] (٤) عُنُقِهَا ﴿حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾ [الْمَسَدِ: ٥] أَيْ: تَجْمَعُ مِنَ الْحَطَبِ فِي النَّارِ وَتُلْقِي عَلَيْهِ، لِيَكُونَ ذَلِكَ أَبْلَغَ فِي عَذَابِهِ مِمَّنْ هُوَ أَشْفَقُ عَلَيْهِ -كَانَ -فِي الدُّنْيَا، كَمَا أَنَّ هَذِهِ الْأَمْوَالَ لَمَّا كَانَتْ أَعَزَّ الْأَشْيَاءِ عَلَى أَرْبَابِهَا، كَانَتْ أَضَرَّ الْأَشْيَاءِ عَلَيْهِمْ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ، فَيُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ، وَنَاهِيكَ بِحَرِّهَا، فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ.
قَالَ سُفْيَانُ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: وَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ، لَا يُكْوَى عَبْدٌ بِكَنْزٍ فَيَمَسُّ دِينَارٌ دِينَارًا، وَلَا دِرْهَمٌ دِرْهَمًا، وَلَكِنْ يوسَّع جِلْدُهُ، فَيُوضَعُ كُلُّ دِينَارٍ وَدِرْهَمٍ عَلَى حِدَتِهِ (٥) (٦)
وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ مرْدُويه، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا، وَلَا يَصِحُّ رَفْعُهُ، واللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا مَعْمَر، عَنِ ابْنِ طاوس، عن أبيه قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ الْكَنْزَ يَتَحَوَّلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُجَاعًا يَتْبَعُ صَاحِبَهُ، وَهُوَ يَفِرُّ مِنْهُ وَيَقُولُ: أَنَا كَنْزُكَ! لَا يُدْرِكُ مِنْهُ شَيْئًا إِلَّا أَخَذَهُ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الجَعْد، عَنْ مَعْدَان بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ ثَوْبَانَ أَنَّ نَبِيَّ (٧) اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ: "مَنْ تَرَكَ بَعْدَهُ كَنْزًا مَثَل لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُجاعًا أَقْرَعَ لَهُ زبيبتَان، يَتْبَعُهُ، يَقُولُ: وَيْلَكَ مَا أَنْتَ؟ فَيَقُولُ: أَنَا كَنْزُكَ الَّذِي تَرَكْتَهُ (٨) بَعْدَكَ! وَلَا يَزَالُ يَتْبَعُهُ حَتَّى يُلقمه يَدَهُ فَيُقَصْقِصَها (٩) ثُمَّ يُتْبِعُهَا سَائِرَ جَسَدِهِ".
وَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ، مِنْ حَدِيثِ يَزِيدَ، عَنْ سَعِيدٍ بِهِ (١٠) وَأَصْلُ هَذَا الْحَدِيثِ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ (١١)
(١) في ت، د، ك: "وهذا".
(٢) زيادة من أ.
(٣) في د، ك: "صلى الله عليه وسلم".
(٤) زيادة من ك.
(٥) في أ: "جلده".
(٦) رواه الطبري في تفسيره (١٤/٢٣٣) من طريق سفيان به.
(٧) في د: "رسول".
(٨) في أ: "كنزته".
(٩) في د، أ: "فيقضمها".
(١٠) تفسير الطبري (١٤/٢٣٢) وصحيح ابن حبان برقم (٨٠٣) "موارد" ورواه ابن خزيمة في صحيحه برقم (٢٢٥٥) من طريق بشر ابن معاذ به.
(١١) صحيح البخاري برقم (٤٦٥٩) ولم أعثر عليه في صحيح مسلم من هذا الطريق.
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، مِنْ حَدِيثِ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم قَالَ: "مَا مِنْ رَجُلٍ لَا يُؤَدِّي زَكَاةَ مَالِهِ إِلَّا جُعِلَ (١) يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَفَائِحُ مِنْ نَارٍ يُكْوَى (٢) بِهَا جَنْبُهُ وَجَبْهَتُهُ وَظَهْرُهُ، فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ، ثُمَّ يَرَى سَبِيلُهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّارِ" وَذَكَرَ تَمَامَ الْحَدِيثِ (٣)
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ حُصَيْن، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ قَالَ: مَرَرْتُ عَلَى أَبِي ذَرٍّ بالرَّبَذة، فَقُلْتُ: مَا أَنْزَلَكَ بِهَذِهِ الْأَرْضِ، قَالَ (٤) كُنَّا بِالشَّامِ، فَقَرَأْتُ: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنزونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: مَا هَذِهِ فِينَا (٥) مَا هَذِهِ إِلَّا فِي أَهْلِ الْكِتَابِ. قَالَ: قُلْتُ: إِنَّهَا لَفِينَا وَفِيهِمْ (٦)
وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ حَدِيثِ عَبْثَرِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَذَكَرَهُ وَزَادَ: فَارْتَفَعَ فِي ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ الْقَوْلُ، فَكَتَبَ إِلَى عُثْمَانَ يَشْكُونِي، فَكَتَبَ إليَّ عُثْمَانُ أَنْ أُقْبِلَ إِلَيْهِ، قَالَ: فَأَقْبَلْتُ، فَلَمَّا قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ رَكِبَنِي (٧) النَّاسُ كَأَنَّهُمْ لَمْ يَرَوْنِي قَبْلَ يَوْمَئِذٍ، فَشَكَوْتُ ذَلِكَ إِلَى عُثْمَانَ، فَقَالَ لِي: تَنَحَّ قَرِيبًا. قُلْتُ: وَاللَّهِ لَنْ أَدَعَ مَا كُنْتُ أَقُولُ (٨)
قُلْتُ: كَانَ مِنْ مَذْهَبِ أَبِي ذَرٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، تَحْرِيمُ ادِّخَارِ مَا زَادَ عَلَى نَفَقَةِ الْعِيَالِ، وَكَانَ يُفْتِي [النَّاسَ] (٩) بِذَلِكَ، وَيَحُثُّهُمْ عَلَيْهِ، وَيَأْمُرُهُمْ بِهِ، وَيُغْلِظُ فِي خِلَافِهِ، فَنَهَاهُ مُعَاوِيَةُ فَلَمْ يَنْتَهِ، فَخَشِيَ أَنَّ يَضُرَّ بِالنَّاسِ فِي هَذَا، فَكَتَبَ يَشْكُوهُ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَانَ، وَأَنْ يَأْخُذَهُ إِلَيْهِ، فَاسْتَقْدَمَهُ عُثْمَانُ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَأَنْزَلَهُ بِالرَّبَذَةِ وَحْدَهُ، وَبِهَا مَاتَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ. وَقَدِ اخْتَبَرَهُ مُعَاوِيَةُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ (١٠) وَهُوَ عِنْدُهُ، هَلْ يُوَافِقُ عَمَلُهُ قَوْلَهُ؟ فَبَعَثَ إِلَيْهِ بِأَلْفِ دِينَارٍ، فَفَرَّقَهَا مِنْ يَوْمِهِ، ثُمَّ بَعَثَ إِلَيْهِ الَّذِي أَتَاهُ بِهَا فَقَالَ: إِنَّ مُعَاوِيَةَ إِنَّمَا بَعَثَنِي إِلَى غَيْرِكَ فَأَخْطَأْتُ، فَهَاتِ الذَّهَبَ! فَقَالَ: وَيْحَكَ! إِنَّهَا خَرَجَتْ، وَلَكِنْ إِذَا جَاءَ مَالِي حَاسَبْنَاكَ (١١) بِهِ.
وَهَكَذَا رَوَى عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهَا عَامَّةٌ:
وَقَالَ السُّدِّيُّ: هِيَ فِي أَهْلِ الْقِبْلَةِ.
وَقَالَ الْأَحْنَفُ بْنُ قَيْسٍ: قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ، فَبَيْنَا أَنَا فِي حَلْقَةٍ فِيهَا مَلأ مِنْ قُرَيْشٍ، إِذْ جَاءَ رَجُلٌ أَخْشَنُ الثِّيَابِ، أَخْشَنُ الْجَسَدِ، أَخْشَنُ الْوَجْهِ، فَقَامَ عَلَيْهِمْ فَقَالَ: بَشِّرِ الْكَانِزِينَ برَضْف يُحْمَى عَلَيْهِ فِي
(١) في د: "جعل له".
(٢) في ت: "فتكوى"، وفي د، أ: "فيكوى".
(٣) صحيح مسلم برقم (٩٨٧).
(٤) في ت، د، ك، أ: "فقال".
(٥) في ت، د، ك: "ما هذا".
(٦) صحيح البخاري برقم (٤٦٦٠).
(٧) في ت: "ولقيني".
(٨) تفسير الطبري (١٤/٢٢٧).
(٩) زيادة من أ.
(١٠) زيادة من أ: "عنهما".
(١١) في ت، أ: "حاسبناه".
نَارِ جَهَنَّمَ، فَيُوضَعُ عَلَى حَلمة ثَدْي أَحَدِهِمْ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ نُغْضِ كَتِفِهِ، وَيُوضَعُ عَلَى نُغْضِ كَتِفِهِ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ حَلَمَةِ ثَدْيِهِ يَتَزَلْزَلُ -قَالَ: فَوَضَعَ الْقَوْمُ رُءُوسَهُمْ، فَمَا رَأَيْتُ أَحَدًا مِنْهُمْ رَجَع إِلَيْهِ شَيْئًا -قَالَ: وَأَدْبَرَ فَاتَّبَعْتُهُ حَتَّى جَلَسَ إِلَى سَارِيَةٍ، فَقُلْتُ: مَا رَأَيْتُ هَؤُلَاءِ إِلَّا كَرِهُوا مَا قُلْتَ لَهُمْ. فَقَالَ: إِنَّ هَؤُلَاءِ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا.
وَفِي الصَّحِيحِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِأَبِي ذَرّ: "مَا يَسُرُّنِي أَنَّ عِنْدِي مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا يَمُرُّ عَلَيْهِ ثَالِثَةً وَعِنْدِي مِنْهُ شَيْءٌ إِلَّا دِينَارٌ أَرْصُدُهُ لِدَيْنٍ" (١)
فَهَذَا -واللَّهُ أَعْلَمُ-هُوَ الَّذِي حَدَا أَبَا ذَرٍّ عَلَى الْقَوْلِ بِهَذَا.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامِتِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّهُ كَانَ مَعَ أَبِي ذَرٍّ، فَخَرَجَ عَطَاؤُهُ وَمَعَهُ جَارِيَةٌ لَهُ، فَجَعَلَتْ تَقْضِي حَوَائِجَهُ، فَفَضَلَتْ مَعَهَا سَبْعَةٌ، فَأَمَرَهَا أَنْ تَشْتَرِيَ بِهِ فُلُوسًا. قَالَ: قُلْتُ: لَوِ ادَّخَرْتَهُ لِلْحَاجَّةِ تَنُوبك وَلِلضَّيْفِ يَنْزِلُ بِكَ! قَالَ: إِنَّ خَلِيلِي عَهِدَ إليَّ أنْ أَيُّمَا ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ أوكِي (٢) عَلَيْهِ، فَهُوَ جَمْرٌ عَلَى صَاحِبِهِ، حَتَّى يُفْرِغَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ (٣)
وَرَوَاهُ عَنْ يَزِيدَ، عَنْ هَمَّامٍ، بِهِ وَزَادَ: إِفْرَاغًا (٤)
وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ بِسَنَدِهِ إِلَى أَبِي بَكْرٍ الشِّبْلِيِّ فِي تَرْجَمَتِهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَهْدِيٍّ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ صَدَقَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِي فَرْوَة الرُّهَاوِيِّ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "الْقَ اللَّهَ فَقِيرًا وَلَا تَلْقَهُ غَنِيًّا". قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ لِي بِذَلِكَ؟ قَالَ: "مَا سُئِلتَ فَلَا تَمْنَع، وَمَا رُزقْت فَلَا تَخْبَأ"، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ لِي بِذَلِكَ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "هُوَ ذَاكَ وَإِلَّا فَالنَّارُ" (٥) إِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا عُتَيْبَةُ، عَنْ بُرَيْدِ بْنِ أَصْرَمَ (٦) قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيًّا، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، يَقُولُ: مَاتَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الصُّفَّة، وَتَرَكَ دِينَارَيْنِ -أَوْ: دِرْهَمَيْنِ -فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "كيَّتان، صلوا على صاحبكم" (٧)
(١) صحيح البخاري برقم (٦٤٤٤).
(٢) في أ: "أيما ذهبا وفضة أولى".
(٣) المسند (٥/١٥٦).
(٤) المسند (٥/١٧٥) وقال الهيثمي في المجمع (١٠/٢٤٠) :"رجاله رجال الصحيح".
(٥) انظر: مختصر تاريخ دمشق لابن منظور (٢٨/١٦٨) ورواه الخطيب في تاريخ بغداد (١٤/٣٩٠) في ترجمة الشبلى من طريق محمد بن مهدي المصري به.
(٦) في جميع النسخ: "عيينة عن يزيد بن الصرم" والتصويب من المسند.
(٧) المسند (١/١٠١).

تيسير الكريم الرحمن — السعدي

عن الكتاب
{ ٣٤ - ٣٥ } ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾
هذا تحذير من اللّه تعالى لعباده المؤمنين عن كثير من الأحبار والرهبان، أي : العلماء والعباد الذين يأكلون أموال الناس بالباطل، أي : بغير حق، ويصدون عن سبيل اللّه، فإنهم إذا كانت لهم رواتب من أموال الناس، أو بذل الناس لهم من أموالهم فإنه لأجل علمهم وعبادتهم، ولأجل هداهم وهدايتهم، وهؤلاء يأخذونها ويصدون الناس عن سبيل اللّه، فيكون أخذهم لها على هذا الوجه سحتا وظلما، فإن الناس ما بذلوا لهم من أموالهم إلا ليدلوهم إلى الطريق المستقيم.
ومن أخذهم لأموال الناس بغير حق، أن يعطوهم ليفتوهم أو يحكموا لهم بغير ما أنزل اللّه، فهؤلاء الأحبار والرهبان، ليحذر منهم هاتان الحالتان : أخذهم لأموال الناس بغير حق، وصدهم الناس عن سبيل اللّه.
﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ أي : يمسكونها ﴿وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي : طرق الخير الموصلة إلى اللّه، وهذا هو الكنز المحرم، أن يمسكها عن النفقة الواجبة، كأن يمنع منها الزكاة أو النفقات الواجبة للزوجات، أو الأقارب، أو النفقة في سبيل اللّه إذا وجبت.
﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ ثم فسره بقوله :
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
{٣٤ - ٣٥} ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الأحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾.
هذا تحذير من الله تعالى لعباده المؤمنين عن كثير من الأحبار والرهبان، أي: العلماء والعباد الذين يأكلون أموال الناس بالباطل، أي: بغير حق، ويصدون عن سبيل الله، فإنهم إذا كانت لهم رواتب من أموال الناس، أو بذل الناس لهم من أموالهم فإنه لأجل علمهم وعبادتهم، ولأجل هداهم وهدايتهم، وهؤلاء يأخذونها -[٣٣٦]- ويصدون الناس عن سبيل الله، فيكون أخذهم لها على هذا الوجه سحتا وظلما، فإن الناس ما بذلوا لهم من أموالهم إلا ليدلوهم إلى الطريق المستقيم.
ومن أخذهم لأموال الناس بغير حق، أن يعطوهم ليفتوهم أو يحكموا لهم بغير ما أنزل الله، فهؤلاء الأحبار والرهبان، ليحذر منهم هاتان الحالتان: أخذهم لأموال الناس بغير حق، وصدهم الناس عن سبيل الله.
﴿وَالَّذِينَ يَكْنزونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ أي: يمسكونها ﴿وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: طرق الخير الموصلة إلى الله، وهذا هو الكنز المحرم، أن يمسكها عن النفقة الواجبة، كأن يمنع منها الزكاة أو النفقات الواجبة للزوجات، أو الأقارب، أو النفقة في سبيل الله إذا وجبت.
﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ ثم فسره بقوله: ﴿يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا﴾ أي: على أموالهم، ﴿فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾ فيحمى كل دينار أو درهم على حدته.
﴿فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ﴾ في يوم القيامة كلما بردت أعيدت في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، ويقال لهم توبيخا ولوما: ﴿هَذَا مَا كَنزتُمْ لأنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنزونَ﴾ فما ظلمكم ولكنكم ظلمتم أنفسكم وعذبتموها بهذا الكنز.
وذكر الله في هاتين الآيتين، انحراف الإنسان في ماله، وذلك بأحد أمرين:
إما أن ينفقه في الباطل الذي لا يجدي عليه نفعا، بل لا يناله منه إلا الضرر المحض، وذلك كإخراج الأموال في المعاصي والشهوات التي لا تعين على طاعة الله، وإخراجها للصد عن سبيل الله.
وإما أن يمسك ماله عن إخراجه في الواجبات، و "النهي عن الشيء، أمر بضده"
جميع كتب التفسير لهذه الآية (١٢٨ كتابًا)
جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تيسير الكريم الرحمن — السعدي أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — الشنقيطي - أضواء البيان تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير — محمد نسيب الرفاعي أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير — أبو بكر الجزائري التفسير الميسر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — حكمت بشير ياسين المختصر في تفسير القرآن الكريم — مركز تفسير للدراسات القرآنية تفسير مجاهد — مجاهد بن جبر غريب القرآن — زيد بن علي تفسير مقاتل بن سليمان — مقاتل بن سليمان تفسير الإمام مالك — مالك بن أنس معاني القرآن — الفراء معاني القرآن للفراء — الفراء مجاز القرآن — أبو عبيدة معمر بن المثنى مجاز القرآن — أبو عبيدة تفسير القرآن — الصنعاني معاني القرآن — الأخفش تفسير التستري — سهل التستري تفسير النسائي — النسائي معاني القرآن وإعرابه للزجاج — الزجاج تفسير ابن أبي حاتم — ابن أبي حاتم الرازي تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي أحكام القرآن — الجصاص بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي تفسير ابن خويز منداد — ابن خويزمنداد تفسير القرآن العزيز — ابن أبي زَمَنِين الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب النكت والعيون — الماوردي النكت والعيون — الماوردي آراء ابن حزم الظاهري في التفسير — ابن حزم جهود ابن عبد البر في التفسير — ابن عبد البر تفسير القشيري — القشيري لطائف الإشارات — القشيري التفسير البسيط — الواحدي الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — الواحدي تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني أحكام القرآن — إلكيا الهراسي جهود الإمام الغزالي في التفسير — أبو حامد الغزالي معالم التنزيل — البغوي معالم التنزيل — البغوي الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية أحكام القرآن — ابن العربي أحكام القرآن — ابن الفرس تذكرة الاريب في تفسير الغريب — ابن الجوزي زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي تفسير العز بن عبد السلام — عز الدين بن عبد السلام أنوار التنزيل وأسرار التأويل — البيضاوي مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي التسهيل لعلوم التنزيل — ابن جُزَيِّ لباب التأويل في معاني التنزيل — الخازن البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي النهر الماد من البحر المحيط — أبو حيان الأندلسي الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني التبيان في تفسير غريب القرآن — ابن الهائم تنوير المقباس من تفسير ابن عباس — الفيروزآبادي غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري تفسير الجلالين — المَحَلِّي الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي جامع البيان في تفسير القرآن — الإيجي محيي الدين الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم — الكَازَرُوني فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن — زكريا الأنصاري فتح الرحمن في تفسير القرآن — مجير الدين العُلَيْمي السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود روح البيان — إسماعيل حقي التفسير المظهري — المظهري البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة حاشية الصاوي على تفسير الجلالين — الصاوي فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي روح المعاني — الألوسي تفسير المنار — محمد رشيد رضا تفسير المنار — رشيد رضا تفسير المراغي — أحمد بن مصطفى المراغي تفسير المراغي — المراغي المصحف المفسّر — فريد وجدي التفسير القرآني للقرآن — عبد الكريم يونس الخطيب أضواء البيان — محمد الأمين الشنقيطي العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير — الشنقيطي - العذب النمير تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور زهرة التفاسير — محمد أبو زهرة زهرة التفاسير — أبو زهرة بيان المعاني — ملا حويش أوضح التفاسير — محمد عبد اللطيف الخطيب إعراب القرآن وبيانه — محيي الدين الدرويش التفسير الحديث — محمد عزة دروزة التفسير الحديث — دروزة تيسير التفسير — إبراهيم القطان تيسير التفسير — إبراهيم القطان صفوة البيان لمعاني القرآن — حسنين مخلوف الموسوعة القرآنية — إبراهيم الإبياري التيسير في أحاديث التفسير — المكي الناصري تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير القرآن الكريم — عبد الله محمود شحاتة التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي التفسير المنير — وهبة الزحيلي التفسير الوسيط — وهبة الزحيلي حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن — محمد الأمين الهرري فتح الرحمن في تفسير القرآن — تعيلب التفسير الشامل — أمير عبد العزيز الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — بشير ياسين التفسير الميسر — التفسير الميسر المنتخب في تفسير القرآن الكريم — المنتخب أيسر التفاسير — أسعد حومد التفسير الميسر — مجموعة من المؤلفين التفسير الواضح — محمد محمود حجازي المنتخب في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين تفسير سفيان الثوري — عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي صفوة التفاسير — محمد علي الصابوني كتاب نزهة القلوب — أبى بكر السجستاني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني مختصر تفسير ابن كثير — محمد علي الصابوني معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن — محمد الخضيري

غريب الكلمات ومعانيها

معاني الكلمات الغريبة في الآية

السراج في بيان غريب القرآن
لَيَاكُلُونَ
لَيَاخُذُونَ.
يَكْنِزُونَ
لَا يُؤَدُّونَ الزَّكَاةَ.

إعراب الآية ٣٤ من سورة التوبة

من كتاب: إعراب القرآن

بِأَفْواهِهِمْ جمع فوه على الأصل لأن الأصل في فم فوه مثل حوض وأحواض، وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ يقال: كيف دخلت إلّا وليس في الكلام حرف نفي؟ ولا يجوز ضربت إلّا زيدا فزعم الفراء «١» أن «إلّا» إنما دخلت في الكلام طرفا من الجحد، قال أبو إسحاق: الجحد والتحقيق ليسا بذوي أطراف وأدوات الجحد «ما ولا ولم ولن وليس» وهذه لا أطراف لها ينطق بها، ولو كان الأمر كما أراد لجاز كرهت إلا زيدا ولكن الجواب أنّ العرب تحذف مع «أبى» والتقدير ويأبى الله كلّ شيء إلّا أن يتمّ نوره.
قال علي بن سليمان: إنما أجاز هذا في يأبى لأنها منع أو امتناع فضارعت النفي. قال أبو جعفر: وهذا قول حسن كما قال: [الطويل] ١٨٤-
وهل لي أمّ غيرها إن تركتهاأبى الله إلّا أن أكون لها ابنما «٢»

[سورة التوبة (٩) : آية ٣٣]

هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٣٣)
لِيُظْهِرَهُ لام كي أي ليظهره بالحجّة والبراهين وقد أظهره.

[سورة التوبة (٩) : آية ٣٤]

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبارِ وَالرُّهْبانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٣٤)
إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبارِ وَالرُّهْبانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوالَ النَّاسِ دخلت اللام على يفعل ولا تدخل على فعل بمضارعة يفعل الأسماء وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ رفع بالابتداء ويجوز أن يكون معطوفا على ما في يأكلون أي ويأكلها الذين يكنزون الذهب والفضة. وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ ولم يقل ينفقونهما ففيه أربعة أقوال يكون التقدير ولا ينفقون الكنوز، ويكون ولا ينفقون الأموال، ويكون ولا ينفقون الفضة وحذف من الأول لدلالة الثاني عليه وأنشد سيبويه: [المنسرح] ١٨٥-
نحن بما عندنا وأنت بما عندكراض والرّأي مختلف «٣»
(١) انظر معاني الفراء ١/ ٤٣٣.
(٢) الشاهد للمتلمس في ديوانه ص ٣٠، والأصمعيات ص ٣٤٥، وخزانة الأدب ١٠/ ٥٨، والمقاصد النحوية ٤/ ٥٦٨، والمقتضب ٢/ ٩٣، وبلا نسبة في الخصائص ٢/ ١٨٢، وسرّ صناعة الإعراب ١/ ١١٥، وشرح الأشموني ٣/ ٨١٦، وشرح المفصّل ٩/ ١٣٣، والمنصف ١/ ٥٨.
(٣) الشاهد لقيس بن الخطيم في ملحق ديوانه ٢٣٩، والكتاب ١/ ١٢٣، وتخليص الشواهد ص ٢٠٥، والدرر ٥/ ٣١٤، والمقاصد النحوية ١/ ٥٥٧، ولعمرو بن امرئ القيس الخزرجي في الدرر ١/ ١٤٧، وشرح أبيات سيبويه ١/ ٢٧٩، وبلا نسبة في شرح الأشموني ١/ ٤٥٣، والصاحبي في فقه اللغة ٢١٨، ومغني اللبيب ٢/ ٦٢٢، وهمع الهوامع ٢/ ١٠٩.
الإعراب الكامل من جميع الكتب مع تحليل الكلمات ←

سبب نزول الآية ٣٤ من سورة التوبة

من كتاب: أسباب نزول القرآن - الواحدي

قوله تعالى: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّ كَثِيراً مِّنَ ٱلأَحْبَارِ وَٱلرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ ٱلنَّاسِ بِٱلْبَاطِلِ﴾. [٣٤].
نزلت في العلماء والقراء من أهل الكتاب، كانوا يأخذون الرّشا من سِفْلتهم، وهي: المآكل التي كانوا يصيبونها من عوامهم.
قوله تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ...﴾ الآية. [٣٤] أخبرنا أبو إسحاق المقري، قال: أخبرنا عبد الله بن حامد، قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن إبراهيم، قال: حدَّثنا محمد بن نصير، قال: حدَّثنا عمرو بن زُرَارَة، قال: حدَّثنا هشيم، قال: حدَّثنا حصين، عن زيد بن وَهْب، قال:
مررت بالرَّبَذَةِ فإذا أنا بأبي ذَرّ، فقلت له: ما أنزلك منزلك هذا؟ قال: كنت بالشام فاختلفت أنا ومعاوية في هذه الآية: ﴿وَٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ فقال معاوية: نزلت في أهل الكتاب، فقلت: نزلت فينا وفيهم؛ وكان بيني وبينه كلام في ذلك، وكتب إلى عثمان يشكوني فكتب إليَّ عثمان: أن أقدم المدينة. فقدمتها فكثر الناس عليَّ حتى كأنهم لو يروني قبل ذلك، فذكرتُ ذلك لعثمان، فقال: إن شئت تَنَحَّيْتَ وكنتَ قريباً؛ فذلك الذي أنزلني هذا المنزل، ولو أَمَّرُوا عَلَيَّ حَبِشِيَّاً لسمعت وأطعت..
رواه البخاري عن قُتَيْبةَ، عن جَرير، عن حُصَين.
ورواه أيضاً عن علي، عن هُشَيم.
والمفسرون أيضاً مختلفون: فعند بعضه: أنها في أهل الكتاب خاصة.
وقال السدي: هي في أهل القبلة.
وقال الضحاك: هي عامة في أهل الكتاب والمسلمين.
قال عطاء بن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلْفِضَّةَ﴾ قال: يريد من المؤمنين.
أخبرنا أبو الحسن أحمد بن إبراهيم النجار، قال: حدَّثنا سليمان بن أيوب الطَّبَرَانِي، قال: حدَّثنا محمد بن داود بن صدقة، قال: حدَّثنا عبد الله بن مُعافى، قال: حدَّثنا شَرِيك، عن محمد بن عبد الله المُرادِي، عن عمرو بن مُرَّة، عن سالم بن أبي الجَعْد، عن ثَوْبان، قال:
لما نزلت: ﴿وَٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلْفِضَّةَ﴾ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تباً للذهب والفضة، قالوا: يا رسول الله فأي المال نكنز؟ قال: قلباً شاكراً، ولساناً ذاكراً، وزوجة صالحةً.

القراءات في الآية ٣٤ من سورة التوبة

اختلاف القراء العشرة في كلمات الآية

الأَحْبَارِ

بالتحقيق والإمالة

الدوري عن الكسائي الدوري عن أبي عمرو السوسي عن أبي عمرو

بالتحقيق والفتح

ابن ذكوان عن ابن عامر ابن وردان عن أبي جعفر أبو الحارث عن الكسائي خلاد عن حمزة ابن جمّاز عن أبي جعفر حفص عن عاصم رويس عن يعقوب شعبة عن عاصم روح عن يعقوب هشام عن ابن عامر إسحاق عن خلف قنبل عن ابن كثير البزي عن ابن كثير إدريس عن خلف قالون عن نافع

بالسكت والفتح

خلف عن حمزة خلاد عن حمزة

بالنقل والتقليل

ورش عن نافع

النَّاسِ

بالإمالة

الدوري عن أبي عمرو

بالفتح

روح عن يعقوب إدريس عن خلف رويس عن يعقوب ابن جمّاز عن أبي جعفر إسحاق عن خلف ابن وردان عن أبي جعفر الدوري عن الكسائي أبو الحارث عن الكسائي خلاد عن حمزة خلف عن حمزة حفص عن عاصم شعبة عن عاصم ابن ذكوان عن ابن عامر هشام عن ابن عامر السوسي عن أبي عمرو قنبل عن ابن كثير البزي عن ابن كثير ورش عن نافع قالون عن نافع
صفحة القراءات الكاملة لهذه الآية ←

الموضوعات القرآنية للآية ٣٤ من سورة التوبة

٢٥ موضوعًا تتناولها هذه الآية

أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور

٥٤ قولًا من موسوعة التفسير بالمأثور

تفسير

١٢ قولًا
١
عن مقاتل بن حيان -من طريق بُكَيْر بن معروف- قوله: ﴿ولا ينفقونها في سبيل الله﴾، يعني: الزكاة المفروضة، والنفقة في سبيل الله، وفي طاعته١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٦‏/‏١٧٨٩.
٢
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ولا ينفقونها﴾ يعني: الكنوز ﴿في سبيل الله﴾ يعني: في طاعة الله؛ ﴿فبشرهم بعذاب أليم﴾ يعني: وجيع في الآخرة١٢
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٢‏/‏١٦٩.
تعليقات المحققين
  1. ٢ذكر ابنُ عطية (٤/٣٠٢) أنّ الضمير في قوله: ﴿يُنْفِقُونَها﴾ يجوز أن يعود على الأموال والكنوز التي يتضمنها المعنى، ويجوز أن يعود على الذهب والفضة إذ هما أنواع. ثم نقل أنّه قيل بعوده على الفضة، واكتُفِي بضمير واحد عن ضمير الآخر إذ أفهمه المعنى، وعلَّق عليه بقوله: ""وهذا نحو قول الشاعر:نحن بما عندنا وأنت بما عندك... راض والرأي مختلف"".
٣
عن الفضيل بن عياض -من طريق عبد الصمد بن يزيد- أنّه تلا هذه الآية: ﴿إن كثيرا من الأحبار والرهبان﴾، فقال: تفسير الأحبار: العلماء. وتفسير الرهبان: العُبّاد١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٦‏/‏١٧٨٧.
٤
عن سعيد بن جبير -من طريق عطاء بن دينار- ﴿بالباطل﴾، يعني: بالظُّلم١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٦‏/‏١٧٨٧.
٥
عن الضحاك بن مُزاحِم -من طريق جُوَيْبِر- في قوله: ﴿ليأكلون أموال الناس بالباطل﴾: والباطلُ كُتُبٌ كتَبُوها، لم يُنزِلْها اللهُ تعالى، فأكَلوا بها الناس، وذلك قول الله تعالى: ﴿للذين يكتبون الكتاب بأيديهم﴾ [البقرة:٧٩]، ﴿يقولون هو من عند الله وما هو من عند الله﴾ [آل عمران:٧٨]١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٦‏/‏١٧٨٧. وعزاه السيوطي إلى أبي الشيخ.
٦
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ليأكلون أموال الناس بالباطل﴾، يعني: أهل ملتهم، وذلك أنّهم كانت لهم مأكلة كُلَّ عام من سَفِلَتهم من الطعام والثمار على تكذيبهم بمحمد ﷺ، ولو أنّهم آمنوا بمحمد ﷺ لَذَهَبَتْ تلك المأكلة١٢
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٢‏/‏١٦٨.
تعليقات المحققين
  1. ٢ذكر ابنُ عطية (٤/٣٠٠) صُوَرًا في أكلهم لأموال الناس بالباطل، ثم علَّق بقوله: «وقوله تعالى:﴿بالباطل﴾ يعم كل ذلك».
٧
عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط- في الآية، قال: وأمّا سبيل الله: فمحمد ﷺ١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١١‏/‏٤٢٤، وابن أبي حاتم ٦‏/‏١٧٨٧. وعزاه السيوطي إلى أبي الشيخ.
٨
عن ابن عون [المزني] -من طريق علي بن بكار- في قول الله: ﴿ويصدون عن سبيل الله﴾، قال: هم الذين يُثَبِّطون عن الجهاد في سبيل الله١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٦‏/‏١٧٨٧.
٩
قال مقاتل بن سليمان: ثُمَّ قال: ﴿ويصدون عن سبيل الله﴾، يقول: يمنعون أهلَ دينهم عن دين الإسلام١٢
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٢‏/‏١٦٨.
تعليقات المحققين
  1. ٢قال ابنُ عطية (٤/٣٠٠): «﴿سبيل الله﴾: الإسلام، وشريعة محمد ﷺ. ويحتمل أن يريد: ويصدون عن سبيل الله في أكلهم الأموال بالباطل. والأول أرجح». ولم يذكر مستندًا.
١٠
عن الضحاك بن مزاحم، في قوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار﴾ يعني: علماء اليهود، ﴿والرهبان﴾: علماء النصارى١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى أبي الشيخ.
١١
عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط- في الآية، قال: أمّا الأحبار فمِن اليهود، وأمّا الرُّهبان فمِن النصارى١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١١‏/‏٤٢٤، وابن أبي حاتم ٦‏/‏١٧٨٧. وعزاه السيوطي إلى أبي الشيخ.
تعليقات المحققين
  1. ٢علَّقَ ابنُ كثير (٧/١٨٣) على قول السديِّ بقوله: «وهو كما قال، فإنّ الأحبار هم علماء اليهود، كما قال تعالى: ﴿لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم السحت﴾ [المائدة:٦٣]، والرهبان: عباد النصارى، والقسيسون: علماؤهم، كما قال تعالى: ﴿ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون﴾ [المائدة:٨٢]».
١٢
قال مقاتل بن سليمان: ﴿يا أيها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار﴾ يعني: اليهود، ﴿والرهبان﴾ يعني: مجتهدي النصارى١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٢‏/‏١٦٨.

النسخ في الآية

قولانِ
١
عن عِراك بن مالك، وعمر بن عبد العزيز -من طريق راشد بن مسلم- أنّهما قالا في قول الله: ﴿والذين يكنزون الذهب والفضة﴾، قالا: نسَخَتْها الآيةُ الأخرى: ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها﴾ [التوبة: ١٠٣]١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٦/ ١٧٨٩. وعزاه السيوطي إلى أبي الشيخ.
٢
قال يحيى بن سلّام: وسمعتُهم يقولون: نَسَخَتِ الزكاةُ كُلَّ صدقةٍ كانت قبلها١
التخريج
  1. ١تفسير ابن أبي زمنين ٢‏/‏٢٠٣.

آثار متعلقة بالآية

١٥ قولًا
١
عن أبي هريرة، عن النبيِّ ﷺ أنّه قال: «الدِّينارُ كَنزٌ، والدِّرهمُ كنزٌ، والقِيراطُ كنزٌ»١
التخريج
  1. ١أخرجه الطحاوي في مشكل الآثار ٣‏/‏٣٠٥-٣٠٧ (١٢٧٢) مطولًا، من طريق ابن لهيعة، عن ابن هبيرة، عن أبي تميم الجيشاني، عن أبي هريرة به. وعزاه السيوطي إلى ابن مردويه. قال ابن أبي حاتم في العلل ٢‏/‏٦١٢-٦١٣ (٦٣٧): «قال أبي: هذا حديث مُنكَر». وقال المناوي في التيسير ٢‏/‏١٦ على رواية ابن مردويه: «إسناد ضعيف». وأورده الألباني في الصحيحة ٢‏/‏٣٤٣ (٧٢١).
٢
عن ثوبان، عن النبيِّ ﷺ قال: «مَن مات وهو بَريءٌ من ثلاثٍ -مِن الغلول، والكنز، والدَّين- دخَل الجنة١
التخريج
  1. ١أخرجه أحمد ٣٧‏/‏٥٣ (٢٢٣٦٩)، ٣٧‏/‏١٠٤-١٠٥ (٢٢٤٢٧-٢٢٤٢٨)، وابن ماجه ٣‏/‏٤٨٨ (٢٤١٢)، والترمذي ٣‏/‏٤٠١ (١٦٧٣) واللفظ له، وابن حبان ١‏/‏٤٢٧ (١٩٨)، والحاكم ٢‏/‏٣١ (٢٢١٧-٢٢١٨)، من طريق قتادة، عن سالم، عن معدان، عن ثوبان به. قال الترمذي: «هكذا قال سعيد: الكنز. وقال أبو عوانة في حديثه: الكبر. ولم يذكر فيه: عن معدان، ورواية سعيد أصح». وقال الحاكم في الموضع الأول: «تابعه أبو عوانة عن قتادة في إقامة هذا الإسناد». وعقبه الذهبي في التلخيص بقوله: «تابعه أبو عوانة على شرط البخاري ومسلم». وقال الحاكم في الموضع الثاني: «هذا حديث صحيح، على شرط الشيخين، ولم يخرجاه». قال المنذري في الترغيب ٣‏/‏٣٥١ معلقًا على رواية (الكنز): «وقد ضبطه بعض الحفاظ: الكنز، بالنون والزاي، وليس بمشهور». وأورده الألباني في الصحيحة ٦‏/‏٦٦٤ (٢٧٨٥).
٣
عن أبي سعيد الخدري، عن بلال، قال: قال رسول الله ﷺ: «يا بلالُ، القَ الله فقيرًا، ولا تَلْقَه غنيًّا». قلتُ: وكيف لي بذلك؟ قال: «إذا رُزِقتَ فلا تَخْبَأْ١، وإذا سُئِلتَ فلا تَمْنَعْ». قلتُ: وكيف لي بذاك؟ قال: «هُو ذاكَ، وإلّا فالنار»٢
التخريج
  1. ١خَبَأَ الشيء يَخْبَؤُه خَبْأً: ستره. لسان العرب (خبأ).
  2. ٢أخرجه الحاكم ٤‏/‏٣٥٢ (٧٨٨٧)، من طريق أبي فروة يزيد بن محمد الرهاوي، عن أبيه، عن عطاء بن أبي رباح، عن أبي سعيد الخدري، عن بلال به. قال الحاكم: «هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه». وقال الذهبي في التلخيص: «واهٍ». وقال ابن كثير في تفسيره ٤‏/‏١٤٣: «إسناده ضعيف». وقال العراقي في تخريج الإحياء ص١٥٤٥: «ضعيف». وقال الألباني في الضعيفة ١٤‏/‏٥٣٧ (٦٧٤٢): «ضعيف».
٤
عن عليٍّ، قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ الله فرَض على أغنياءِ المسلمين في أموالِهم بقَدْرِ الذي يسَعُ فقراءَهم، ولن يُجْهَدَ الفقراءُ إذا جاعوا وعرُوا إلا بما يمنَعُ أغنياؤهم، ألا وإنّ اللهَ يُحاسِبُهم حسابًا شديدًا، أو يُعَذِّبُهم عذابًا أليمًا»١
التخريج
  1. ١أخرجه الطبراني في الأوسط ٤‏/‏٤٨-٤٩ (٣٥٧٩)، من طريق ثابت بن محمد، عن عبد الرحمن بن محمد المحاربي، عن حرب بن سريج، عن أبي جعفر محمد بن علي، عن محمد ابن الحنفية، عن علي به. قال الطبراني في الصغير ١‏/‏٢٧٥ (٤٥٣): «لم يروِه عن أبي جعفر إلا حرب بن سريج، ولا عنه إلا المحاربي، تفرد به ثابت بن محمد، وقد روي عن علي عليه السلام مِن وجوه غير مُسْنَدة». وقال المنذري في الترغيب ١‏/‏٣٠٦ (١١٣٠): «ثابت ثقة صدوق، روى عنه البخاري وغيره، وبقية رواته لا بأس بهم، ورُوِي موقوفًا على علي رضي الله عنه، وهو أشبه». وقال الهيثمي في المجمع ٣‏/‏٦٢ (٤٣٢٤): «ثابت من رجال الصحيح، وبقية رجاله وُثِّقوا، وفيهم كلام». وأخرجه أبو بكر الشافعي في الغَيلانيّاتِ ١‏/‏٩٤-٩٥ (٤٨)، من طريق أبي إسماعيل حفص بن عمر، عن عبيد الله، عن محمد بن علي، عن أبيه، عن عمه محمد ابن الحنفية، عن علي بن أبي طالب به. قال ابن الجوزي في العلل المتناهية ٢‏/‏١ (٨١٣): «هذا حديث لا يَصِحُّ عن رسول الله ﷺ».
٥
عن أبي أُمامة، قال: تُوُفِّي رجلٌ مِن أهل الصُّفَّة، فوُجِد في إزاره دينار، فقال النبيُّ ﷺ: «كَيَّةٌ». ثم تُوُفِّي آخرُ، فوُجِد في إزاره ديناران، فقال النبي ﷺ: «كَيَّتان»١٢
التخريج
  1. ١أخرجه أحمد ٣٦‏/‏٥١١ (٢٢١٧٦)، وعبد الرزاق في تفسيره ٢‏/‏١٤٥ (١٠٧٨)، وابن جرير ١١‏/‏٤٢٩-٤٣٠، من طريق قتادة، عن شهر بن حوشب، عن أبي أمامة به. قال المنذري في الترغيب ٢‏/‏٣١ (١٣٧٩): «رواه أحمد والطبراني من طرق، ورواة بعضها ثقات أثبات غير شهر بن حوشب». وقال الهيثمي في المجمع ١٠‏/‏٢٤٠ (١٧٧٧٠): «رواه كله أحمد بأسانيد، ورجال بعضها رجال الصحيح غير شهر بن حوشب، وقد وُثِّق». وقال البوصيري في إتحاف الخيرة ٢‏/‏٤٧٢ (١٩١٠): «سند صحيح».
تعليقات المحققين
  1. ٢علَّقَ ابنُ عطية (٤/٣٠٤) على حديث أبي أُمامة بقوله: «وهذا إمّا لأنّهما كانا يعيشان مِن الصدقات وعندهما التِّبْر، وإمّا لأنّ هذا كان في صدر الإسلام، ثم قرَّر الشرعُ ضبطَ المال، وأداءَ حقِّه. ولو كان ضبطُ المال ممنوعًا لكان حقُّه أن يُخْرَج كلُّه، لا زكاتُه فقط، وليس في الأمة مَن يُلْزِم هذا».
٦
عن الحسن البصري، قال: قال نبيُّ الله ﷺ: «مَن أدّى زكاةَ مالِه أدّى الحقَّ الذي عليه، ومَن زاد فهو خيرٌ له»١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي شيبة ٢‏/‏٣٥٤ (٩٨٤١)، وأبو داود في المراسيل ص١٤١ (١٣٠). قال المنذري في الترغيب ١‏/‏٣٠١ (١١١٢): «رواه أبو داود في المراسيل، ورواه الطبراني والبيهقي وغيرهما عن جماعة من الصحابة مرفوعًا متصلًا، والمرسل أشبه». وقال المناوي في التيسير ٢‏/‏٣٩٢: «رواه البيهقي عن الحسن مرسلًا، وهو البصري، وإسناده حسن». وقال الألباني في الضعيفة ٤‏/‏٦٩ (١٥٦٨): «ضعيف جدًّا».
٧
عن سعيد بن أبي سعيد: أنّ رجلًا باع دارًا على عهدِ عمر، فقال له عمر: أحْرِزْ ثَمنَها؛ احفِرْ تحتَ فراشِ امرأتِك. فقال: يا أميرَ المؤمنين، أوَليس بكَنزٍ؟ قال: ليس بكنزٍ ما أُدِّي زكاتُه١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي شيبة ٣‏/‏١٩٠. وعزاه السيوطي إلى أبي الشيخ.
٨
عن أبي بكر بن المُنكَدِر، قال: بعَث حبيبُ بن مَسلمةَ إلى أبي ذرٍّ -وهو أميرُ الشام- بثلاثِمائة دينار، وقال: استعِنْ بها على حاجتِك. فقال أبو ذر: ارجِعْ بها إليه، أما وجَد أحدًا أغرَّ بالله مِنّا؟! ما لَنا إلا الظِّلُّ نتوارى به، وثلاثةٌ مِن غنَمٍ تروحُ علينا، ومولاةٌ لنا تصَّدَّقت علينا بخدمتِها، ثم إنِّي لأنا أتخوَّفُ الفَضْل١
التخريج
  1. ١أخرجه أحمد في الزهد ص١٤٧.
٩
عن أبي ذرٍّ -من طريق التَّيْمِيِّ- قال: ذو الدِّرهمين أشدُّ حَبْسًا مِن ذي الدِّرهم١
التخريج
  1. ١أخرجه أحمد في الزهد ص١٤٧.
١٠
عن أبي ذرٍّ، قال: إنّ خليلي عهِدَ إليَّ: أنّ أيَّ مال -ذهبٍ أو فضةٍ- أُوكِيَ١ عليه فهو جَمْرٌ على صاحبِه، حتى يُفرِغَه في سبيل الله، وكان إذا أخَذ عطاءَه دعا خادمَه، فسأله عمّا يكفيه لسنةٍ، فاشتراه، ثم اشترى فلوسًا بما بَقِي٢
التخريج
  1. ١الوِكاء: الخيط الذي تُشَدُّ به الصُّرَّة والكيس، وغيرهما. النهاية (وكا).
  2. ٢أخرجه أحمد ٣٥‏/‏٣٠٧- ٣٠٨ (٢١٣٨٤)، ٣٥‏/‏٤٢٠ (٢١٥٢٨)، والبزار ٩‏/‏٣٥٩ (٣٩٢٦). قال الهيثمي في المجمع ١٠‏/‏٢٤٠ (١٧٧٦٢): «رجاله رجال الصحيح». وقال البوصيري في إتحاف الخيرة ٧‏/‏٤٣٦ (٧٢٧٠): «سند صحيح».
١١
عن الأحنف بن قيس، قال: جاء أبو ذرٍّ، فقال: بشِّر الكانزين بِكَيٍّ مِن قِبَلِ ظهورِهم، يخرُجُ مِن جنوبِهم، وكيٍّ مِن جباهِهم يخرُجُ مِن أقفائِهم. فقلتُ: ماذا؟ قال: ما قلتُ إلا ما سمعتُ مِن نبيِّهم ﷺ١
التخريج
  1. ١أخرجه البخاري ٢‏/‏١٠٧ (١٤٠٧)، ومسلم ٢‏/‏٦٩٠ (٩٩٢) واللفظ له.
١٢
عن الأحنف بن قيس، قال: جلستُ إلى مَلَأٍ من قريش، فجاءَ رجلٌ خشِنُ الشَّعَرِ والثيابِ والهيئة، حتى قامَ عليهم، فسلَّم، ثم قال: بشِّرِ الكانزين برَضْفٍ١ يُحمى عليه في نارِ جهنم، ثم يوضعُ على حَلَمَةِ ثَدْيِ أحدِهم، حتى يخرُجَ من نُغْضِ٢ كَتِفِه، ويوضعُ على نُغْضِ كَتِفِه، حتى يخرُجَ من حلمةِ ثَديه، فيتَدَلْدَلُ٣. ثُمَّ ولّى، فجلس إلى سارِيَة، وتبِعتُه، وجلَستُ إليه، وأنا لا أدرِي مَن هو، فقلتُ: لا أرى القومَ إلا قد كرِهوا الذي قلتَ. قال: إنّهم لا يعقِلون شيئًا، قال لي خليلي. قلتُ: مَن خليلُك؟ قال: النبيُّ ﷺ: «أتُبْصِرُ أُحُدًا؟». قلتُ: نعم. قال: «ما أُحِبُّ أن يكونَ لي مثلُ أُحُدٍ ذهبًا، أُنفِقُه كلَّه إلا ثلاثةَ دنانير». وإنّ هؤلاء لا يعقِلون، إنّما يجمَعون للدنيا، واللهِ، لا أسألُهم دُنْيا، ولا أستفتِيهم عن دينٍ حتى ألقى الله٤
التخريج
  1. ١الرضف: الحجارة المحماة على النار. النهاية (رضف).
  2. ٢النُّغض والنَّغض: أعلى الكتف. وقيل: العظم الرقيق الذي على طرفه. النهاية (نغض).
  3. ٣يقال: يتدلدل في مشيه إذا اضطرب. النهاية (دلدل).
  4. ٤أخرجه البخاري ٢‏/‏١٠٧ (١٤٠٧-١٤٠٨) واللفظ له، ومسلم ٢‏/‏٦٨٩ (٩٩٢).
١٣
عن شدّاد بن أوس، قال: كان أبو ذرٍّ يَسمعُ مِن رسول الله ﷺ الأمرَ فيه الشِّدَّة، ثم يخرُج إلى باديتِه، ثم يُرَخِّصُ فيه رسولُ الله ﷺ بعدَ ذلك، فيُحفَظُ مِن رسول الله ﷺ في ذلك الأمرِ الرُّخْصَةَ، فلا يسمَعُها أبو ذرٍّ، فيأخُذُ أبو ذَرٍّ بالأمرِ الأوَّلِ الذي سمِعَ قبلَ ذلك١٢
التخريج
  1. ١أخرجه أحمد ٢٨‏/‏٣٦٠، ٣٦١ (١٧١٣٧)، والطبراني (٧١٦٦) واللفظ له. وقال محققو المسند: حديث حسن.
تعليقات المحققين
  1. ٢قال ابن كثير(٧/١٩٠):«في الصحيح أن رسول الله ﷺ قال لأبي ذر: «ما يسرني أن عندي مثل أُحد ذهبًا يمر عليه ثالثة وعندي منه شيء، إلا دينار أرصده لدين». فهذا -والله أعلم- هو الذي حدا أبا ذر على القول بهذا».
١٤
عن ملحان بن ثروان، قال: سمعتُ عمّار بن ياسر يقول: إنّ أهل المائدة سألوا المائدة، ثُمَّ نزلت، فكفروا بها. وإنّ قوم صالح سألوا الناقة، فلما أُعطوها كفروا بها. وإنّكم قد نُهيتم عن كنز الذهب والفضة، فسَتَكْنِزُونها. فقال رجلٌ: نكنِزُها وقد سمعنا قولَه؟! قال: نعم، ويقتُل عليه بعضُكم بعضًا١
التخريج
  1. ١تفسير الثعلبي ٥‏/‏٣٨.
١٥
عن الفضيل بن عياض، قال: اتَّبِعوا عالِمَ الآخرة، واحذرُوا عالِمَ الدنيا، لا يَضُرُّكم بسَكَرِه١. ثم تلا هذه الآية: ﴿إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله﴾٢
التخريج
  1. ١أي: بغفلته. تاج العروس (سكر).
  2. ٢عزاه السيوطي إلى أبي الشيخ.

تفسير الآية

٢٠ قولًا
١
عن علي بن أبي طالب -من طريق جَعْدَةَ بنِ هُبَيرةَ- قال: أربعةُ آلافٍ فما دونَها نفقة، وما فوقَها كَنزٌ١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١١‏/‏٤٢٧، وابن أبي حاتم ٦‏/‏١٧٨٨. وعزاه السيوطي إلى أبي الشيخ.
تعليقات المحققين
  1. ٢علَّقَ ابنُ كثير (٧/١٨٥) على أثر عليّ رضي الله عنه بقوله: «هذا غريب».
٢
عن أبي هريرة -من طريق أبي الضَّيْف- قال: مَن ترك عشرة آلافِ درهمٍ جُعِلت صَفائِحُ يُعَذَّبُ بها صاحِبُها يوم القيامة قبل القضاء١
التخريج
  1. ١تفسير الثعلبي ٥‏/‏٣٨.
٣
عن جابر بن عبد الله، قال: إذا أخْرَجْتَ صدقةَ كنزِك فقد أذهَبتَ شرَّه، وليس بكنزٍ١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى ابن أبي شيبة، وابن المنذر.
٤
عن عبد الله بن عباس -من طريق عكرمة- قال: ما أُدِّي زكاتُه فليس بكنزٍ١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي شيبة ٣‏/‏١٩٠. وعلقه ابن أبي حاتم ٦‏/‏١٧٨٨. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر، وأبي الشيخ.
٥
عن عبد الله بن عباس -من طريق عَلِيٍّ- في قوله: ﴿والذين يكنزون الذهب والفضة﴾ الآية، قال: هم الذين لا يُؤَدُّون زكاةَ أموالِهم، وكلُّ مالٍ لا تُؤَدّى زكاتُه، كان على ظهرِ الأرض أو في بطنِها؛ فهو كَنزٌ، وكلُّ مالٍ أُدِّي زكاتُه فليس بكَنز، كان على ظهر الأرض أو في بطنها١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١١‏/‏٤٣٢. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر.
٦
عن عبد الله بن عباس -من طريق العوفي- ﴿والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم﴾، يقول: هم أهل الكتاب. وقال: هي خاصَّة وعامَّة١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١١‏/‏٤٣٢. وعزاه السيوطي إلى ابن مردويه.
تعليقات المحققين
  1. ٢ذَهَبَ ابنُ جرير (١١/٤٣٢) إلى ما ذهب إليه ابن عباس، وقال: «يعني بقوله:»هي خاصة وعامة«: هي خاصَّة في المسلمين فيمن لم يؤدِّ زكاة ماله منهم، وعامة في أهل الكتاب؛ لأنهم كفار لا تقبل منهم نفقاتهم إن أنفقوا». واستدلَّ على صحة ما قال في تأويل قول ابن عباس هذا بأثر ابن عباس السابق عليه، وأثرِ ابن زيد، ولغة العرب، ودلالة العقل. وقال: «وإنما قلنا: ذلك على الخصوص؛ لأنّ الكنز في كلام العرب: كل شيء مجموع بعضُه على بعضٍ، في بطن الأرض كان أو على ظهرها. وإذا كان ذلك معنى الكنز عندهم، وكان قوله: ﴿والذين يكنزون الذهب والفضة﴾ معناه: والذين يجمعون الذهب والفضة بعضَها إلى بعض ولا ينفقونها في سبيل الله، وهو عامٌّ في التلاوة، ولم يكن في الآية بيانُ كم ذلك القدر من الذهب والفضّة الذي إذا جمع بعضه إلى بعض استحقَّ الوعيدَ؛ كان معلومًا أنّ خصوص ذلك إنما أُدْرِك لوقْفِ الرسول عليه، وذلك كما بيّنّا من أنّه المال الذي لم يُؤَدَّ حقُّ الله منه من الزكاة دون غيره، لِما قد أوضحنا من الدلالة على صِحَّته».
٧
عن عبد الله بن عمر، قال: ما أُدِّي زكاتُه فليس بكنزٍ، وإن كان تحتَ سبعِ أرَضين، وما لم تُؤدَّ زكاتُه فهو كَنزٌ، وإن كان ظاهرًا١
التخريج
  1. ١أخرجه مالك ١‏/‏٢٥٦، وابن أبي شيبة ٣‏/‏١٩٠ مختصرًا، وابن أبي حاتم ٦‏/‏١٧٨٨. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر، وأبي الشيخ.
٨
عن عبد الله بن عمر مرفوعًا، مثلَه١
التخريج
  1. ١أخرجه الطبراني في الأوسط ٨‏/‏١٦٣ (٨٢٧٩)، والبيهقي في الكبرى ٤‏/‏١٤٠ (٧٢٣٣)، من طريق سويد بن عبد العزيز، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر به. قال البيهقي: «ليس هذا بمحفوظ، وإنما المشهور عن سفيان، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر موقوفًا». وقال الهيثمي في المجمع ٣‏/‏٦٤ (٤٣٣٨): «فيه سويد بن عبد العزيز، وهو ضعيف». وقال الألباني في الضعيفة ١١‏/‏٢٩٧ (٥١٨٤): «منكر».
٩
عن خالد بن أسلم، قال: خرجنا مع عبد الله بن عمر، فقال أعرابيٌّ: أخبِرْني عن قول الله: ﴿والذين يكنزون الذهب والفضة، ولا ينفقونها في سبيل الله﴾. قال ابن عمر: مَن كَنَزَها فلم يُؤَدِّ زكاتها فويلٌ له، إنّما كان هذا قبلَ أن تنزلَ الزكاة، فلمّا أُنزلت جعَلها اللهُ طُهْرًا للأموال. ثم التفت، فقال: ما أُبالي لو كان عندي مِثْلُ أُحُدٍ ذهبًا؛ أعلمُ عددَه أُزَكِّيه، وأعملُ فيه بطاعةِ الله١
التخريج
  1. ١أخرجه أحمد في الزهد ص١٩٥، والبخاري (٤٦٦١) دون آخره، وابن ماجه (١٧٨٧)، والبيهقي في سننه ٤‏/‏٨٢. وعزاه السيوطي إلى ابن مردُويه.
١٠
عن الضحاك بن مزاحم، في قوله: ﴿والذين يكنزون الذهب والفضة﴾ الآية، قال: هذه عامَّةٌ في أهلِ الكتاب وفي المسلمين، مَن كسَب مالًا حلالًا فلم يُعْطِ حَقَّ الله منه كان كنزًا، وإن كان كثيرًا فأعطى حقَّ الله مِنه ودفَنه في الأرض لم يكنْ كَنزًا١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى أبي الشيخ.
١١
عن عكرمة مولى ابن عباس -من طريق الشَّيباني- قال: ما أدَّيْتَ زكاتَه فليس بكَنزٍ١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١١‏/‏٤٢٦.
١٢
عن جابر، قال: قلتُ لعامر [الشعبي]: مالٌ على رَفٍّ بين السماء والأرض لا تُؤَدّى زكاتُه، أكَنزٌ هو؟ قال: يُكْوى به يوم القيامة١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١١‏/‏٤٢٦.
١٣
عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط- في قوله: ﴿والذين يكنزون الذهب والفضة﴾، قال: هؤلاء أهلُ القبلة، والكنزُ ما لم تُؤَدَّ زكاتُه وإن كان على ظهر الأرض، وإن قلَّ، وإن كان كثيرًا قد أُدِّيَتْ زكاتُه فليس بكَنزٍ١. (٧/ ٣٣٢)
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١١/ ٤٢٦، وابن أبي حاتم ٦/ ١٧٨٩ أوله.
١٤
قال مقاتل بن سليمان: ﴿والذين يكنزون الذهب والفضة﴾، يعني بالكنْز: مَنع الزكاة١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٢‏/‏١٦٩.
١٥
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- قال: الكَنزُ ما كُنِزَ عن طاعةِ الله وفريضتِه، ذلك الكنزُ. وقال: افتُرِضَت الصلاةُ والزكاةُ جميعًا، لم يُفرَّقْ بينَهما١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١١‏/‏٤٣٣. وعزاه السيوطي إلى أبي الشيخ.
تعليقات المحققين
  1. ٢اختُلِف في معنى «الكنز» على ثلاثة أقوال: أولها: أنّه كلُّ مالٍ وجَبَت فيه الزكاة فلم تُؤَدَّ زكاته، سواء كان مدفونًا أو غير مدفون. وثانيها: أنّه كلُّ مالٍ زاد على أربعة آلاف درهم فهو كنز، أدّيت منه الزكاة أو لم تُؤَدَّ. وثالثها: أنّه كلُّ ما فضل من المالِ عن حاجة صاحبه إليه. ورجَّحَ ابنُ جرير (١١/٤٣٠ بتصرف) القولَ الأولَ، وهو قول ابن عمر، وعكرمة، والسديّ، وعامر الشعبيّ استنادًا إلى السّنّة، والدلالة العقلية، وعلَّلَ ذلك بقوله: «وذلك أنّ الله أوجب في خمس أواقٍ من الوَرِق على لسان رسوله رُبع عُشْرها، وفي عشرين مثقالًا من الذهب مثل ذلك رُبْع عشرها، فلو كان ما زادَ من المال على أربعة آلاف درهم، أو ما فضل عن حاجة ربِّه التي لا بد منها مما يستحق صاحبُه باقتنائه -إذا أدّى إلى أهل السُّهْمان حقوقهم منها من الصدقة- وعيدَ الله، لم يكن اللازمُ ربَّه فيه رُبْع عشره، بل كان اللازم له الخروج من جميعه إلى أهله، وصرفه فيما يجب عليه صرفه». ثم ذكر حديث أبي هريرة: أنّ رسول الله ﷺ قال: «ما من رجل لا يُؤَدِّي زكاةَ ماله إلا جُعل يوم القيامة صفائحَ من نار يُكْوى بها جبينه وجبهته وظهره...»«. ثم قال (١١/٤٣٢):»وفي نظائر ذلك من الأخبار التي كرهنا الإطالة بذكرها الدلالةُ الواضحة على أنّ الوعيد إنّما هو من الله على الأموال التي لم تُؤَدَّ الوظائفُ المفروضةُ فيها لأهلها من الصدقة، لا على اقتنائها واكتنازها. وفيما بيّنا من ذلك البيانُ الواضح على أن الآية لخاصٍّ، كما قال ابن عباس"". وعلَّقَ ابنُ عطية (٤/١٣٨ بتصرف) على القولين الثاني والثالث بقوله: «هذان القولان يقتضيان أنّ الذمَّ في حَبْسِ المال، لا في مَنعِ زكاته فقط. ولكن قال عمر بن عبد العزيز: هي منسوخة بقوله: ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾ فأتى فرض الزكاة على هذا كله. كأنّ مضمن الآية: لا تجمعوا مالًا فتُعَذَّبوا. فنسخه التقرير الذي في قوله: ﴿خذ من أموالهم﴾».
١٦
عن أُمِّ سلمة أنّها قالت: يا رسولَ الله، إنّ لي أوْضاحًا مِن ذهبٍ أو فضة، أفكَنزٌ هو؟ قال: «كلُّ شيءٍ تُؤَدّى زكاتُه فليس بكنز»١
التخريج
  1. ١أخرجه أبو داود ٣‏/‏١٤ (١٥٦٤)، والحاكم ١‏/‏٥٤٧ (١٤٣٨)، من طريق ثابت بن عجلان، عن عطاء، عن أم سلمة به. قال الحاكم: «هذا حديث صحيح، على شرط البخاري، ولم يخرجاه». وقال العيني في عمدة القاري ٨‏/‏٢٥٤: «إسناده جيد، ورجاله رجال البخاري». وقال القاري في مرقاة المفاتيح ٤‏/‏١٢٩٥ (١٨١٠): «قال ميرك: وإسناده جيد». وقال المناوي في التيسير ٢‏/‏٣٤٥: «إسناده جيِّد». وقال الألباني في الصحيحة ٢‏/‏١٠٠ (٥٥٩): «إسناد ضعيف».
١٧
عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ: «أيُّ مالٍ أدَّيْتَ زكاتَه فليس بكَنز»١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن عدي في الكامل في الضعفاء ٧‏/‏٢٦٤٧، ٢٦٥٢، من طريق يحيى بن أبي أنيسة، عن أبي الزبير، عن جابر به. وأخرجه أيضًا ٩‏/‏٩، ١٩، من طريق يحيى بن سعيد الجزري، عن أبي الزبير، عن جابر به. وأخرجه الخطيب في تاريخه ٨‏/‏١١-١٢ في ترجمة الحسين بن أحمد الذهبي (٤٠٤٨)، من طريق عبد العزيز بن عبد الرحمن البالسي، عن خصيف بن عبد الرحمن، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله به. قال الألباني في الضعيفة ١١‏/‏٢٩٩ بعد ذكره لرواية الخطيب: «هذا إسناد ضعيف جدًّا».
١٨
عن جابر بن عبد الله -من طريق أبي الزبير- موقوفًا١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي شيبة ٣‏/‏١٩٠.
١٩
عن أبي أُمامة -من طريق محمد بن زياد- قال: حِلْيَةُ السيوفِ مِن الكنوز، ما أُحَدِّثُكم إلا ما سمِعتُ١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٦‏/‏١٧٨٩، والطبراني (٧٥٣٨).
٢٠
عن مالك بن أوس بن الحَدَثان، قال: كنتُ في المسجد، فدخل أبو ذر المسجدَ، فصلّى ركعتين عند سارِيَةٍ، فقال له عثمان: كيف أنت؟ قال: بخير، كيف أنت؟ ثم ولّى واستفتح: ﴿ألهاكم التكاثر﴾، وكان رجلًا صلب الصوت، فرفع صوتَه، فارْتَجَّ المسجدُ، ثم أقبل على الناس، فقلتُ: يا أبا ذرٍّ -أو قال له الناس-: حدِّثنا حديثًا سمعتَه من رسول الله ﷺ. فقال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «في الإبل صَدَقَتُها، وفي الغنم صَدَقَتُها، -قال أبو عاصم: وأظنه قال: في البقر صدقتها-، وفي البَزِّ صَدَقَتُه، وفي الذهب والفِضَّة والتِّبْرِ صَدَقَتُه، ومَن جمع مالًا فلم يُنفقه في سبيل الله وفي الغارمين وابن السبيل كان كَيَّةً عليه يوم القيامة». قلتُ: يا أبا ذرٍّ، اتَّقِ اللهَ، وانظر ما تقول، فإنّ الناس قد كَثُرَتْ الأموال في أيديهم. قال: ابنَ أخي، انتَسِبْ لي. فانتَسَبْتُ له، فقال: قد عرفتُ نسبك الأكبر، أفتقرأُ القرآن؟ قلت: نعم. قال: فاقرأ: ﴿والذين يكنزون الذهب والفضة﴾ إلى آخر الآية. قال: فافْقَهْ إذًا١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي شيبة ٣‏/‏٢١٣ (١٠٨٠٣)، والبزار ٩‏/‏٣٤٠-٣٤١ (٣٨٩٥) واللفظ له، من طريق موسى بن عبيدة، عن عمران بن أبي أنس، عن مالك بن أوس بن الحدثان به. قال الهيثمي في المجمع ٣‏/‏٧٢ (٤٣٨٥): «فيه موسى بن عبيدة الربذي، وهو ضعيف». وقال البوصيري في إتحاف الخيرة ٣‏/‏١٠(٢٠٥٨): «سند ضعيف؛ لانقطاعه، وضعف بعض رواته». وقال الألباني في الضعيفة ٣‏/‏٣٢٣(١١٧٨): «ضعيف».

قراءات

قول واحد
١
عن عَلْباءَ بنِ أحمر: أنّ عثمان بن عفان لَمّا أراد أن يكتُبَ المصاحفَ أرادوا أن يُلقُوا الواوَ التي في براءة: ﴿والَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ﴾. قال لهم أُبَيٌّ: لَتُلْحِقُنَّها أو لَأَضَعَنَّ سيفِي على عاتِقِي. فألْحَقُوها١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى ابن الضريس. ﴿والَّذِينَ﴾ بالواو قراءة العشرة.

نزول الآية

٤ أقوال
١
عن ثوبانَ، قال: لَمّا نزَلت: ﴿والذين يكنزون الذهب والفضة﴾ كُنّا مع رسول الله ﷺ في بعضِ أسفاره، فقال بعضُ أصحابِه: لو علِمنا أيُّ المالِ خيرٌ فنتَّخذَه؟ فقال: «أفضلُه لِسانٌ ذاكرٌ، وقلبٌ شاكِرٌ، وزوجةٌ مؤمنةٌ تعينُه على إيمانه». وفي لفظ: «تعينُه على أمرِ الآخرة»١
التخريج
  1. ١أخرجه أحمد ٣٧‏/‏٧٥-٧٦ (٢٢٣٩٢)، والترمذي ٥‏/‏٣٢٦ (٣٣٥١)، وابن ماجه ٣‏/‏٦١ (١٨٥٦)، وابن جرير ١١‏/‏٤٣٠، من طريق سالم بن أبي الجعد، عن ثوبان به. قال الترمذي: «هذا حديث حسن». وقال الشوكاني في نيل الأوطار ٦‏/‏١٢٠: «رجاله ثقات، إلا أنّ فيه انقطاعًا». وأورده الألباني في السلسلة الصحيحة ٥‏/‏٢٠٨ (٢١٧٦).
٢
عن عبد الله بن عباس، قال: لَمّا نزَلت هذه الآية: ﴿والذين يكنزون الذهب والفضة﴾ كبُر ذلك على المسلمين، وقالوا: ما يستطيعُ أحدٌ مِنّا أن يتركَ لولدِه مالًا يبقى بعدَه. فقال عمر: أنا أُفَرِّجُ عنكم. فانطلَق عمرُ، واتَّبَعه ثوبان، فأتى النبيَّ ﷺ، فقال: يا نبيَّ الله، إنّه قد كبُر على أصحابِك هذه الآية. فقال: «إنّ الله لم يفرضِ الزكاة إلا لَيُطَيِّبَ بها ما بقِي من أموالِكم، وإنّما فرَض المواريثَ من أموالٍ تبقى بعدَكم». فكبَّر عمر، ثم قال له النبيُّ ﷺ: «ألا أخبِرُك بخيرِ ما يكنِزُ المرءُ؟! المرأةُ الصالحة؛ التي إذا نظَر إليها سرَّته، وإذا أمرَها أطاعَتْه، وإذا غاب عنها حفِظَتْه»١
التخريج
  1. ١أخرجه أبو داود ٣‏/‏٩٧ (١٦٦٤)، والحاكم ١‏/‏٥٦٧ (١٤٨٧)، من طريق يحيى بن يعلى المحاربي، عن أبيه، عن غيلان، عن جعفر بن إياس، عن مجاهد، عن ابن عباس به. وقال النووي في خلاصة الأحكام ٢‏/‏١٠٧٦: «إسناد صحيح». وقال القاري في مرقاة المفاتيح ٤‏/‏١٢٧٢: «إسناد صحيح». وأخرجه الحاكم ٢‏/‏٣٦٣ (٣٢٨١)، وابن أبي حاتم ٦‏/‏١٧٨٨ (١٠٠٨٠)، من طريق يحيى بن يعلى المحاربي، عن أبيه، عن غيلان، عن عثمان بن اليقظان، عن جعفر بن إياس، عن مجاهد، عن ابن عباس به. قال الحاكم: «هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه». وقال الذهبي في التلخيص: «عثمان لا أعرفه، والخبر عجيب». وقال الألباني في الضعيفة ٣‏/‏٤٨٤ (١٣١٩): «ضعيف».
٣
عن بُريدة، قال: لَمّا نزَلت: ﴿والذين يكنزون الذهب والفضة﴾ الآية؛ قال أصحابُ رسول الله ﷺ: نزَل اليومَ في الكنزِ ما نزَل. فقال أبو بكر: يا رسولَ الله، ماذا نكنِزُ اليومَ؟ قال: «لسانًا ذاكِرًا، وقلبًا شاكِرًا، وزوجةً صالحةً تُعِينُ أحدَكم على إيمانِه»١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن عساكر في فضيلة ذكر الله ص٢٨، وابن مردويه -كما في تخريج أحاديث الكشاف ٢‏/‏٧٠-٧١-، من طريق الحكم بن ظهير، عن علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه به. وعزاه السيوطي إلى الدارقطني في الأفراد. قال الزيلعي: «حديث ضعيف لما فيه من الاضطراب».
٤
عن زيد بن وهب، قال: مررت بالرَّبَذَة، فإذا أنا بأبي ذرٍّ، فقلت له: ما أنزلك منزِلك هذا؟ قال: كنتُ بالشام، فاختلفتُ أنا ومعاوية في: ﴿الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله﴾. قال معاوية: نزلت في أهل الكتاب. فقلتُ: نزلتْ فينا، وفيهم. فكان بيني وبينه في ذاك، وكتب إلى عثمان يشكوني، فكتب إلَيَّ عثمان: أن اقدم المدينة. فقدمتها، فكثر عَلَيَّ الناسُ، حتى كأنهم لم يروني قبل ذلك، فذكرت ذاك لعثمان، فقال لي: إن شئتَ تَنَحَّيْتَ فكُنتَ قريبًا. فذاك الذي أنزلني هذا المنزل، ولو أمَّروا عَلَيَّ حبشيًّا لَسَمِعْتُ وأطعتُ١
التخريج
  1. ١أخرجه البخاري ٢‏/‏١٠٧ (١٤٠٦) مُطَوَّلًا، وابن جرير ١١‏/‏٤٣٤-٤٣٥، وابن أبي حاتم ٦‏/‏١٧٨٩ (١٠٠٨٥). وأورده الثعلبي ٥‏/‏٤١.
التفسير بالمأثور لسورة التوبة كاملة ←

وقفات تدبرية في الآية ٣٤ من سورة التوبة

٩ وقفات في هذه الآية

  • (إن كثيرا من اﻷحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل) قال:(كثيرا) فبعض اﻷحبار والرهبان شرفاء عند (أموال الناس)

    — عقيل الشمري

  • "إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل " كثيرا .. وليس كلهم .. كن دقيقا في تعبيراتك حتى في حديثك عن أعدائك.

    — #إشراقات براءة

  • قال العلماء: أي مال مهما كثر تؤدى زكاته ليس بكنز.. وأي مال مهما صغر لا تدفع زكاته فهو كنز.. ﴿ والذين يكنزون الذهب والفضة﴾

    — نايف الفيصل

  • إن الأموال المستخفية في الخزائن المختبئ فيها حق المسكين والبائس، شر جسيم على صاحبها في الدنيا والآخرة (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ).

    — أبو حامدالغزالى

  • كيف يمنع أحد زكاته وهو يقرأ: (يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ) ولم يقل: تحمى في نار جهنم؛ ليدل ذلك على أنها مع حرارة نار جهنم تستعمل لها الآلات المحمية، فيضاعف حرها ويشتد عذابها.

    — تفسير السعدي

  • (والذين يكنزون الذهب والفضة.... فبشرهم بعذاب أليم) حِرص عليها في الدنيا وحرمان منها هو عذاب نفسي مؤلم ، وفي الآخرة عذاب أبدي أليم

    — من لطائف قرآنية

  • رسالة إنصاف (وإن كثيرا من الأحبار والرهبان ل يأكلون أموال الناس بالباطل ) كثيرا. وليس كلهم .. كن دقيقا في تغيراتك حتى في حديثك عن أعدائك

    — علي الفيفي

  • قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ. .) . أفردَ الضميرَ، مع تقدُّم اثنين " الذهب والفضة " نظراً إلى عوده إلى الفضة لقربها، ولأنها أكثرُ من الذَّهب. أو إلى عوده إلى المعنى، لأن المكنوز دراهمُ ودنانير، ونظيرُه قوله " وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا ".

    — كتاب فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن

  • برنامج نداءات الرحمن سورة التوبة أية 34

    — السيد البشبيشي

الناسخ والمنسوخ في الآية ٣٤ من سورة التوبة

من كتاب: الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه

﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّ كَثِيراً مِّنَ ٱلأَحْبَارِ وَٱلرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ ٱلنَّاسِ بِٱلْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾

قوله تعالى: ﴿والّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ﴾ الآية:
عمَّ الله في هذه الآية، فأمر (بإِنفاق الأموالِ) في سبيل الله، وتواعَد مَنْ كَنَزَها ولم يُنْفِقْها (في سبيل الله) (بعذابٍ أليم).
فَرُوِيَ عن عُمَرَ بن عبد العزيز وعراك بن مالك أنهما قالا: هي منسوخة بقوله - عزَّ وجَلَّ -: ﴿خُذْ مِن أمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣] - الآية - فلم يُوجِب إنفاق الأموال كُلِّها، وأمر أن يُؤْخَذَ منها صدقةٌ وهي الزكاة، فكُلُّ مال لا تؤدى زكاته فهو كَنْزٌ. قال عُمَر بنُ عبد العزيز وعراك بن مالك: مَن أَعطى صدقَته فليس مالُه بكنز. وروي عن ابن شهاب مثل قول عمر في الآية.
ومن الواجب حمل قوله: ﴿ولاَ يُنفِقُونَهَا﴾، على معنى: (ولا)ينفقونَ الواجبَ عليهم منها، قال: هي محكمةٌ مخصوصةٌ في الزكاة.
قوله تعالى: ﴿إلاّ تنفروا يُعَذِّبْكُم عَذَاباً ألِيماً﴾ [التوبة: ٣٩].
قال ابن عباس: نسخها ﴿ومَا كَانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافةً﴾ [التوبة: ١٢٢].
وقال الحسنُ وعِكرمة: وهذا على الأُصولِ لا يَحْسُنُ نسخُه؛ لأنه خبر فيه معنى الوعيد، والمعنى: إذا احتيجَ إليهِم نفروا كُلُّهُم، فالرواية عنهم بذلك لا تَصِحُّ. فهي محكمةٌ غيرُ منسوخةٍ، ومعناها: إلاَّ تنفروا إذا احتيج إليكم يُعَذِّبْكُم.

فتاوى متعلقة بالآية ٣٤ من سورة التوبة

فتوى واحدة تتعلق بهذه الآية

ترجمات معاني الآية ٣٤ من سورة التوبة

ترجمة معاني الآية إلى ٥٩ لغةً

(34) O you who have believed, indeed many of the scholars and the monks devour the wealth of people unjustly[469] and avert [them] from the way of Allāh. And those who hoard gold and silver and spend it not in the way of Allāh - give them tidings of a painful punishment.
[469]- i.e., through false pretense.
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال