التفسير البسيط — الواحدي

عن الكتاب
فذكر زيدًا مرتين ولم يكن عنه في الثانية، والكناية وجه الكلام (١).
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾، قال ابن عباس: عزيز في ملكه، حكيم في خلقه (٢).
وقال ابن كيسان: عزيز في انتقامه من أهل الكفر، حكيم في تدبيره خلقه (٣).
٤١ - قوله تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ الآية، اختلفوا في تفسير الخفاف والثقال، فقال ابن عباس في رواية عطاء: شبانا وكهولاً (٤)، وهو قول أنس والضحاك ومجاهد وقتادة وعكرمة وشمر بن عطية (٥)، ومقاتل بن
(١) "معاني القرآن" ١/ ٤٣٨ وقد رد النحاس قول الفراء هذا فقال: قرأ الحسن ويعقوب (وكلمةَ الله) بالنصب عطفًا على الأول، وزعم الفراء أن هذا بعيد؛ قال: لأنك تقول: أعتق فلان غلام أبيه، ولا تقول: غلام أبي فلان. قال أبو جعفر: الذي ذكره الفراء لا يشبه الآية، ولكن يشبهها ما أنشده سيبوبه:
لا أرى الموت يسبق الموت شيء..... نغص الموت ذا الغنى والفقيرا
وهذا جيد حسن؛ لأنه لا إشكال فيه، بل يقول النحويون الحذاق: إن في إعادة الذكر في مثل هذا فائدة وهي أن فيه معنى التعظيم، قال الله عز وجل: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (١) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾ [الزلزلة: ١ - ٢] فهذا لا إشكال فيه. "إعراب القرآن" للنحاس ٣/ ٧٥٢.
(٢) لم أعثر على مصدره.
(٣) لم أعثر على مصدر هذا القول، وقد ذكره ابن الجوزي في "تفسيره" ٣/ ٤٤٢، والمؤلف في "الوسيط" ٢/ ٤٩٩ من غير نسبة.
(٤) ذكره ابن أبي حاتم في "تفسيره" ٦/ ١٨٠٢ بغير سند وبصيغة التمريض.
(٥) هو: شمر بن عطية بن عبد الرحمن الأسدي الكاهلي الكوفي، راوٍ صدوق، له أحاديث صالحة، وثقه النسائي وابن معين وغيرهما، توفي بعد سنة ١٠٠ هـ. انظر: "الكاشف" ١/ ٤٩٠، و"تقريب التهذيب" ٢٦٨١ (٢٨٢١)، و"تهذيب التهذيب" ٢/ ١٧٩.
حيان والحسن، هؤلاء قالوا: شبانًا وشيوخًا، وشبانا وشيبًا (١)، وروى عطاء عنه أيضًا: (رجّالة وركبانا) (٢) وهو قول عطية (٣)، وروى طاوس عنه: نشاطًا وغير نشاط (٤)، وروي عنه أيضًا: ﴿خِفَافًا﴾ أهل الميسرة من المال، ﴿وَثِقَالًا﴾: أهل العسرة (٥)، وهو اختيار الزجاج، قال: موسرين ومعسرين (٦).
وعلى العكس من هذا قال أبو صالح: ﴿خِفَافًا﴾ من المال، أي فقراء، ﴿وَثِقَالًا﴾ منه، أي أغنياء (٧)، وهو اختيار الفراء قال: "الخفاف: ذوو العسرة وقلة العيال، والثقال: ذوو العيال والميسرة (٨) ".
قال أهل المعاني: الأولى أن يقال: هذا عام في كل حال، وفي كل أحد؛ لأنه ما من أحد إلا وهو ممن تخف عليه الحركة أو تثقل، فهو ممن
(١) ذكره عنهم جميعًا الثعلبي ٦/ ١١٠ ب، وكذلك -عدا أنس- الإمام ابن جرير ١٠/ ١٣٨، وابن أبي حاتم ٦/ ١٨٠٢.
والجدير بالتنبيه أن في تفسير ابن جرير: بثمر بن عطية، وذكر المحقق أن في اسمه اضطرابًا ولم يهتد للصواب، والصواب: شمر بن عطية، ، كما ذكره الواحدي وابن أبي حاتم والثعلبي، فليصحح.
(٢) ذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" ٣/ ٤٤٢، والمؤلف في "الوسيط" ٢/ ٤٤٩.
(٣) ذكره الثعلبي ٦/ ١١١ أ، والبغوي ٤/ ٥٣.
(٤) رواه ابن جرير ١٠/ ١٣٩، من وراية العوفي وكذلك ابن أبي حاتم ٣/ ١٨٠٣، وذكره الثعلبي ٦/ ١١١ أدون ذكر الراوي عنه.
(٥) ذكره البغوي ٤/ ٥٣ بصيغة التمريض، وكذلك ابن الجوزي في "تفسيره" ٣/ ٤٤٢، والمؤلف في "الوسيط" ٢/ ٤٩٩.
(٦) "معاني القرآن وإعرابه" ٢/ ٤٩٩.
(٧) رواه الثعلبي ٦/ ١١١ أ، وبنحوه ابن جرير ١٠/ ١٣٩، والبغوي ٤/ ٥٣.
(٨) "معاني القرآن" ١/ ٤٣٩.
أمر في هذه الآية بالنفير (١) ألا ترى إلى (٢) ما روي عن أبي أيوب الأنصاري أنه شهد بدرًا ثم لم يتخلف عن غزوة للمسلمين (٣)، وكان يقول: قال الله تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ ولا أجدني إلا خفيفًا أو ثقيلاً (٤)، وقيل للمقداد بن الأسود، وهو يريد الغزو وكان قد كبر وأسن: قد أعذر الله إليك، يعني: في القعود عن (٥) الغزو، فقال: أبت علينا سورة براءة ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ (٦) وروي أيضًا أن أبا طلحة (٧) قرأ هذه الآية فقال لبنيه: جهزوني جهزوني، فقالوا: لقد غزوت مع النبي -صلى الله عليه وسلم- ومع أبي بكر وعمر حتى ماتوا فنحن نغزو عنك، فقال: لا، جهزوني جهزوني (٨)، ما أرى الله إلا يستنفرنا شبانا وشيوخًا (٩).
(١) ذكره المؤلف في "الوسيط" ٢/ ٤٩٩، وبمعناه النحاس في "معاني القرآن الكريم" ٣/ ٢١٢.
(٢) في (ج): (أن).
(٣) بل ذكرت المصادر التالية أن أبا أيوب -رضي الله عنه- تخلف عامًا واحداً، وذكر بعضها أنه ندم على ذلك.
(٤) رواه ابن جرير ١٤/ ١٣٨، والحاكم في "المستدرك"، كتاب "معرفة الصحابة" ٣/ ٤٥٨، وابن سعد في "الطبقات" ٣/ ٢/٤٩.
(٥) في (ج): (في).
(٦) رواه ابن جرير ١٠/ ١٣٩ - ١٤٠، والحاكم في "المستدرك" كتاب: معرفة الصحابة ٣/ ٣٤٩، وقال: صحيح الإسناد، وابن أبي حاتم ٦/ ١٨٠٢.
(٧) هو: زيد بن سهل بن الأسود النجاري الخزرجي، أبو طلحة الأنصاري صاحب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ومن بني أخواله، وأحد أعيان البدريين، واحد النقباء الاثني عشر ليلة العقبة، توفي سنة ٣٤ هـ. انظر: "المعارف" ١٥٤، و"سير أعلام النبلاء" ٢/ ٢٧، و"الإصابة" ١/ ٥٦٦.
(٨) ساقط من (ج) و (م).
(٩) رواه الحاكم في "المستدرك"، كتاب: معرفة الصحابة، ذكر مناقب أبي طلحة =
وهذه الآية مما دل بظاهره على وجوب (١) الجهاد بكل حال، قال عطاء الخراسانى عن ابن عباس في هذه الآية: نسختها ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ [التوبة: ١٢٢] (٢) الآية، وقد ذكرنا في سورة البقرة أن الجهاد كان واجبًا على الأعيان، وهل ذلك يجب (٣) اليوم كما كان يجب؟ ذكرنا الاختلاف فيه في قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦] (٤).
= ٣/ ٣٥٣، وابن حبان في "صحيحه" (الإحسان) كتاب: المناقب، ذكر الموضع الذي مات فيه أبو طلحة، رقم (٧١٨٤) ١٦/ ٥١٢، وابن أبي حاتم في "تفسيره" ٦/ ١٨٠٢، وصححه الحاكم، وقال: على شرط مسلم، وقال الذهبي: على شرط الشيخين.
(١) في (ج): (وجود)، وهو خطأ.
(٢) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" ٦/ ١٨٠٣، والبغوي في "تفسيره" ٤/ ٥٤ بغير سند، والبيهقي في "السنن الكبرى"، كتاب: السير، باب: النفير.. رقم (١٧٩٣٨) ٩/ ٨١ وفي سنده عثمان بن عطاء الخرساني، قال الحافظ ابن حجر في "تقريب التهذيب" ٣٨٥ (٤٥٠٢): (ضعيف. اهـ. وفيه علة أخرى وهي الإرسال؛ فإن عطاء الخرساني لم يسمع من ابن عباس كما في "العبر" ١/ ١٤٠، و"تهذيب التهذيب" ٣/ ٧١، ٧٢، وقد سبق بيان التحقيق في نسخ هذه الآية عند قوله تعالى: ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ﴾.
(٣) في (ي): (وهل يجب ذلك).
(٤) انظر: "النسخة الأزهرية" ١/ ١٣١ أوقد قال في هذا الموضع: اختلف العلماء في حكم هذه الآية، فمذهب عطاء أن المعني بهذا أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خاصة دون غيرهم؛ لأنه قال: كان القتال مع النبي -صلى الله عليه وسلم- فريضة.. وقال بعضهم: كان الجهاد في الابتداء من فرائض الأعيان، ثم صار فرض كفاية، لقوله عز وجل ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ ولو كان القاعد مضيعًا فرضًا ما كان موعوداً بالحسنى، وقال بعضهم: لم يزل الجهاد فرض كفاية، غير أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان إذا استنفرهم تعين عليهم النفير، لوجوب طاعته،.. والإجماع اليوم على أنه من فروض الكفاية، إلا أن =
وقوله تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، قال أهل العلم: هذا يدل على أن الموسر يجب عليه الجهاد بالمال إذا عجز عن الجهاد ببدنه لزمانة (١) أو علة، فوجوب الجهاد بالمال كوجوب الجهاد بالبدن على الكفاية (٢)، وقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ قيل: ذلكم خير لكم من التثاقل إلى الأرض إذا استنفرتم (٣)، وقيل: معناه: أن الخير فيه لا في تركه (٤)، فـ (خير) هاهنا ليس بالذي يصحبه (من)، وليس للتفضيل؛ لأن (خيرًا) (٥) تستعمل بمعنيين: أحدهما (٦) بمعنى: هذا خير من ذاك، والثاني أنه بمعنى: خير في نفسه، كقوله: ﴿إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص: ٢٤]: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ﴾ [العاديات: ٨] ومثله كثير.
=أن يدخل المشركون ديار المسلمين فإنه يتعين على كافة المسلمين إلى أن يقوم بكفايتهم من يصرف وجوههم.
(١) الزمانة: العاهة والبلوى، انظر: "القاموس المحيط"، فصل الزاي، باب: النون ص ١٢٠٣، و"مختار الصحاح" (ز م ن) ص ٢٧٥.
(٢) انظر: "تفسير ابن الجوزي" ٣/ ٤٤٣، والرازي ١٦/ ٧٠ - ٧١، والخازن ٢/ ٢٢٨، و"حاشية الروض المربع" ٤/ ٢٥٦، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: والعاجز عن الجهاد بنفسه يجب عليه الجهاد بماله في أصح قولي العلماء.. فإن الله أمر بالجهاد بالمال والنفس في غير موضع من القرآن، و"مجموع فتاوى شيخ الإسلام" ٢٨/ ٨٧.
(٣) هذا قول ابن جرير، انظر "تفسيره" ١٠/ ١٤٠.
(٤) ذكر هذا القول الماوردي في "النكت والعيون" ٢/ ٣٦٦، وابن الجوزي في "زاد المسير" ٣/ ٤٤٤.
(٥) في (ج): (ص).
(٦) في (ج): (أحد).

تفسير هذه الآية من كتب أخرى