الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿لَوْ كَانَ عَرَضاً﴾ : اسمُ كان ضميرٌ يعود على دل عليه السِّياق، أي : لو كان ما دعوتُهم إليه. وقرأ عيسى بن عمر والأعرج " بَعِدَت " بكسر العين. وقرأ عيسى " الشِّقَّة " بكسر الشين أيضاً. قال أبو حاتم :" هما لغةُ تميم ".
والشُّقَّة : الأرض التي يُشَقُّ اشتقاقاً مِنَ الشِّق أو المَشَقَّة.
قوله :﴿بِاللَّهِ﴾ متعلقٌ ب " سَيَحْلِفُون "، وقال الزمخشري :" بالله " متعلقٌ ب " سَيَحْلِفُون "، أو هو من جملة كلامهم، والقولُ مرادٌ في الوجهين، أي : سيَحْلِفون، يعني المتخلِّفين عند رجوعِك متعذِّرين يقولون : باللَّهِ لو استطعنا، أو وسَيحلفون بالله يقولون : لو اسْتَطَعْنا، وقوله " لَخَرَجْنا " سدَّ مَسَدَّ جواب القسم و " لو " جميعاً ". قال الشيخ :" قوله : لخَرَجْنا سدَّ مَسَدَّ جوابِ القسم و " لو " جميعاً ليس بجيد، بل للنحويين في نحو هذا مذهبان، أحدُهما : أنَّ " لَخَرَجْنا " جواب القسم، وجوابُ " لو " محذوفٌ على قاعدة اجتماع القسم والشرط، إذ تقدَّم القسم على الشرط، وهذا اختيارٌ أبي الحسن ابن عصفور. والآخر : أنَّ " لَخَرَجْنا " جوابُ " لو "، و " لو " وجوابها جواب القسم، وهذا اختيارُ ابنِ مالك، أمَّا أنَّ " لَخَرَجْنا " سادٌّ مَسَدَّهما فلا أعلمُ أحداً ذَهَبَ إلى ذلك. ويحتمل أن يُتَأول كلامُه على أنَّه لمَّا حُذِف جواب " لو " ودَلَّ عليه جوابُ القسم جُعِل كأنه سَدَّ مَسَدَّ جوابِ القسم وجوابِ لو ".
وقرأ الأعمش وزيد بن علي " لوُ اسْتَطَعْنا " بضم الواو، كأنهما فرَّا من الكسرة على الواو، وإن كان الأصلَ، وشبَّها واوَ " لو " بواو الضمير كما شبَّهوا واوَ الضمير بواو " لو "، حيث كسَرُوها نحو ﴿اشْتَرُواْ الضَّلاَلَةَ﴾ [البقرة: ١٦] لالتقاء الساكنين. وقرأ الحسن " اشْتَرَوا الضلالة "، و " لوَ استطعنا " بفتح الواو تخفيفاً.
قوله :﴿يُهْلِكُونَ﴾ في هذه الجملةِ ثلاثةُ أوجه، أحدها : أنها حالٌ من فاعل " سَيَحْلِفُون "، أي : سَيَحْلفون مُهْلِكين أنفسَهم. والثاني : أنها بدلٌ من الجملةِ قبلها وهي " سَيَحْلِفون ". الثالث : أنها حالٌ من فاعل " لَخَرَجْنا ". وقد ذكر الزمخشري هذه الأوجه الثلاثة، فقال :" يُهْلِكون : إمَّا أنَ يكونَ بدلاً من " سيحلفون " أو حالاً بمعنى مُهْلكين. والمعنى : أنهم يُوْقِعُون في الهلاكِ أنفسَهم بحلفهم الكاذب. ويحتمل أن يكونَ حالاً من فاعل " خَرَجْنا "، أي : لَخَرَجْنا وإنْ أهلكْنا أنفسنا. وجاء بلفظ الغائب لأنه مُخْبِرٌ عنهم، ألا ترى أنه لو قيل : سَيَحْلِفون بالله لو استطاعوا لخرجوا لكان سديداً، يقال : حَلَفَ بالله ليفعلن ولأفعلن، فالغيبةُ على حكم الإِخبار، والتكلمُ على الحكاية ".
قال الشيخ :" أمَّا كونُ " يُهْلِكون " بدلاً مِنْ " سَيَحْلِفون " فبعيدٌ ؛ لأنَّ الإِهلاكَ ليس مُرادِفاً للحَلف ولا هو نوع منه، ولا يُبدل فِعْلٌ من فعل إلا إنْ كان مرادفاً له أو نوعاً منه " قلت : يَصِحُّ البدل على معنى أنه بدلُ اشتمال ؛ وذلك لأنَّ الحَلْفَ سببٌ للإِهلاك فهو مشتملٌ عليه، فأبدل المُسَبَّب مِنْ سببِه لاشتمالِه عليه، وله نظائرُ كثيرةٌ منها قولُه :
٢٤٨٧ إنَّ عليَّ اللَّهَ أن تُبايعاتُؤْخَذَ كَرْهاً أو تجيءَ طائعاً
ف " تُؤْخَذ " بدلٌ مِنْ " تبايع " بدلُ اشتمالٍ بالمعنى المذكور، وليس أحدهما نوعاً من الآخر. ثم قال الشيخ :" وأمَّا كونُه حالاً من قوله " لخرجنا " [ فالذي يظهرُ أن ذلك لا يجوز لأنَّ قولَه " لخَرَجْنا " ] فيه ضمير المتكلم، فالذي يجري عليه إنما يكون بضمير المتكلم، فلو كان حالً من فاعل " لخَرَجنا " لكان التركيبُ : نُهْلك أنفسنا أي مهلكي أنفسنا. وأمَّا قياسُه ذلك على " حَلَفَ زيد ليفعلن " و " لأفعلنَّ " فليس بصحيحٍ ؛ لأنَّه إذا أَجْراه على ضمير الغيبة لا يَخْرُجُ منه إلى ضمير المتكلم، لو قلت :" حَلَفَ زيد ليفعلن وأنا قائم " على أن يكون " وأنا قائم " حالاً من ضمير " ليفعلن " لم يجز، وكذا عكسُه نحو :" حَلَفَ زيدٌ لأفعلن يقوم " تريد : قائماً لم يجز. وأمَّا قولُه " وجاء به على لفظِ الغائب لأنه مُخْبَرٌ عنهم " فمغالطة، ليس مخبراً عنهم بقوله ﴿لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا﴾، بل هو حاكٍ لفظَ قولِهم. ثم قال :" ألا ترى لو قيل : لو استطاعوا لخرجوا لكان سديداً إلى آخره " كلامٌ صحيحٌ لكنه تعالى لم يقل ذلك إخباراً عنهم، بل حكايةُ، والحالُ من جملةِ كلامِهم المحكيّ، فلا يجوزُ/ أن يخالفَ بين ذي الحال وحالِه لاشتراكهما في العامل. لو قلت :" قال زيد خرجت يضرب خالداً " تريد : اضرب خالداً، لم يجز. ولو قلت :" قالت هند : خرج زيد اضربْ خالداً " تريد : خرج زيد ضارباً خالداً لم يجز " انتهى.
الرابع : أنها جملةٌ استئنافيةٌ أخبر الله عنهم بذلك.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى