محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي

عن الكتاب
ثم صرف تعالى الخطاب عن المتخلفين، ووجه إلى رسول الله ﷺ، معددا لما صدر عنهم من الهنات قولا وفعلا، مبينا لدناءة همهم في هذا الخطب، فقال سبحانه :
٤٢ ﴿لو كان عرضا قريبا وسفرا فاسدا لاتبعوك ولكن بعدت عليهم الشقة وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم يهلكون أنفسهم والله يعلم إنهم لكاذبون﴾.
﴿لو كان﴾ أي ما تدعوهم إليه ﴿عرضا قريبا﴾ أي نفعا سهل المأخذ ﴿وسفرا قاصدا﴾ أي وسطا ﴿لاتبعوك﴾ أي لا لأجلك، بل لموافقة أهوائهم ﴿ولكن بعدت عليهم الشقة﴾ بضم الشين وقرئ بكسرها، أي الناحية التي ندبوا إليها، وسميت الناحية التي يقصدها المسافر بذلك، للمشقة التي تلحقه في الوصول إليها، وقرئ ﴿بعدت﴾ بكسر العين، قال الشهاب : بعِد يبعَد كعلم يعلم، لغة فيه، لكنه اختص ببعد الموت غالبا. و( لا تبعد ) يستعمل في المصائب للتفجع والتحسر كقوله (١) :
لا يُبعد الله إخوانا لنا ذهبواأفناهم حدثانُ الدهرِ والأبدُ
﴿وسيحلفون﴾ أي هؤلاء المتخلفون عن غزوة تبوك ﴿بالله﴾ متعلق ب ﴿سيحلفون﴾ أو هو من جملة كلامهم، والقول مراد في الوجهين أي سيحلفون عند رجوعك من غزوة تبوك، معتذرين بالعجز يقولون بالله ﴿لو استطعنا لخرجنا معكم﴾ أي إلى تلك الغزوة.
ثم بين تعالى أن هذه الدعوى الكاذبة والحلف لا يفيدانهم بقوله سبحانه :﴿يهلكون أنفسهم﴾ أي بهذا الحلف والمخالفة ودعوى العجز ﴿والله يعلم إنهم لكاذبون﴾ لأنهم كانوا يستطيعون الخروج مع رسول الله ﷺ.
١ لم يعرف قائله الحماسية رقم ٢٩٨..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى