محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي

عن الكتاب
ثم بين قوله تعالى حال الأحبار والرهبان في إغوائهم لأراذلهم، إثر بيان سوء حال الأتباع في اتخاذهم لهم أربابا يطيعونهم في الأوامر والنواهي، واتباعهم لهم فيما يأتون وما يذرون بقوله سبحانه :
٣٤ ﴿يأيها الذين ءامنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله. والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم﴾.
﴿يا أيها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل﴾ أي بالطريق المنكر من الرشا في الأحكام والتخفيف والمسامحة في الشرائع وغير ذلك. و( الأكل ) مجاز عن الأخذ بعلاقة العلية والمعلولية، لأنه الغرض الأعظم منه، وفيه من التقبيح لحالهم، وتنفير السامعين عنه ما لا يخفى، ﴿ويصدون عن سبيل الله﴾ أي عن دين الإسلام، وحكمه واتباع الدلائل، إلى ما يهوون أو عن المسلك المقرر في التوراة والإنجيل إلى ما افتروه وحرفوه.
ثم أشار إلى أن سبب ذلك هو إيثارهم حب المال وكنزه على أمر الله، وتناسيهم وعيده في الكنز بقوله سبحانه ﴿والذين يكنزون الذهب والفضة﴾ أي يحفظونهما حفظ المدفون في الأرض، ﴿ولا ينفقونها في سبيل الله﴾ أي الذي هو الزكاة ﴿فبشرهم بعذاب أليم﴾.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وفي هذه الآية فوائد :
الأولى : قال بعضهم في قوله تعالى :﴿ليأكلون﴾ دلالة على تحريم الرشا على الباطل، وقد ورد(١) " لعن الله الراشي والمرتشي "، وكذا تحريم أخذ العوض على فعل الواجب، وفي جواز الدفع ليتوصل إلى حقه خلاف، رجح الجواز ليتوصل إلى الحق. كالاستفداء قال الحاكم يدخل في تحريم الرشا الأحكام والشهادات والفتاوى وأصول الدين وفروعه، وكل من حرف شيئا لغرض الدنيا. انتهى.
الثانية- في الآية - كما قال ابن كثير - تحذير من علماء السوء وعباد الضلال، كما قال سفيان بن عيينة : من فسد من علمائنا كان فيه شبه من اليهود، ومن فسد من عبادنا كان فيه شبه من النصارى وفي الحديث الصحيح(٢) " لتركبن سَنَن من كان قبلكم حَذْوَ القذّة بالقدَّة قالوا : اليهود والنصارى ؟ قال : فمن ؟ " وفي رواية :" فارس والروم ؟ قال : ومَن الناس إلا هؤلاء ؟ " ثم أنشد لابن المبارك :
وهل أفسد الدين إلا الملوك، وأحبار سوء ورهبانها
الثالثة- قوله تعالى :﴿والذين﴾ مبتدأ والخبر ﴿يكنزون﴾ أو منصوب تقديره : بشر الذين يكنزون. والتعريف في الموصول للعهد، والمعهود إما الأحبار والرهبان، وإما المسلمون الكانزون، لجري ذكر الفريقين، وإما ما هو أعم. والأول روي عن معاوية، والثاني عن السدي والثالث عن ابن عباس وأبي ذر.
قال الزمخشري : يجوز أن يكون الموصول إشارة إلى الكثير من الأحبار والرهبان، للدلالة على اجتماع خصلتين مذمومتين فيهم : أخذ البراطيل، وكنز الأموال والضن بها عن الإنفاق في سبيل الله. ويجوز أن يراد المسلمون الكانزون غير المنفقين ويقرن بينهم وبين المرتشين من اليهود والنصارى تغليظا، ودلالة على أن من يأخذ منهم السحت، ومن لا يعطي منكم طيب ماله، سواء في استحقاق البشارة بالعذاب الأليم. انتهى.
قال في ( الأنوار ) : ويؤيد الثاني أنه لما نزل كبُر على المسلمين، فذكر عمر رضي الله عنه لرسول الله ﷺ فقال :" إن الله لم يفرض الزكاة إلا ليطيب بها ما بقي من أموالكم " - رواه(٣) أبو داود والحاكم وصححه – وقوله ﷺ، " ما أُدي زكاته فليس بكنز "، أخرجه الطبراني والبيهقي- / أي ليس بالكنز المتوعد عليه في الآية، فإن الوعيد على الكنز مع عدم الإنفاق فيما أمر الله أن ينفق به، وأما قوله ﷺ :" من ترك صفراء أو بيضاء كوي بها " ونحوه، فالمراد منها : ما لم يؤد حقها، لقوله عليه الصلاة والسلام فيما أورده الشيخان : البخاري في ( تاريخه )، ومسلم(٤) في ( صحيحه )، وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ :" ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره ". انتهى.
وقد اشتهرت محاورة معاوية لأبي ذر في هذه الآية.
روى البخاري(٥) عن زيد بن وهب قال :" مررت بالربذة، فإذا بأبي ذر، فقلت : ما أنزلك هذا المنزل ؟ قال : كنت في الشام، فاختلفت أنا ومعاوية في هذه الآية :﴿والذين يكنزون الذهب والفضة...﴾ فقال معاوية : نزلت في أهل الكتاب فقلت : نزلت فينا وفيهم، فكان بيني وبينه في ذلك كلام، فكتب إلى عثمان يشكوني فكتب إلي عثمان أن أقدم المدينة فقدمتها، فكثر علي الناس حتى كأنهم لم يروني قبل ذلك/ فذكرت ذلك لعثمان فقال : إن شئت تنحيت، فكنت قريبا. فذاك الذي أنزلني هذا المنزل، ولو أُمّر علي عبد حبشي لسمعت وأطعت ".
ولابن جرير(٦) وفي رواية ( بعد قول عثمان له : تنح قريبا ) قلت :" والله لن أدع ما كنت أقول ".
وروى أبو يعلى " أن أبا ذر كان يحدث ويقول : لا يبيتن عند أحدكم دينار ولا درهم، إلا ما ينفقه في سبيل الله، أو يعده لغريم. فكتب معاوية إلى عثمان، إن كان لك بالشام / حاجة، فابعث إلى أبي ذر فكتب إليه عثمان أن أقدم علي، فقدم ".
قال ابن كثير : كان من مذهب أبي ذر رضي الله عنه تحريم ادخار ما زاد على نفقة العيال، وكان يفتي بذلك، ويحثهم عليه، ويأمرهم به، ويغلظ في خلافه فنهاه معاوية فلم ينته، فخشي أن يضر بالناس في هذا، فكتب يشكوه إلى أمير المؤمنين عثمان، وأن يأخذه إليه، فاستقدمه عثمان إلى المدينة ثم أنزله بالربذة، وبها مات رضي الله عنه في خلافة عثمان، وقد اختبره معاوية رضي الله عنه وهو عنده، هل يوافق عمله قوله، فبعث إليه بألف دينار، ففقرها من يومه ثم بعث إليه الذي أتاه بها فقال :" إن معاوية إنما بعثني إلى غيرك فأخطأت فهات الذهب. فقال : ويحك إنها خرجت، ولكن إذا جاء مالي حاسبناك به ".
وقال(٧) الأحنف بن قيس :" قدمت المدينة فبينا أنا في حلقة فيها ملأ من قريش، إذ جاء رجل أخشن الثياب، أخشن الجسد، أخشن الوجه، فقام عليهم فقال : بشر الكانزين بِرَضف(٨) يحمى عليه في نار جهنم، ثم يوضع على حلمة ثدي أحدهم حتى يخرج من نُغضِ(٩) كتفه، ويوضع على نغض كتفه حتى يخرج من حلمة ثديه، يتزلزل. قال : فوضع القوم رؤوسهم فما رأيت أحدا منهم رجع إليه شيئا قال : وأدبر واتبعته حتى جلس إلى معاوية فقلت : ما رأيت هؤلاء إلا كرهوا ما قلت لهم، فقال : إن هؤلاء لا يعلمون شيئا، إنما يجمعون الدنيا " - رواه مسلم، وللبخاري نحوه.
وفي الصحيح(١٠) :" أن رسول الله ﷺ قال لأبي ذر : ما يسرني أن عندي مثل أحد ذهبا، يمر علي ثلاثة أيام وعندي منه شيء، إلا دينار أرصده لدين ".
قال ابن كثير : فهذا والله أعلم هو الذي حدا أبا ذر على القول بهذا.
أي وما أخرجه الشيخان(١١) أيضا عنه : قال :" انتهيت إلى النبي ﷺ وهو جالس في ظل الكعبة، فلما رآني قال : هم الأخسرون ورب الكعبة ! قال : فجئت حتى جلست، فلم أتقار حتى قمت فقلت : يا رسول الله فداك أبي وأمي، من هم ؟ قال : هم الأكثرون أموالا، إلا من قال هكذا وهكذا وهكذا، من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله، وقليل ما هم ".
وروى الإمام أحمد(١٢) عن عبد الله بن الصامت رضي الله عنه :" أنه كان مع أبي ذر فخرج عطاؤه ومعه جارية، فجعلت تقضي حوائجه، ففضلت معها سبعة، فأمرها أن تشتري به فلوسا، قال : قلت لو ادخرته لحاجة بيوتك، وللضيف ينزل بك، قال : إن خليلي عهد إلي أن أيما ذهب أو فضة أوكىء عليه، فهو جمر على صاحبه، حتى يفرغه في سبيل الله عز وجل أفراغا ".
قال ابن عبد البر : وردت عن أبي ذر آثار كثيرة، تدل على أنه كان يذهب إلى أن كل مال مجموع يفضل عن القوت، وسداد العيش، فهو كنز يذم فاعله، وأن آية الوعيد نزلت في ذلك، وخالفه جمهور الصحابة ومن بعدهم وحملوا الوعيد على مانعي الزكاة، وأصح ما تمسكوا به حديث طلحة وغيره في قصة الأعرابي(١٣) حيث قال :" هل علي غيرها ؟ قال : لا، إلا أن تطوع ". انتهى.
وبالجملة فالجمهور على أن الكنز المذموم ما لم تؤد زكاته، وقد ترجم لذلك البخاري(١٤) في ( صحيحه ) فقال :( باب ما أدي زكاته فليس بكنز ). ويشهد له حديث أبي هريرة(١٥) مرفوعا :" إذا أديت زكاة مالك فقد قضيت ما عليك " حسنه الترمذي وصححه الحاكم.
وعن ابن عمر :" كل ما أديت زكاته، وإن كان تحت سبع أرضين فليس بكنز وكل ما لا تؤدي زكاته فهو كنز، وإن كان ظاهرا على وجه الأرض " أورده البيهقي مرفوعا، ثم قال المشهور وقفه كحديث جابر :" إذا أديت زكاة مالك، فقد أذهبت عنك شره "، أخرجه الحاكم والمرجح وقفه.
هذا وذهب ابن عمر رضي الله عنهما ومن وافقه إلى أن الزكاة نسخت وعيد الكنز.
روى البخاري في ( صحيحه )(١٦) :" أن أعرابيا قال لابن عمر : أخبرني عن قول الله تعالى ﴿والذين يكنزون الذهب والفضة...﴾ الآية قال ابن عمر : من كنزها فلم يؤد زكاتها، فويل له، إنما كان هذا قبل أن تنزل زكاة، فلما أنزلت جعلها الله طهرا للأموال "، زاد ابن ماجة(١٧) ثم قال : ابن عمر :" ما كنت أبالي لو كان لي مثل أحد ذهبا، أعلم عدده، أزكيه وأعمل فيه بطاعة الله تعالى "، ورواه أبو داود في كتاب ( الناسخ والمنسوخ ) فهذا يشعر بأن الوعيد على الاكتناز وهو حبس ما فضل عن الحاجة عن المواساة به، كان في أول الإسلام، ثم نسخ ذلك بفرض الزكاة، لما فتح الله الفتوح، وقدرت نصب الزكاة، ويشعر أيضا بأن فرض الزكاة كان في السنة التاسعة من الهجرة وجزم به ابن الأثير في ( تاريخه ) : وقواه بعضهم بما وقع في قصة ثعلبة بن حاطب المطولة، ففيها لما نزلت آية الصدقة بعث النبي ﷺ عاملا فقال :" ما هذه إلا جزية أو أخت الجزية " والجزية إنما وجبت في التاسعة.
وأقول : هذا الحديث ضعفوه، والأقوى منه كون هذه السورة التي فيها هذه الآية نزلت في السنة التاسعة كما قدمنا، فإذا نسخت بالزكاة كانت الزكاة في تلك السنة أو بعدها قطعا.
قال ابن حجر في ( الفتح ) والظاهر أن ذلك كان في أول الأمر كما تقدم عن ابن عمر، واستدل له ابن بطال بقوله تعالى (١٨) ﴿ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو﴾ أي ما فضل عن الكفاية فكان ذلك واجبا في أول الأمر ثم نسخ والله أعلم.
وفي ( المسند )(١٩) من طريق يعلى بن شداد بن أوس عن أبيه قال :" كان أبو ذر يسمع الحديث من رسول الله ﷺ، فيه الشدة، ثم يخرج إلى قومه ثم يرخص فيه النبي ﷺ، فلا يسمع الرخصة، ويتعلق بالأمر الأول ".
وما سقناه من مذهب أبي ذر هو ما ساقه المفسرون وشراح الحديث وزعم بعضهم أن الذي حدا أبا ذر لذلك ما رآه من استئثار معاوية بالفيء حيث قال : الذي صح أن الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم كانوا يعتبرون الفيء لكافة المسلمين، يستوي فيه المقاتلون وغيرهم، ولعله باعتبار أن القتال فريضة على كل المسلمين، فكلهم داخل تحت ذلك الحكم قال : والذي يؤيد أنه لكافة المسلمين، أن أبا ذر رضي الله عنه لما كان بالشام، والوالي عليها، من / قبل الخليفة عثمان، معاوية رضي الله عنهما، ورأى من معاوية ما يشعر بحرصه على ادخار المال في بيت المال، لصرفه في وجوه المصالح التي يراها للمسلمين، وكان أبو ذر مشهورا بالورع شديد الحرص على حقوق المسلمين، يقول الحق ولو على نفسه، أخذ يتكلم بهذا الأمر بين الناس واتخذ له حزبا من أهل الشام يساعده على مطالبة معاوية برد المال للمسلمين، وبيان عدم الرضا بكنزه في بيت المال، لأي حال من الأحوال إلا لتوزيعه على كافة المسلمين لاشتراكهم بما أفاء الله عليهم أجمعين وتابعه على قوله جماعة كثيرون، كانوا يجتمعون لهذا القصد سرا وجهرا حتى كادت تكون فتنة، فشكاه معاوية إلى الخليفة عثمان رضي الله عنهم أجمعين فنفاه إلى الربذة خوفا من حدوث ما لا تحمد عقباه. انتهى.
ونقل ما يقرب منه ابن حجر في ( الفتح ) حيث قال : والصحيح أن إنكار أبي ذر كان على السلاطين الذين يأخذون المال لأنفسهم ولا ينفقونه في وجهه.
الرابعة- إنما قيل ﴿ولا ينفقونها﴾ بضمير المؤنث، مع أن الظاهر التثنية، إذ المذكور شيئان لأن المراد بهما دنانير ودراهم كثيرة، وذلك لأن الكثير منهما هو الذي يكون كنزا، فأتى بضمير الجمع للدلالة على الكثرة، ولو ثني احتمل خلافه، وقيل : الضمير عائد على الكنوز أو الأموال المفهومة من الكلام فيكون الحكم عاما ولذا عدل فيه عن الظاهر، وتخصيصهما بالذكر، لأنهما الأصل الغالب في الأموال للتخصيص، وقيل الضمير للفضة، واكتفي بها، لأنها أكثر والناس إليها أحوج ولأن الذهب يعلم منها بالطريق الأولى مع قربها لف

تفسير هذه الآية من كتب أخرى