جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى :﴿يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ إِنّ كَثِيراً مّنَ الأحْبَارِ وَالرّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ﴾.
يقول تعالى ذكره : يا أيها الذين صدّقوا الله ورسوله وأقرّوا بوحدانية ربهم، إن كثيرا من العلماء والقرّاء من بني إسرائيل من اليهود والنصارى ٍٍ " يَأْكُلُونَ أموَالَ النّاسِ بالباطِلِ " يقول : يأخذون الرُّشى في أحكامهم، ويحرّفون كتاب الله، ويكتبون بأيديهم كتباً ثم يقولون : هذه من عند الله، ويأخذون بها ثمنا قليلاً من سِفْلَتِهم. وَيَصُدّونَ عَنْ سَبِيلِ اللّهِ، يقول : ويمنعون من أراد الدخول في الإسلام الدخول فيه بنهيهم إيّاهم عنه.
وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك :
- حدثني محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن المفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ : " يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا إنّ كَثِيرا مِنَ الأحْبارِ وَالرّهْبانِ لَيَأْكُلُونَ أمْوَالَ النّاسِ بالباطِلِ " أما " الأحبار " ؛ فمن اليهود. وأما " الرهبان " ؛ فمن النصارى. وأما " سبيل الله " ؛ فمحمد ﷺ.

القول في تأويل قوله تعالى :﴿وَالّذِينَ يَكْنِزُونَ الذّهَبَ وَالفِضّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشّرْهُمْ بِعَذَابٍ ألِيمٍ﴾.


يقول تعالى ذكره : " إنّ كَثِيرا مِنَ الأحْبارِ وَالرّهْبانِ لَيَأْكُلُونَ أمْوَالَ النّاسِ بالباطِلِ "، ويأكلها أيضا معهم " الّذِينَ يَكْنِزُونَ الذّهَبَ وَالفِضّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشّرْهُمْ بِعَذَابٍ ألِيمٍ "، يقول : بشر الكثير من الأحبار والرهبان الذين يأكلون أموال الناس بالباطل، والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله، بعذاب أليم لهم يوم القيامة مُوجع من الله.
واختلف أهل العلم في معنى " الكنز "، فقال بعضهم : هو كلّ مال وجبت فيه الزكاة، فلم تؤدّ زكاته. قالوا : وعنى بقوله : " ولاَ يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللّهِ "، ولا يؤدون زكاتها. ذكر من قال ذلك :
- حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا عبد الوهاب، قال : حدثنا أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، قال : كلّ مال أدّيت زكاته فليس بكنز، وإن كان مدفونا، وكلّ مال لم تؤدّ زكاته، فهو الكنز الذي ذكره الله في القرآن، يُكْوَى به صاحبه، وإن لم يكن مدفونا.
- حدثنا الحسن بن الجنيد، قال : حدثنا سعيد بن مسلمة، قال : حدثنا إسماعيل بن أمية، عن نافع، عن ابن عمر، أنه قال : كلّ مال أدّيت منه الزكاة فليس بكنز، وإن كان مدفونا، وكلّ مال لم تؤدّ منه الزكاة وإن لم يكن مدفونا، فهو كنز.
- حدثني أبو السائب، قال : حدثنا ابن فضيل، عن يحيى بن سعيد، عن نافع، عن ابن عمر، قال : أيمُّا مال أدّيت زكاته فليس بكنز، وإن كان مدفونا في الأرض. وأيما مال لم تؤدّ زكاته، فهو بكنز يكوى به صاحبه، وإن كان على وجه الأرض.
- حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبي وجرير، عن الأعمش، عن عطية، عن ابن عمر، قال : ما أدّيت زكاته فليس بكنز.
- قال : حدثنا أبي، عن العمري، عن نافع، عن ابن عمر، قال : ما أدّيت زكاته فليس بكنز، وإن كان تحت سبع أرضين. وما لم تؤدّ زكاته فهو كنز، وإن كان ظاهرا.
- قال : حدثنا جرير، عن الشيباني، عن عكرمة، قال : ما أدّيت زكاته فليس بكنز.
- حدثنا محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن المفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ، قال : " أما الذين يكنزون الذهب والفضة "، فهؤلاء أهل القبلة. و " الكنز " : ما لم تؤدّ زكاته وإن كان على ظهر الأرض، وإن قلّ. وإن كان كثيرا قد أدّيت زكاته، فليس بكنز.
- حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبي، عن إسرائيل، عن جابر، قال : قلت لعامر : مالٌ على رفّ بين السماء والأرض لا تؤدّى زكاته، أكنز هو ؟ قال : يُكْوى به يوم القيامة.
وقال آخرون : كل مال زاد على أربعة آلاف درهم، فهو كنز، أدّيت منه الزكاة أو لم تؤدّ. ذكر من قال ذلك :
- حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبو بكر بن عياش، عن أبي حصين، عن أبي الضحى، عن جعدة بن هبيرة، عن عليّ رحمة الله عليه قال : أربعة آلاف درهم فما دونها " نفقة "، فما كان أكثر من ذلك فهو " كنز ".
- حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبي، عن سفيان، عن أبي حصين، عن أبي الضحى، عن جعدة بن هبيرة، عن عليّ، مثله.
- حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا الشعبيّ، قال : أخبرني أبو حصين، عن أبي الضحى، عن جعدة بن هبيرة، عن عليّ رحمة الله عليه، في قوله : " وَالّذِينَ يُكْنِزُونَ الذّهَبَ والفضّةَ "، قال : أربعة آلاف درهم فما دونها نفقة، وما فوقها كنز.
وقال آخرون : " الكنز " كلّ ما فضل من المال عن حاجة صاحبه إليه. ذكر من قال ذلك :
- حدثنا محمد بن المثنى، قال : حدثنا عبيد الله بن معاذ، قال : حدثنا أبي، قال : حدثنا شعبة، عن أنس، عن عبد الواحد : أنه سمع أبا مجيب قال : كان نعل سيف أبي هريرة من فضة، فنهاه عنها أبو ذرّ، وقال : إن رسول الله ﷺ قال :«مَنْ تَرَكَ صَفْرَاءَ أوْ بَيْضَاءَ كُوِيَ بِهَا ».
- حدثنا محمد بن بشار، قال : حدثنا مؤمل، قال : حدثنا سفيان، عن منصور، عن الأعمش وعمرو بن مرّة، عن سالم بن أبي الجعد، قال : لما نزلت : " وَالّذِينَ يُكْنِزُونَ الذّهَبَ والفضّةَ ولاَ يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللّهِ "، قال النبي ﷺ :«تَبًّا للذّهَبِ ! تَبًّا للفِضّةِ ! » يقولها ثلاثا. قال : فشقّ ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ، قالوا : فأيَّ مال نتخذه ؟ فقال عمر : أنا أعلم لكم ذلك. فقال : يا رسول الله إن أصحابك قد شقّ عليهم، وقالوا : فأيَّ المال نتخذ ؟ فقال :«لسانا ذَاكِرا، وَقَلْبا شَاكِرا، وَزَوْجَةً تُعِينُ أحَدَكُمْ على دِينِهِ ».
- حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا مؤمل، قال : حدثنا إسرائيل، عن منصور، عن سالم بن أبي الجعد، عن ثوبان، بمثله.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا الثوريّ، عن منصور، عن عمرو بن مرّة، عن سالم بن أبي الجعد، قال : لما نزلت هذه الآية : " وَالّذِينَ يُكْنِزُونَ الذّهَبَ والفضّةَ ولاَ يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللّهِ "، قال المهاجرون : وأيَّ المال نتخذ ؟ فقال عمر : أسأل النبيّ ﷺ عنه. قال : فأدركته على بعير، فقلت : يا رسول الله إن المهاجرين قالوا : فأيَّ المال نتخذه ؟ فقال رسول الله ﷺ :«لِسانا ذَاكِرا، وقَلْبا شَاكِرا، وَزَوْجَةً مُؤْمِنَةً تُعِينُ أحَدَكُمْ على دِينِهِ ».
- حدثنا الحسن قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة، عن شهر بن حوشب، عن أبي أمامة، قال : توفي رجل من أهل الصُّفَّة، فوُجد في مئزرِه دينارٌ، فقال رسول الله ﷺ :«كَيّةٌ ! » ثم توفي آخر، فوُجد في مئزره ديناران، فقال النبيّ ﷺ :
«كَيّتانِ ! ».
- حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، عن شهر بن حوشب، عن صدى بن عجلان أبي أمامة، قال : مات رجل من أهل الصفة، فوجد في مئزره دينار، فقال رسول الله ﷺ :«كَيّةٌ ! » ثم توفي آخر، فوجد في مئزره ديناران فقال نبيّ الله :
«كَيّتانِ ! ».
- حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا جرير، عن منصور، عن سالم، عن ثوبان، قال : كنا في سفر، ونحن نسير مع رسول الله ﷺ، قال المهاجرون : لوددنا أنا علمنا أيُّ المال خيرٌ فنتخذه ؟ إذ نزل في الذهب والفضة ما نزل ! فقال عمر : إن شئتم سألت رسول الله ﷺ عن ذلك ! فقالوا : أجل ! فانطلق فتبعته أوضع على بعيري، فقال : يا رسول الله إن المهاجرين لما أنزل الله في الذهب والفضة ما أنزل قالوا : وددنا أنا علمنا أيّ المال خير فنتخذه، قال :«نَعَمْ، فَيَتّخِذُ أحَدُكُمْ لِسانا ذَاكِرا، وَقَلْبا شَاكِرا، وَزَوْجَةً تُعِينُ أحَدَكُمْ على إيمَانِهِ ».
قال أبو جعفر : وأولى الأقوال في ذلك بالصحة، القول الذي ذُكِر عن ابن عمر : من أن كلّ مال أديت زكاته فليس بكنز يحرم على صاحبه اكتنازه وإن كثر، وأن كلّ ما لم تؤدّ زكاته فصاحبه معاقب مستحقّ وعيد الله، إلا أن يتفضل الله عليه بعفوه وإن قل، إذا كان مما يجب فيه الزكاة.
وذلك أن الله أوجب في خمس أواق من الوَرِق على لسان رسوله رُبع عُشرها، وفي عشرين مثقالاً من الذهب مثل ذلك ربع عشرها. فإذ كان ذلك فرض الله في الذهب والفضة على لسان رسوله، فمعلوم أن الكثير من المال وإن بلغ في الكثرة ألوفَ ألوفٍ لو كان، وإن أدّيت زكاته من الكنوز التي أوعد الله أهلها عليها العقاب، لم يكن فيه الزكاة التي ذكرنا من ربع العشر. لأن ما كان فرضا إخراج جميعه من المال وحرامٌ اتخاذه، فزكاته الخروج من جميعه إلى أهله لا ربع عشره، وذلك مثل المال المغصوب الذي هو حرام على الغاصب إمساكه وفرضٌ عليه إخراجه من يده إلى يده، فالتطهر منه : ردّه إلى صاحبه. فلو كان ما زاد من المال على أربعة آلاف درهم، أو ما فضل عن حاجة ربه التي لا بد منها، مما يستحق صاحبه باقتنائه إذا أدّى إلى أهل السهمان حقوقهم منها من الصدقة وعيد الله، لم يكن اللازم ربه فيه ربع عشره، بل كان اللازم له الخروج من جميعه إلى أهله وصرفه فيما يجب عليه صرفه، كالذي ذكرنا من أن الواجب على غاصبِ رجلٍ مالَه ردُّه على ربه. وبعد، فإن فيما :
- حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد بن ثور، قال : قال معمر : أخبرني سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ، قال :«ما مِنْ رَجُلٍ لا يُؤَدّي زَكَاةَ مالِهِ إلاّ جُعِلَ يَوْمَ القِيَامَةِ صفَائِحَ مِنْ نارٍ يُكْوَى بِها جَنْبُهُ وجَبْهَتُهُ وظَهْرُهُ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ ألُفَ سَنَةٍ، حتى يُقْضَى بينَ النّاسِ، ثُمّ يَرَى سَبِيلَه، وَإنْ كانَتْ إبِلاً إلاّ بُطِحَ لَهَا بِقاعٍ قَرْقَرٍ، تطأه بأخْفَافِها » حسبته قال :
«وَتَعَضّهُ بأفْوَاهِها، يَرِدُ أُولاها على أُخْرَاها، حتى يُقْضَى بينَ النّاسِ ثُمّ يَرَى سَبِيلَهُ. وَإنْ كانَتْ غَنَما فَمِثْلُ ذلكَ، إلا أنّها تَنْطَحُهُ بقُرُونِها، وتطأه بأظْلاَفِها ».
وفي ذلك نظائر من الأخبار التي كرهنا الإطالة بذكرها، الدلالة الواضحة على أن الوعيد إنما هو من الله على الأموال التي لم تؤدّ الوظائف المفروضة فيها لأهلها من الصدقة، لا على اقتنائها واكتنازها.
وفيما بينا من ذلك البيان الواضح على أن الآية لخاصّ كما قال ابن عباس، وذلك ما :
- حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس : " وَالّذِينَ يُكْنِزُونَ الذّهَبَ والفضّةَ ولاَ يُنْفِقُونَ

تفسير هذه الآية من كتب أخرى