الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب

عن الكتاب
قوله(١) :﴿يا أيها الذين آمنوا إن كثيرا من الاحبار والرهبان﴾، إلى [ قوله ] :﴿ما كنتم تكنزون﴾[ ٣٤، ٣٥ ].
قوله :﴿والذين يكنزون﴾[ ٣٤ ].
﴿والذين﴾ : في موضع رفع عطف على الضمير(٢) في : " يأكلون "، فيكون التقدير :﴿لياكلوا أموال الناس بالباطل﴾، ويأكلها معهم الذين يكنزون الذهب(٣).
وقيل ﴿الذين﴾ : في موضع رفع بالابتداء(٤).
ومعنى الآية : يا أيها الذين صدقوا بمحمد ﷺ، وبما جاء به، إن كثيرا من أحبار اليهود والنصارى ورهبانهم، وهم : علماؤهم وعبادهم. وقيل ﴿الاحبار﴾ : القراء :﴿لياكلون أموال الناس بالباطل﴾، ويأكلها معهم ﴿الذين يكنزون الذهب﴾، وذلك الرُّشى(٥) في الحكم، وفي تحريف كتاب الله عز وجل، يكتبون بأيديهم كتبا، ويقولون : هذا من عبد الله، يأخذون بها ثمنا قليلا، ﴿ويصدون عن سبيل الله﴾[ ٣٤ ]، أي : يمنعون من أراد الدخول في الإسلام(٦).
و " الكنز " (٧) : كل مال وجبت فيه الزكاة، فلم تؤد(٨) زكاته(٩).
وقوله :﴿ولا ينفقونها﴾[ ٣٤ ].
أي : لا يؤدون زكاتها(١٠).
قال ابن عمر : كل ما مال أديت زكاته ليس بكنز، وإن كان مدفونا، وكل مال لم تؤد زكاته، فهو كنز يكوى [ به ](١١) صاحبه، وإن لم يكن مدفونا(١٢).
وروي عن علي رضي الله عنه : أربعة آلاف درهم فما دونها " نفقة " /فإن زادت فهو " كنز " (١٣)، أديت زكاته أو لم تؤد(١٤).
قال ابن عباس : هي خاصة للمسلمين لمن لم يؤد زكاته منهم، وهي عامة في أهل الكتاب، من أدى الزكاة ومن لم يؤد ؛ لأنهم لا تقبل منهم نفقاتهم وإن أنفقوا(١٥).
وقال عمر بن عبد العزيز : أراها منسوخة بقوله :﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها﴾(١٦)[ ١٠٤ ].
و " الكنز " في كلام العرب : كل شيء جُمع بعضه إلى بعض(١٧).
قوله :﴿ولا ينفقونها﴾(١٨).
ولم يقل : " ينفقونهما "، إنما ذلك لأن الضمير رجع على الكنوز، والكنوز تشتمل على الذهب والفضة(١٩).
وقيل : إن الضمير يرجع على : " الأموال " (٢٠) التي تقدم ذكرها أنها تؤكل بالباطل. وقيل : الضمير يعود على : " الفضة "، وحذف العائد على الذهب لدلالة الكلام عليه(٢١)، كأنه(٢٢) قال :﴿ولا ينفقونها﴾(٢٣) و " ينفقونه "، ثم حذف كما قال(٢٤) :
نحن(٢٥) بما عندنا وأنت بماعندك راض... (٢٦).
وقيل الضمير : " للذهب "، وضمير(٢٧) " الفضة " محذوف، تقديره :﴿ولا ينفقونها﴾(٢٨).
و " ينفقونها "، والعرب تقول : " هي الذهب [ الحمراء ](٢٩) "، فتؤنث(٣٠).
وقال معاوية : هذه الآية في أهل الكتاب خاصة(٣١).
وقوله :﴿فبشرهم بعذاب أليم﴾[ ٣٤ ].
أي : اجعل موضع البشارة لهم عذابا أليما، أي : مؤلما، بمعنى موجع(٣٢).
١ زيادة من "ر"..
٢ في الأصل: التضمير. وهو تحريف..
٣ إعراب القرآن للنحاس ٢/٢١٢، بتصرف يسير، وينظر: المحرر الوجيز ٣/٢٧..
٤ إعراب القرآن للنحاس ٢/٢١٢، والمحرر الوجيز ٣/٢٧، والتبيان ٢/٦٤١، وتفسير القرطبي ٨/٧٩، والبحر المحيط ٥/٣٨..
٥ الرشوة، بكسر الراء وضمها، والجمع: رِشا بكسر الراء وضمها..
٦ الفقرة جميعها مستخلصة من جامع البيان ١٤/٢١٦، ٢١٧..
٧ في المخطوطتين: الكنوز، وأثبت ما في جامع البيان الذي نقل عنه مكي..
٨ في الأصل: تؤدوا..
٩ جامع البيان ١٤/٢١٧..
١٠ المصدر نفسه..
١١ زيادة من "ر"، وجامع البيان..
١٢ جامع البيان ١٤/٢١٧، وهو الاختيار فيه، وعنه نقل مكي، وتفسير ابن أبي حاتم ٦/١٧٨٨، وفيه: "ابن عمير". وهو تحريف، وزاد المسير ٣/٤٢٩، وعقبه: "وإلى هذا المعنى ذهب الجمهور. فعلى هذا، معنى الإنفاق: إخراج الزكاة"، والدر المنثور ٤/١٧٧، وينظر تفسير ابن كثير ٢/٣٥٠..
١٣ تفسير عبد الرزاق الصنعاني ٢/٢٧٣، وجامع البيان ١٩/٢١٩، وعنه نقل مكي، وتفسير ابن أبي حاتم ٦/١٧٨٨، والدر المنثور ٤/١٧٩، كلها من غير قوله: "أديت زكاته..."..
١٤ جامع البيان ١٤/٢١٩..
١٥ جامع البيان ١٤/٢٢٤، ٢٢٥، بتصرف في ألفاظه..
١٦ الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه ٣١٤، بلفظ: "فروي عن عمر بن عبد العزيز وعراك بن مالك أنهما قالا: هي منسوخة بقوله:..." وتفسير ابن أبي حاتم ٦/١٧٨٩، وأحكام ابن العربي ٢/٩٣٠، والمحرر الوجيز ٢/٢٨، ونواسخ القرآن لابن الجوزي ٣٦٤، والبحر المحيط ٥/٣٨، وتفسير ابن كثير ٢/٣٥٠، والدر المنثور ٤/١٧٩.
وقال هبة الله بن سلامة في ناسخه ٦٩: هي منسوخة بالزكاة المفروضة..

١٧ وهو في جامع البيان ١٤/٢٢٥، بلفظ: "... الكنز في كلام العرب: كل شيء مجموع بعضه على بعض، في بطن الأرض كان أو على ظهرها. وكذلك تقول العرب للبدن المجتمع: "مكتنز" لانضمام بعضه إلى بعض".
وفي المحرر الوجيز ٣/٢٧ ".... وليس من شروط الكنز الدفن، لكن كثر في حفظة المال أن يدفنوه حتى تورق في المدفون اسم الكنز...".
وفي تفسير القرطبي ٨/٧٩: "... ولا يختص ذلك بالذهب والفضة، ألا ترى قوله عليه السلام: "ألا أخبركم بخير ما يكنز المرء؟ المرأة الصالحة. وخص الذهب والفضة بالذكر، لأنه مما لا يطلع عليه. وسمي الذهب ذهبا، لأنه يذهب والفضة، لأنها تنفض فتتفرق..."..

١٨ في الأصل: ولا ينفقوها، وهو تحريف..
١٩ مشكل إعراب القرآن ١/٣٢٨، بلفظ: و"الهاء..." تعود على "الكنوز"، ودل عليه قوله تعالى: ﴿يكنزون﴾، ومعاني القرآن للفراء ١/٤٣٤، وجامع البيان ١٤/٢٢٨، وفيه: "كأنه قيل: والذين يكنزون الكنوز ولا ينفقونها في سبيل الله؛ لأن الذهب والفضة هي "الكنوز" في هذا الموضع"، ومعاني القرآن وإعرابه للزجاج ٢/٤٤٥، بلفظ:... ، لأن المعنى: يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقون المكنوز في سبيل الله"، وإعراب القرآن للنحاس ٢/٢١٢..
٢٠ مشكل إعراب القرآن ١/٣٢٨، ومعاني القرآن وإعرابه للزجاج ٢/٤٤٥، وإعراب القرآن للنحاس ٢/٢١٢، والمحرر الوجيز ٢/٢٨، وتفسير القرطبي ٨/٨١، والبحر المحيط ٥/٣٩..
٢١ مشكل إعراب القرآن ١/٣٢٨، ومعاني القرآن وإعرابه للزجاج ٢/٤٤٥، وإعراب القرآن للنحاس ٢/٢١٢، والمحرر الوجيز ٣/٢٨، وتفسير القرطبي ٨/٨١، وفيه: "قال ابن الأنباري: قصد الأغلب والأعم وهي الفضة، ومثله قوله: ﴿واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها﴾[البقرة: آية ٤٤]، رد الكناية إلى "الصلاة"؛ أنها أعم، ومثله: ﴿وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها﴾، [الجمعة آية ١١]، فأعاد "الهاء" إلى التجارة؛ أنها الأهم، وترك اللهو..."..
٢٢ في الأصل: لأنه كأنه..
٢٣ في الأصل: ولا ينفقوها..
٢٤ قال الشيخ محمود شاكر في هامش تحقيقه، جامع البيان ١٤/٢٢٨، "وهو: عمرو بن امرئ القيس، من بني الحارث بن الخزرج، جد عبد الله بن رواحة، جاهلي قديم"..
٢٥ في الأصل: عر، وهو تحريف..
٢٦ وتمام عجزه: والرأي مختلف.
وهو غير منسوب في جامع البيان ١٤/٢٢٨، ٢٢٩، وفيه تخريجه، وأمالي ابن الشجري ٢/٢٠، وفيه تخريجه، ومعاني القرآن وإعرابه للزجاج ٢/٤٤٥، بدون نسبة، وإعراب القرآن للنحاس ٢/٢١٢، وفيه: "وأنشد سيبويه"، والمحرر الوجيز ٣/٢٨، بدون نسبة، وزاد المسير ٣/٤٢٩، بدون نسبة، وتفسير القرطبي ٨/٨١، ٨٢، بدون نسبة، وفتح القدير ٢/٤٠٦، بدون نسبة، وينظر: معجم شواهد العربية ١/٢٣٩.
قال الزجاج، المصدر السابق: "يريد: نحن بما عندنا راضون، وأنت بما عندك راض، فحذف "رضوان"، فكذلك يكون المعنى: والذين يكنزون الذهب ولا ينفقونه في سبيل الله، والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله"..

٢٧ في الأصل: الضمير..
٢٨ في الأصل: ولا ينفقوها..
٢٩ زيادة من "ر". وتفسير القرطبي..
٣٠ مشكل إعراب القرآن ١/٣٢٨، بلفظ: "وقيل: تعود على "الذهب"، لأنه يذكر ويؤنث"، وإعراب القرآن للنحاس ٢/٢١٢، مختصرا، وتفسير القرطبي ٨/٨١.
ولمزيد بيان: انظر مجاز القرآن ١/٢٥٧، ومعاني القرآن للفراء ١/٤٣٤، وتأويل مشكل القرآن ٢٨٨، والمحرر الوجيز ٣/٢٨، وتفسير القرطبي ٨/٨١، والبحر المحيط ٥/٣٩..

٣١ انظر: الآثار الواردة في ذلك في جامع البيان ١٤/٢٢٧، ٢٢٨، وتفسير ابن أبي حاتم ٦/١٧٨٩، وتفسير ابن كثير ٢/٣٥٢.
وهناك كلام مستفيض في تفسير الآية في أحكام ابن العربي ٢/٩٢٨-٩٣٤، وتفسير القرطبي ٨/٧٨-٨٢، وضمنه فوائد جمة..

٣٢ في "ر": موضع، وهو تحريف..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى