جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
واختلف أهل التأويل في معنى الخفة والثّقل اللذين أمر الله من كان به أحدهما بالنّفر معه، فقال بعضهم : معنى الخفة التي عناها الله في هذا الموضع : الشباب، ومعنى الثقل : الشيخوخة. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا حكام، عن عنبسة، عن رجل، عن الحسن، في قوله : انْفِرُوا خِفافا وَثِقالاً قال : شيبا وشُبانا.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا حفص، عن عمرو، عن الحسن، قال : شيوخا وشبانا.
قال : حدثنا ابن عيينة، عن عليّ بن زيد، عن أنس، عن أبي طلحة : انْفِرُوا خِفافا وَثِقالاً قال : كهولاً وشبانا، ما أسمع الله عذرَ أحدا فخرج إلى الشام فجاهد حتى مات.
حدثنا ابن حُميد، قال : حدثنا حكام، عن عنبسة، عن المغيرة بن النعمان، قال : كان رجل من النخع وكان شيخا بادِنا، فأراد الغزو فمنعه سعد بن أبي وقاص، فقال : إن الله يقول : انْفِرُوا خِفافا وَثِقالاً فأذن له سعد، فقتل الشيخ، فسأل عنه بعد عُمر، فقال : ما فعل الشيخ الذي كان من بني هاشم ؟ فقالوا قُتِلَ يا أمير المؤمنين.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا يزيد بن هارون، عن إسماعيل، عن أبي صالح، قال : الشاب والشيخ.
قال : حدثنا أبو أسامة، عن مالك بن مغول، عن إسماعيل، عن عكرمة، قال : الشاب والشيخ.
قال : حدثنا المحاربيّ، عن جويبر، عن الضحاك : كهولاً وشبانا.
قال : حدثنا حَيْوة أبو يزيد، عن يعقوب القُمّي، عن جعفر بن حميد، عن بشر بن عطية : كهولاً وشبانا.
حدثنا الوليد، قال : حدثنا عليّ بن سهل، قال : حدثنا الوليد بن مسلم، عن بكير بن معروف، عن مقاتل بن حيان، في قوله : انْفِرُوا خِفافا وَثِقالاً قال : شبانا وكهولاً.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : انْفِرُوا خِفافا وَثِقالاً قال : شبابا وشيوخا، وأغنياء ومساكين.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قال : قال الحسن : شيوخا وشبانا.
حدثني سعيد بن عمرو، قال : حدثنا بقية، قال : حدثنا جرير، قال : ثني حبان بن زيد الشرعبي، قال : نفرنا مع صفوان بن عمرو وكان واليا على حمص قِبَلَ الأف سوس إلى الجراجمة، فلقيت شيخا كبيرا هِمّا، قد سقط حاجباه على عينيه من أهل دمشق على راحلته فيمن أغار، فأقبلت عليه فقلت : يا عمّ لقد أعذرَ الله إليك قال : فرفع حاجبيه فقال : يا ابن أخي استنفرنا الله خفافا وثقالاً، من يحبه الله يبتليه ثم يعيده فيبقيه، وإنما يبتلي الله من عباده من شكر وصبر وذكر ولم يعبد إلا الله.
حدثنا أحمد بن إسحاق، قال : حدثنا أبو أحمد، قال : حدثنا إسماعيل، عن أبي صالح : انْفِرُوا خِفافا وَثِقالاً قال : كل شيخ وشاب.
وقال آخرون : معنى ذلك مشاغيل وغير مشاغيل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن بشار وابن وكيع، قالا : حدثنا عبد الرحمن، قال : حدثنا سفيان، عن منصور، عن الحكم، في قوله : انْفِرُوا خِفافا وَثِقالاً قال : مشاغيل وغير مشاغيل.
وقال آخرون : معناه : انفروا أغنياء وفقراء. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا حكام، عن عنبسة، عمن ذكره، عن أبي صالح : انْفِرُوا خِفافا وَثِقالاً قال : أغنياء وفقراء.
وقال آخرون : معناه : نِشَاطا وغير نِشاط. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله : انْفِرُوا خِفافا وَثِقالاً يقول : انفروا نِشَاطا وغير نِشَاط.
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة : خِفافا وَثِقالاً قال : نِشَاطا وغير نِشاط.
وقال آخرون : معناه : ركبانا ومشاة. ذكر من قال ذلك :
حدثنا عليّ بن سهل، قال : حدثنا الوليد، قال : قال أبو عمرو : إذا كان النفر إلى دروب الشأم نفر الناس إليها خفافا ركبانا، وإذا كان النفر إلى هذه السواحل ونفروا إليها خفافا وثقالاٍ ركبانا ومشاة.
وقال آخرون : معنى ذلك : ذَا ضَيْعة، وغير ذي ضيعة. ذكر من قال ذلك :
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : انْفِرُوا خِفافا وَثِقالاً قال : الثقيل الذي له الضيعة، فهو ثقيل يكره أن يضيع ضيعته ويخرج، والخفيف الذي لا ضيعة له فقال الله : انْفِرُوا خِفافا وَثِقالاً.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا المعتمر، عن أبيه، قال : زعم حضرميّ أنه ذكر له أن ناسا كانوا عسى أن يكون أحدهم عليلاً أو كبيرا، فيقول : إني أحسبه قال : أنا لا آثم فأنزل الله : انْفِرُوا خِفافا وَثِقالاً.
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال : حدثنا ابن علية، قال : حدثنا أيوب، عن محمد، قال : شهد أبو أيوب مع رسول الله ﷺ بدرا، ثم لم يتخلف عن غزاة للمسلمين إلا وهو في أخرى إلا عاما واحدا وكان أبو أيوب يقول : انْفِرُوا خِفافا وَثِقالاً فلا أجدني إلا خفيفا أو ثقيلاً.
حدثنا عليّ بن سهل، قال : حدثنا الوليد بن مسلم، قال : حدثنا جرير، عن عثمان، عن راشد بن سعد، عمن رأى المقداد بن الأسود فارس رسول الله ﷺ على تابوت من توابيت الصيارفة بمحص، وقد فضل عنه من عظمه، فقلت له : لقد أعذر الله إليك فقال : أتت علينا سورة البحوث انْفِرُوا خِفافا وَثِقالاً.
حدثنا سعيد بن عمرو السّكونيّ، قال : حدثنا بقية بن الوليد، قال : حدثنا جرير، قال : ثني عبد الرحمن بن ميسرة، قال : ثني أبو رائد الحبرانيّ، قال : وافيت المقداد بن الأسود فارس رسول الله ﷺ جالسا على تابوت من توابيت الصيارفة بحمص، قد فضل عنه من عظمه، يريد الغزو، فقلت له : لقد أعذر الله إليك فقال : أتت علينا سورة البحوث : انْفِرُوا خِفافا وَثِقالاً.
قال أبو جعفر : وأولى الأقوال في ذلك عندنا بالصواب أن يقال : إن الله تعالى ذكره أمر المؤمنين بالنفر لجهاد أعدائه في سبيله خفافا وثقالاً وقد يدخل في الخفاف كلّ من كان سهلاً عليه النفر لقوّة بدنه على ذلك وصحة جسمه وشبابه، ومن كان ذا تيسر بمال وفراغ من الاشتغال وقادرا على الظهر والركاب. ويدخل في الثقال كلّ من كان بخلاف ذلك من ضعيف الجسم وعليله وسقيمه، ومن معمر من المال ومشتغل بضيعة ومعاش، ومن كان لا ظهر له ولا ركاب، والشيخ وذو السنّ والعيال. فإذ كان قد يدخل في الخفاف والثقال من وصفنا من أهل الصفات التي ذكرنا ولم يكن الله جلّ ثناؤه خصّ من ذلك صنفا دون صنف في الكتاب، ولا على لسان الرسول ﷺ، ولا نصب على خصوصه دليلاً، وجب أن يقال : إن الله جلّ ثناؤه أمر المؤمنين من أصحاب رسوله بالنفر للجهاد في سبيله خفافا وثقالاً مع رسوله ﷺ على كلّ حال من أحوال الخفة والثقل.
حدثنا أحمد بن إسحاق، قال : حدثنا أبو أحمد، قال : حدثنا إسرائيل، عن سعيد بن مسروق، عن مسلم بن صبيح قال : أوّل ما نزل من براءة : انْفِرُوا خِفافا وَثِقالاً.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبي، عن سفيان، عن أبيه، عن أبي الضحى، مثله.
حدثنا الحرث، قال : حدثنا القاسم، قال : حدثنا حجاج، عن ابن جرير، عن مجاهد، قال : إن أوّل ما نزل من براءة : لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرةٍ قال : يعرّفهم نصره، ويوطنهم لغزوة تبوك.
القول في تأويل قوله تعالى : وجَاهَدُوا بأمْوَالِكمْ وأنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إنْ كُنْتُمْ تعْلَمُونَ.
يقول تعالى ذكره للمؤمنين به وبرسوله من أصحاب رسول الله ﷺ : جاهدوا أيها المؤمنون الكفار بأموالكم، فأنفقوها في مجاهدتهم على دين الله الذي شرعه لكم، حتى ينقادوا لكم فيدخلوا فيه طوعا أو كرها، أو يعطوكم الجزية عن يد صغارا إن كانوا أهل كتاب، أو تقتلوهم وأنْفُسِكُمْ يقول : وبأنفسكم فقاتلوهم بأيديكم يخزهم الله وينصركم عليهم. ذلكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ يقول : هذا الذي آمركم به من النفر في سبيل الله تعالى خفافا وثقالاً وجهاد أعدائه بأموالكم وأنفسكم خير لكم من التثاقل إلى الأرض إذا استنفرتم والخلود إليها والرضا بالقليل من متاع الحياة الدنيا عوضا من الآخرة، إن كنتم من أهل العلم بحقيقة ما بين لكم من فضل الجهاد في سبيل الله على القعود عنه.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
قال أبو جعفر: واختلف أهل التأويل في معنى "الخفة" و"الثقل"، اللذين أمر الله من كان به أحدهما بالنفر معه.
فقال بعضهم: معنى "الخفة"، التي عناها الله في هذا الموضع، الشباب = ومعنى "الثقل"، الشيخوخة.
* ذكر من قال ذلك:
١٦٧٣٤- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام، عن عنبسة، عن رجل، عن الحسن في قوله: (انفروا خفافًا وثقالا)، قال: شيبًا وشبّانًا.
١٦٧٣٥- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا حفص، عن عمرو، عن الحسن قال: شيوخًا وشبانًا.
١٦٧٣٦-...... قال، حدثنا ابن عيينة، عن علي بن زيد، عن أنس، عن أبي طلحة: (انفروا خفافا وثقالا)، قال: كهولا وشبانًا، ما أسمع الله عَذَر واحدًا!! (١) فخرج إلى الشأم، فجاهد حتى مات. (٢)
(٢) الأثر: ١٦٧٣٦ - " علي بن زيد بن عبد الله بن أبي مليكة"، مضى مرارًا، وثقة.
أخي السيد أحمد فيما سلف رقم: ٤٨٩٧، وقد تكلم فيه أحمد وغيره قال: "ضعيف الحديث". و "أنس" هو "أنس بن مالك" خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم.
و"أبو طلحة"، هو "زيد بن سهل الأنصاري"، صاحب رسول الله، شهد العقبة، وبدرا، المشاهد كلها.
وهذا الخبر، رواه ابن سعد في الطبقات ٣ ٢ ٦٦ من طريق عفان بن مسلم، عن حماد بن سلمة، عن ثابت، وعلي بن يزيد، عن أنس، مطولا، بغير هذا اللفظ. ورواه الحاكم في المستدرك ٣: ٣٥٣، من هذه الطريق نفسها وقال: " هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه ".
وخرجه السيوطي في الدر المنثور ٣: ٢٤٦، وزاد نسبته إلى ابن أبي عمر العدني في مسنده، وعبد الله بن أحمد بن حنبل في زوائد الزهد، وأبي يعلى، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن حبان، وأبي الشيخ، وابن مردويه.
وخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد ٩: ٣١٢، بغير هذا اللفظ، وقال: " رواه أبو يعلى، ورجاله رجال الصحيح".
١٦٧٣٨- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يزيد بن هارون، عن إسماعيل، عن أبي صالح قال: الشابُّ والشيخ.
١٦٧٣٩-...... قال، حدثنا أبو أسامة، عن مالك بن مغول، عن إسماعيل، عن عكرمة، قال: الشاب والشيخ.
١٦٧٤٠-...... قال، حدثنا المحاربي، عن جويبر، عن الضحاك: كهولا وشبَّانًا.
١٦٧٤١-...... قال، حدثنا حبويه أبو يزيد، عن يعقوب القمي، عن جعفر بن حميد، عن بشر بن عطية: كهولا وشبانًا (٣)
(٢) الأثر: ١٦٧٣٧ - "المغيرة بن النعمان النخعي"، ثقة، مضى برقم: ١٣٦٢٢.
(٣) الأثر: ١٦٧٤١ - " حبويه، أبو يزيد "، هو " إسحاق بن إسماعيل الرازي "، مضى مرارًا، منها رقم: ١٥٩٩٣، وكتب في المطبوعة: "حيوة"، وغير ما في المخطوطة، وهو خطأ محض.
وأما "جعفر بن حميد"، فلم أجد له ذكرًا في شيء من مراجعي، والذي يروي عنه يعقوب بن عبد الله القمي، هو: " جعفر بن أبي المغيرة الخزاعي القمي"، والذي نقله ابن حجر في التهذيب في ترجمته عن أبي نعيم أن اسم "أبي المغيرة" هو: "دينار" لا "حميد".
وأما " بشر بن عطية "، فلم أجد من يسمى بهذا إلا "بشر بن عطية"، رجل روى عنه مكحول، يقال هو صحابي، ويقال هو: "بشر بن عصمة المزني"، انظر لسان الميزان ٢: ٢٦، ٢٧، في الترجمتين، والإصابة في ترجمة الاسمين. وهذا كله مضطرب.
١٦٧٤٣- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: (انفروا خفافًا وثقالا)، قال: شبابًا وشيوخًا، وأغنياء ومساكين.
١٦٧٤٤- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قال، قال الحسن: شيوخًا وشبّانًا.
١٦٧٤٥- حدثني سعيد بن عمرو قال، حدثنا بقية قال، حدثنا حَرِيز قال، حدثني حبان بن زيد الشرعبيّ قال: نفرنا مع صَفْوان بن عمرو، وكان واليًا على حمص قِبَلَ الأفْسوس، إلى الجَرَاجمة، (١) فلقيت شيخًا كبيرًا هِمًّا، (٢) قد سقط حاجباه على عينيه، من أهل دمشق، على راحلته، فيمن أغار. (٣) فأقبلت عليه فقلت: يا عمِّ، لقد أعذر الله إليك! قال: فرفع حاجبيه، فقال: يا ابن
و" الجراجمة "، نبط الشأم، ويقال: هم قوم من العجم بالجزيرة.
وكان في المخطوطة: " قبل الأفسون إلى الحراصة"، والصواب في المطبوعة وهو مطابق لما في تفسير ابن كثير ٤: ١٧٦، نقلا عن هذا الموضع من الطبري.
(٢) " الهم " (بكسر الهاء) : الشيخ الكبير الفاني البالي.
(٣) في المخطوطة: "أعات"، والصواب ما في المطبوعة، وهو موافق لما في ابن كثير.
١٦٧٤٦- حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا إسماعيل، عن أبي صالح: (انفروا خفافًا وثقالا)، قال: كل شيخ وشابّ.
* * *
وقال آخرون: معنى ذلك: مشاغيل وغير مشاغيل.
* ذكر من قال ذلك:
١٦٧٤٧- حدثنا ابن بشار وابن وكيع قالا حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن منصور، عن الحكم في قوله: (انفروا خفافًا وثقالا)، قال: مشاغيل وغير مشاغيل.
* * *
وقال آخرون: معناه: انفروا أغنياء وفقراء.
* ذكر من قال ذلك:
(٢) الأثر: ١٦٧٤٥ - "بقية" هو "بقية بن الوليد"، سلف مرارًا كثيرة.
و" حريز" هو " حريز بن عثمان بن جبر الرحبي "، ثقة مأمون، ثبت في الحديث، وإنما وضع منه من وضع، لأنه كان ينال من علي رضي الله عنه، ثم ترك ذلك. و " حريز " (بفتح الحاء، وكسر الراء). وقال أبو داود: " شيوخ حريز، كلهم ثقات ". مترجم في التهذيب، والكبير ٢ ١ ٩٦، وابن أبي حاتم ١ ٢ ٢٨٩.
وكان في المطبوعة: " جرير "، وهو في المخطوطة غير منقوط.
و" حبان بن زيد الشرعبي (بكسر الحاء من: حبان)، أبو خداش الحمصي، ذكره ابن حبان في الثقات، وسلف قبل أن أبا داود، وثق جميع شيوخ حريز بن عثمان. مترجم في التهذيب، والكبير ٢ ١ ٧٨، وابن أبي حاتم ١ ٢ ٢٦٩.
و" صفوان بن عمرو "، كأنه هو " صفوان بن عمرو بن هرم السكسكي "، ثقة. والذي حملني على هذا الظن، أني رأيت في ترجمته في التهذيب عن أبي اليمان، عن صفوان: " أدركت من خلافة عبد الملك، وخرجنا في بعث سنة ٩٤ "، ولكني لم أجد ذكرًا لولايته على حمص.
وقد سلف " صفوان بن عمرو السكسكي " مرارًا، منها رقم: ٧٠٠٩، ١٢٨٠٧، ١٣١٠٨.
* * *
وقال آخرون: معناه: نِشاطًا وغير نِشاط.
* ذكر من قال ذلك:
١٦٧٤٩- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: (انفروا خفافًا وثقالا)، يقول: انفروا نِشاطًا وغير نِشاط.
* * *
١٦٧٥٠- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر عن قتادة: (خفافًا وثقالا)، قال: نِشاطًا وغير نِشاط.
* * *
وقال آخرون: معناه: ركبانًا ومشاةَ.
* ذكر من قال ذلك:
١٦٧٥١- حدثنا علي بن سهل قال، حدثنا الوليد قال، قال أبو عمرو: إذا كان النَّفْر إلى دروب الشأم، نفر الناس إليها "خفافًا"، ركبانًا. وإذا كان النَّفْر إلى هذه السواحل، نفروا إليها "خفافًا وثقالا"، ركبانًا ومشاة.
* * *
وقال آخرون: معنى ذلك: ذا ضَيْعَة، وغير ذي ضَيْعة.
* ذكر من قال ذلك:
١٦٧٥٢- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: (انفروا خفافًا وثقالا)، قال: "الثقيل"، الذي له الضيعة، فهو ثقيل يكره أن يُضيع ضَيْعته ويخرج = و"الخفيف" الذي لا ضيعة له، فقال الله: (انفروا خفافًا وثقالا).
١٦٧٥٣- حدثنا ابن عبد الأعلى قال، حدثنا المعتمر، عن أبيه قال:
١٦٧٥٤- حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية قال، حدثنا أيوب، عن محمد قال: شهد أبو أيوب مع رسول الله ﷺ بدرًا، ثم لم يتخلف عن غَزاة للمسلمين إلا وهو في أخرى، (٢) إلا عامًا واحدًا. وكان أيوب يقول: (انفروا خفافًا وثقالا)، فلا أجدني إلا خفيفًا أو ثقيلا. (٣)
١٦٧٥٥- حدثنا علي بن سهل قال، حدثنا الوليد بن مسلم قال، حدثنا حَرِيز بن عثمان، عن راشد بن سعد، عمن رأى المقداد بن الأسود فارسَ رسول الله ﷺ على تابوتٍ من توابيت الصَّيارفة بحمص، وقد فَضَل عنها من عِظَمِه، فقلت له: لقد أعذر الله إليك! فقال: أبتْ علينا "سورة البعوث"، (٤) (انفروا خفافًا وثقالا). (٥)
وأما المخطوطة فكان رسمها هكذا: "فيقول: إن أحسبه أبًا قال آثم"، فآثرت قراءتها كما أثبتها، ومعناه: إن أجتنب النفر إباء للغزو، فإني آثم، ولكن علتي أو كبرى عذر يدفع عنى إثم التخلف. هذا ما رجحته، والله أعلم.
(٢) في المطبوعة: "إلا وهو في أخرى "، وفي المخطوطة: "في آخرين"، وحذف هذه العبارة ابن كثير في تفسيره، والسيوطي في الدر المنثور. وهي صحيحة المعنى، رواها ابن سعد " في أخرى " كما في المطبوعة: ورواها الحاكم: " إلا هو فيها ".
(٣) الأثر: ١٦٧٥٤ - رواه ابن سعد في الطبقات ٣ ٢ ٤٩ من طريق إسماعيل بن إبراهيم الأسدي، وهو " ابن عطية "، مطولا مفصلا.
ورواه الحاكم في المستدرك ٣: ٤٥٨، من هذه الطريق نفسها، مطولا.
(٤) هكذا جاء هنا في المخطوطة: " البعوث "، وأنا في شك منه شديد، لأني لم أجد من سمى " سورة التوبة "، " سورة البعوث "، بل أجمعوا على تسميتها " سورة البحوث "، كما سأفسره بعد ص: ٢٦٥، تعليق: ٦. ثم انظر آخر التعليق على الخبر رقم: ١٦٧٥٦.
(٥) الأثر: ١٦٧٥٥. " حريز بن عثمان بن جبر الرحبي "، مضى آنفا برقم ١٦٧٤٥. وكان في المطبوعة: " جرير "، وهو خطأ، وفي المخطوطة غير منقوط.
و" راشد بن سعد المقرائي الحبراني الحمصي "، ثقة، لا بأس به إذا لم يحدث عنه متروك، وشيوخ " حريز بن عثمان " ثقات جميعًا، كما أسلفت في رقم: ١٦٧٤٥، و " حريز " ثقة في نفسه. وهذا الخبر سيأتي بعد هذا، ليس فيه مجهول.
* * *
(٢) في المطبوعة: " البعوث "، وأثبت ما في المخطوطة، وهو الموافق لرواية هذا الأثر في المراجع التي سأذكرها. و " البحوث ": منهم من يقولها بضم الباء، جمع " بحث "، سميت بذلك لأنها بحثت عن المنافقين وأسرارهم، أي: استثارتها وفتشت عنها.
وقد قال ابن الأثير إنه رأى في "الفائق" للزمخشري "البحوث" بفتح الباء، ومطبوعة الفائق، لا ضبط فيها. ثم قال ابن الأثير: " فإن صحت، فهي فعول، من أبنية المبالغة، أما الزمخشري فقال: " سورة البحوث: هي سورة التوبة، لما فيها من البحث عن المنافقين وكشف أسرارهم، وتسمى المبعثرة ".
وهذا كله يؤيد ما ذهبت إليه في ص، ٢٦٥، التعليق رقم: ٣.
(٣) الأثر: ١٦٧٥٦ - انظر التعليق على الأثر السالف رقم: ١٦٧٥٥.
" سعيد بن عمرو السكوني"، شيخ الطبري، ثقة، مضى برقم: ٥٥٦٣، ٦٥٢١، وغيرهما.
و" بقية بن الوليد "، مضى توثيقه، ومن تكلم فيه قريبًا رقم: ١٦٧٤٥.
و" حريز " هو " حريز بن عثمان "، سلف في الأثر السالف، ومراجعه هناك، وكان في المطبوعة هنا " جرير " أيضًا، والمخطوطة غير منقوطة.
و" عبد الرحمن بن ميسرة الحضرمي "، أبو سلمة الحمصي، ثقة، لأن أبا داود قال: و "أبو راشد الحبراني الحميري الحمصي"، تابعي ثقة. لم يرو عنه غير "حريز". مترجم في التهذيب، والكنى للبخاري: ٣٠.
وهذا الخبر رواه ابن سعد في الطبقات ٣ ١ ١١٥، من طريق يزيد بن هارون، عن حريز بن عثمان (وفي الطبقات: جرير، وهو خطأ كما بينت).
ورواه الحاكم في المستدرك من طريق: بقية بن الوليد، عن حريز بن عثمان (وفيه: جرير، وهو خطأ).
وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٧: ٣٠، وقال: " رواه الطبراني، وفيه بقية بن الوليد، وفيه ضعف، وقد وثق. وبقية رجاله ثقات ".
قلت: قد تبين من التخريج أنه رواه عن " حريز"، " يزيد بن هارون "، وهو ثقة روى له الجماعة، كما سلف مرارًا.
هذا، وقد جاء في مجمع الزوائد "سورة البعوث"، وانظر ما كتبته آنفا في ص: ٢٦٥، تعليق: ٣، وص: ٢٦٥، تعليق: ٦.
ويدخل في "الثقال"، كل من كان بخلاف ذلك، من ضعيف الجسم وعليله وسقيمه، ومن مُعسِرٍ من المال، ومشتغل بضيعة ومعاش، ومن كان لا ظهرَ له ولا ركاب، والشيخ وذو السِّن والعِيَال.
فإذ كان قد يدخل في "الخفاف" و"الثقال" من وصفنا من أهل الصفات التي ذكرنا، ولم يكن الله جل ثناؤه خصَّ من ذلك صنفًا دون صنف في الكتاب، ولا على لسان الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا نَصَب على خصوصه دليلا وجب أن يقال: إن الله جل ثناؤه أمر المؤمنين من أصحاب رسوله بالنفر للجهاد في سبيله خفافًا وثقالا مع رسوله صلى الله عليه وسلم، على كل حال من أحوال الخفّة والثقل.
* * *
١٦٧٥٧- حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا إسرائيل، عن سعيد بن مسروق، عن مسلم بن صبيح قال: أول ما نزل من "براءة": (انفروا خفافًا وثقالا).
١٦٧٥٩- حدثنا الحارث قال، حدثنا القاسم قال، حدثنا حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد قال: إن أول ما نزل من "براءة": (لقد نصركم الله في مواطن كثيرة)، قال: يعرِّفهم نصره، ويوطِّنهم لغزوة تَبُوك.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى: (وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره للمؤمنين به وبرسوله من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: (جاهدوا)، أيها المؤمنون، الكفارَ = (بأموالكم)، فأنفقوها في مجاهدتهم على دين الله الذي شرعه لكم، حتى ينقادوا لكم فيدخلوا فيه طوعًا أو كرهًا، أو يعطوكم الجزية عن يدٍ صَغَارًا، إن كانوا أهل كتابٍ، أو تقتلوهم (١) = (وأنفسكم)، يقول: وبأنفسكم، فقاتلوهم بأيديكم، يخزهم الله وينصركم عليهم = (ذلكم خير لكم)، يقول: هذا الذي آمركم به من النفر في سبيل الله تعالى خفافًا وثقالا وجهادِ أعدائه بأموالكم وأنفسكم، خيرٌ لكم من التثاقل إلى الأرض إذا استنفرتم، والخلودِ إليها، والرضا بالقليل من متاع الحياة الدنيا عِوضًا من الآخرة = إن كنتم من أهل العلم بحقيقة ما بُيِّن لكم من فضل الجهاد في سبيل الله على القعود عنه.
* * *
= وتفسير " سبيل الله " فيما سلف من فهارس اللغة (سبل).