غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري
عن الكتاب
القراءات :﴿وكلمة الله﴾ بالنصب : يعقوب. الباقون : بالرفع.
الوقوف :﴿إلى الأرض﴾ ط ﴿من الآخرة﴾ ط ﴿قليل﴾ ه ﴿شيئا﴾ ط ﴿قدير﴾ ه ﴿معنا﴾ ج لعطف ﴿أنزل﴾ على ﴿نصره﴾ مع عوارض الظروف. ﴿السفلى﴾ ط إلا لمن قرأ ﴿وكلمة﴾ بالنصب ﴿العليا﴾ ط ﴿حكيم﴾ ه ﴿في سبيل الله﴾ ط ﴿تعلمون﴾ ه ﴿الشقة﴾ ط ﴿معكم﴾ ج لاحتمال ما بعده الاستئناف والحال. ﴿أنفسهم﴾ ج لواو الابتداء والحال. ﴿لكاذبون﴾ ه ﴿عنك﴾ ج لحق الاستفهام مع اتصال الكلام معنى. ﴿الكاذبين﴾ ه ﴿وأنفسهم﴾ ط ﴿بالمتقين﴾ ه ﴿يتردّدون﴾ ه ﴿القاعدين﴾ ه ﴿الفتنة﴾ ج لاحتمال ما بعده الاستئناف والحال ﴿لهم﴾ ط ﴿بالظالمين﴾ ﴿كارهون﴾ ه ﴿ولا تفتني﴾ ط ﴿سقطوا﴾ ط ﴿بالكافرين﴾ ه.
ثم نزل في المتخلفين عن غزوة تبوك من المنافقين ﴿لو كان عرضاً قريباً﴾ قال الزجاج : أي لو كان المدعو إليه فحذف لدلالة ما تقدم عليه. والعرض ما عرض لك من منافع الدنيا ومنه قولهم : الدنيا عرض حاضر يأكل منه البر والفاجر، والمراد بالقرب سهولة مأخذه ﴿وسفراً قاصداً﴾ أي وسطاً بين القرب والبعد وكل متوسط بين الإفراط والتفريط فهو قاصد أي ذو قصد لأن كل أحد يقصده. والشقة المسافة الشاقة الشاطة، ووصف المسافة البعيدة بالبعد مبالغة نحو جد جدّة. وفحوى الكلام لو كانت المنافع قريبة الحصول والسفر وسطاً ﴿لاتبعوك﴾ طمعاً في الفوز بتلك المنافع ولكن طال السفر فكانوا كالآيسين من الفوز بالغنيمة. ثم أخبر أنه سيجدهم إذا رجع من الجهاد يحلفون بالله إما ابتداء على طريق إقامة العذر وإما عندما يعاتبهم بسبب التخلف وقد وقع كما أخبر فكان معجزاً. و﴿بالله﴾ متعلق ب ﴿سيحلفون﴾ أو هو من جملة كلام المتخلفين والقول مقدر في الوجهين أي سيحلفون بالله قائلين ﴿لو استطعنا﴾ وقوله ﴿لخرجنا﴾ سادّ مسدّ جوابي القسم ولو جميعاً. قيل : في الآية دلالة على أن قوله ﴿انفروا﴾ خطاب للمستطيعين وإلا لما أمكنهم جعل عدم الاستطاعة عذراً في التخلف. قال الجبائي : فيها دليل على أن الاستطاعة قبل الفعل وإلا لما كذبهم الله تعالى، فإن لم من يخرج إلى القتال لم يكن مستطيعاً للقتال عند من يجعل الاستطاعة مع الفعل. وقال الكعبي : زائداً عليه فإن قيل : لم لا يجوز أن يراد أنهم ما كان لهم زاد ولا راحلة ولا يراد نفس القدرة ؟ قلنا إن من لا راحلة له يعذر في ترك الخروج فمن لا قدرة له أولى. وأيضاً الظاهر من الاستطاعة قوة البدن وإذا أريد به المال فلأنه يعين على ما يفعله الإنسان بقوة البدن. وأجيب بأن المعتزلة سلموا أن القدرة على الفعل لا تتقدم الفعل إلا بوقت واحد فإن الإنسان الجالس في مكان لا يكون قادراً في هذا الزمان على أن يفعل فعلاً في مكان بعيد عنه وإنما يقدر على فعله في المكان الملاصق لمكانه. فالقوم الذين تخلفوا ما كانوا قادرين على القتال عندنا وعندهم فيلزمهم ما ألزموه علينا فوجب المصير إلى تفسير الاستطاعة بالزاد والراحلة فيسقط السؤال. ولقائل أن يقول : إنهم وإن كانوا غير قادرين على القتال إلا أنهم كانوا قادرين على الاشتغال بأسباب القتال فيعود السؤال. قال في الكشاف ﴿يهلكون﴾ بدل من ﴿سيحلفون﴾ أو حال أي يوقعونها في الهلاك بحلفهم الكاذب، أو حال من ضمير ﴿خرجنا﴾ أي لخرجنا معكم وإن ألقينا أنفسنا في التهلكة. وإنما جاء به على لفظ الغائب لأنه مخبر عنهم. حلف بالله ليفعلن أو لأفعلن فالغيبة على الإخبار والتكلم على الحكاية. قلت : وفي الوجه الأخير نظر للزوم بناء أول الكلام على التكلم وآخره على الغيبة، ولعل الصحيح حينئذ أن لو قيل : لخرجنا معكم نهلك أنفسنا والله تعالى أعلم.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: التأويل : أيها الأرواح والقلوب المؤمنة ما مصيبتكم وبلواكم إذ قيل لكم بالإلهام الرباني اخرجوا من الدنيا وما فيها في طلب والسير إليه، أثاقلتم إلى أرض الدنيا وشهواتها. ﴿إلا تنفروا﴾ من سجن الدنيا وقيود شهواتها ﴿يعذبكم عذاباً أليماً﴾ باستيلاء ظلمات الصفات النفسانية وغلبات الأوصاف السبعية والشيطانية وبألم البعد عن الحضرة الربانية ﴿ويستبدل قوماً غيركم﴾ من الأرواح والقلوب العاشقة الصادقة بل من العقول الكاملة المفارقة ﴿إلا تنصروه﴾ والرسول الوارد الرباني ﴿فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا﴾ أي النفوس الأمارة الكافرة من أرض القبول. ﴿ثاني اثنين﴾ ثاني النفس الملهمة ﴿إذ هما في﴾ غار العدم. ﴿وكلمة الله هي العليا﴾ بجعل النفس المطمئنة بجذبة ﴿ارجعي﴾ { الفجر : ٢٨ ] واصلة إلى مقام العنديه { انفروا } أيها الطلاب ﴿خفافاً﴾ مجردين من علائق الأهل والأولاد والأموال ﴿وثقالاً﴾ متلبسين بها، أو ﴿خفافاً﴾ مجذوبين بالعناية ﴿وثقالاً﴾ سالكين بالهداية ﴿وجاهدوا﴾ بقدمي بذل الأموال والأنفس. وقدّم إنفاق المال لأن بذل النفس مع بقاء صفاتها الذميمة غير معتبر، ومن صفاتها الذميمة الحرص على الدنيا والبخل بها ذلكم خير لكم لأن الحاصل من المال ومن النفس الوزر والوبال. والحاصل من الطلب الوصول والوصال ﴿لو كان﴾ مطلوبك يا محمد ﴿عرضاً قريباً﴾ هو الدنيا ونعيمها ﴿وسفراً قاصداً﴾ هو تتبع شهوات النفس وهواها ﴿لاتبعوك ولكن بعدت عليهم الشقة﴾ لأنها الخروج من الدنيا والعقبى. ﴿وسيحلفون﴾ يعني أرباب النفوس ﴿لخرجنا معكم﴾ يا أهل القلوب. ﴿عفا الله عنك﴾ قدم العفو على العتاب تحقيقاً لقوله ﴿ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر﴾ { الفتح : ٢ ] { فهم في ريبهم يترددون } بين أوصافهم الذميمة النفسانية والحيوانية بلا داعية لخروج إلى الأنوار الروحانية ﴿لأعدوا له عدة﴾ وهي متابعة الأنبياء ﴿فثبطهم﴾ حبسهم في سجن البشرية ﴿ما زادوكم إلاَّ خبالاً﴾ فيه إشارة إلى أن قعود أهل الطبيعة في حبس البشرية صلاح لأرباب القلوب وأصحاب السلوك لأنهم لو خرجوا لا عن نية صادقة وعزيمة صالحة ما زادوهم إلا تشويشاً وتفرقة لأقوالهم وأفعالهم وأحوالهم. ﴿لقد ابتغوا الفتنة من قبل﴾ يعني أن صفات النفس قبل البلوغ كانت تستخدم الروح في شهواتها ﴿حتى جاء الحق﴾ وهو العقل القابل لأوامر الشرع ﴿وظهر أمر الله﴾ وهو التكليف ﴿ومنهم﴾ أي من صفات النفس ﴿من يقول﴾ وهو الهوى ﴿ائذن لي﴾ في القعود عن الارتقاء في مدارج المعارف والمشارع ﴿ولا تفتني﴾ يا روح بتكليفي ما ليس من شأني. وذلك أن الهوى مركب المحبة تستعمله الروح في تصاعده إلى ذروة الكمال والوصال. ﴿ألا في الفتنة سقطوا﴾ أي إن فتنة الهبوط هي الفتنة بالحقيقة ﴿وإن جهنم﴾ البعد والقطيعة من لوازم كفار النفس وصفاتها أعاذنا الله منها.
الوقوف :﴿إلى الأرض﴾ ط ﴿من الآخرة﴾ ط ﴿قليل﴾ ه ﴿شيئا﴾ ط ﴿قدير﴾ ه ﴿معنا﴾ ج لعطف ﴿أنزل﴾ على ﴿نصره﴾ مع عوارض الظروف. ﴿السفلى﴾ ط إلا لمن قرأ ﴿وكلمة﴾ بالنصب ﴿العليا﴾ ط ﴿حكيم﴾ ه ﴿في سبيل الله﴾ ط ﴿تعلمون﴾ ه ﴿الشقة﴾ ط ﴿معكم﴾ ج لاحتمال ما بعده الاستئناف والحال. ﴿أنفسهم﴾ ج لواو الابتداء والحال. ﴿لكاذبون﴾ ه ﴿عنك﴾ ج لحق الاستفهام مع اتصال الكلام معنى. ﴿الكاذبين﴾ ه ﴿وأنفسهم﴾ ط ﴿بالمتقين﴾ ه ﴿يتردّدون﴾ ه ﴿القاعدين﴾ ه ﴿الفتنة﴾ ج لاحتمال ما بعده الاستئناف والحال ﴿لهم﴾ ط ﴿بالظالمين﴾ ﴿كارهون﴾ ه ﴿ولا تفتني﴾ ط ﴿سقطوا﴾ ط ﴿بالكافرين﴾ ه.
ثم نزل في المتخلفين عن غزوة تبوك من المنافقين ﴿لو كان عرضاً قريباً﴾ قال الزجاج : أي لو كان المدعو إليه فحذف لدلالة ما تقدم عليه. والعرض ما عرض لك من منافع الدنيا ومنه قولهم : الدنيا عرض حاضر يأكل منه البر والفاجر، والمراد بالقرب سهولة مأخذه ﴿وسفراً قاصداً﴾ أي وسطاً بين القرب والبعد وكل متوسط بين الإفراط والتفريط فهو قاصد أي ذو قصد لأن كل أحد يقصده. والشقة المسافة الشاقة الشاطة، ووصف المسافة البعيدة بالبعد مبالغة نحو جد جدّة. وفحوى الكلام لو كانت المنافع قريبة الحصول والسفر وسطاً ﴿لاتبعوك﴾ طمعاً في الفوز بتلك المنافع ولكن طال السفر فكانوا كالآيسين من الفوز بالغنيمة. ثم أخبر أنه سيجدهم إذا رجع من الجهاد يحلفون بالله إما ابتداء على طريق إقامة العذر وإما عندما يعاتبهم بسبب التخلف وقد وقع كما أخبر فكان معجزاً. و﴿بالله﴾ متعلق ب ﴿سيحلفون﴾ أو هو من جملة كلام المتخلفين والقول مقدر في الوجهين أي سيحلفون بالله قائلين ﴿لو استطعنا﴾ وقوله ﴿لخرجنا﴾ سادّ مسدّ جوابي القسم ولو جميعاً. قيل : في الآية دلالة على أن قوله ﴿انفروا﴾ خطاب للمستطيعين وإلا لما أمكنهم جعل عدم الاستطاعة عذراً في التخلف. قال الجبائي : فيها دليل على أن الاستطاعة قبل الفعل وإلا لما كذبهم الله تعالى، فإن لم من يخرج إلى القتال لم يكن مستطيعاً للقتال عند من يجعل الاستطاعة مع الفعل. وقال الكعبي : زائداً عليه فإن قيل : لم لا يجوز أن يراد أنهم ما كان لهم زاد ولا راحلة ولا يراد نفس القدرة ؟ قلنا إن من لا راحلة له يعذر في ترك الخروج فمن لا قدرة له أولى. وأيضاً الظاهر من الاستطاعة قوة البدن وإذا أريد به المال فلأنه يعين على ما يفعله الإنسان بقوة البدن. وأجيب بأن المعتزلة سلموا أن القدرة على الفعل لا تتقدم الفعل إلا بوقت واحد فإن الإنسان الجالس في مكان لا يكون قادراً في هذا الزمان على أن يفعل فعلاً في مكان بعيد عنه وإنما يقدر على فعله في المكان الملاصق لمكانه. فالقوم الذين تخلفوا ما كانوا قادرين على القتال عندنا وعندهم فيلزمهم ما ألزموه علينا فوجب المصير إلى تفسير الاستطاعة بالزاد والراحلة فيسقط السؤال. ولقائل أن يقول : إنهم وإن كانوا غير قادرين على القتال إلا أنهم كانوا قادرين على الاشتغال بأسباب القتال فيعود السؤال. قال في الكشاف ﴿يهلكون﴾ بدل من ﴿سيحلفون﴾ أو حال أي يوقعونها في الهلاك بحلفهم الكاذب، أو حال من ضمير ﴿خرجنا﴾ أي لخرجنا معكم وإن ألقينا أنفسنا في التهلكة. وإنما جاء به على لفظ الغائب لأنه مخبر عنهم. حلف بالله ليفعلن أو لأفعلن فالغيبة على الإخبار والتكلم على الحكاية. قلت : وفي الوجه الأخير نظر للزوم بناء أول الكلام على التكلم وآخره على الغيبة، ولعل الصحيح حينئذ أن لو قيل : لخرجنا معكم نهلك أنفسنا والله تعالى أعلم.