العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير — الشنقيطي - العذب النمير

عن الكتاب
يقول الله ( جل وعلا ) :﴿انفروا خفافا وثقالا وجهدوا بأمولكم وأنفسكم في سبيل الله ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون ( ٤١ )﴾.
قال جماعة من العلماء : هذه الآية الكريمة هي أول آية نزلت من سورة براءة. قالوا : أول ما نزل منها :﴿انفروا خفافا وثقالا﴾ الآية، ثم بعد ذلك نزل أولها وآخرها (١).
وقوله :﴿انفروا﴾ أمر بالنفر، والنفر المراد به هنا : التهيؤ والحركة للجهاد في سبيل الله، وكل متحرك بسرعة لأمر من الأمور تقول العرب : نفر له، كقولهم : النفر غداة كذا. يعنون : تفرق الناس من منى ذاهبين إلى أوطانهم ؛ لأنه تنقضي مهمة حجهم فيسرعون الحركة متفرقين إلى أوطانهم. كما قال ابن أبي ربيعة (٢) :
لا نلتقي إلا ثلاث منى حتى يفرق بيننا النفر
فمعنى قوله :﴿انفروا﴾ تحركوا مسرعين للجهاد في سبيل الله.
وقوله :﴿خفاف وثقالا﴾ حالان، والخفاف جمع خفيف. والثقال : جمع ثقيل. و " الفعيل " إذا كان وصفا يكثر جمعه على ( الفعال ) جمع كثرة كما هو معروف في محله.
والمراد بقوله :﴿خفافا وثقالا﴾ جاء فيه لأهل العلم ما يقرب من خمسة عشر قولا أو أكثر (٣)، والمراد لها كلها : إنما هو تمثيل الخفة والثقل. والمعنى الجامع لذلك كله :﴿انفروا﴾ تتحركوا مسرعين إلى جهاد الروم إلى تبوك في حال كونكم خفافا أو ثقالا.
والمراد بالخفاف : الذين تخف عليهم الحركة لتهيؤ أسباب القوة والحركة عندهم.
والثقال : الذين يثقل عليهم ذلك لسبب من الأسباب. وأقوال العلماء في هذا كالأمثلة لذلك، كقول من قال :﴿انفروا خفافا وثقالا﴾ شبابا وشيوخا. وقول من قال :﴿خفافا وثقالا﴾ مراضا وصحاحا. وقول من قال :﴿خفافا وثقالا﴾ نشاطا وغير نشاط. وقول من قال :﴿خفافا وثقالا﴾ أصحاب عيال وغير أصحاب عيال. وقول من قال :﴿خفافا وثقالا﴾ أي : أصحاب ضياع وبساتين أو غير أصحابها. فهذه أقوال كثيرة. كقول من قال :﴿خفافا وثقالا﴾ مشاغيل وغير مشاغيل. إلى ذلك (.... ) (٤).
١ ذكره ابن جرير بسنده عن أبي الضحى (١٤/ ٢٦٩، ٢٧٠) وعزاه القرطبي (٨/ ١٤٩) لأبي مالك الغفاري..
٢ البيت في ديوانه ص ١٩٠..
٣ انظر: ابن جرير (١٤/ ٢٦٢ - ٢٦٩)، القرطبي (٨/ ١٥٠)..
٤ في هذا الموضع انقطع التسجيل..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى