فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
ثم بين سبحانه السبب المانع من قبول نفقاتهم فقال :﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نفقاتهم إِلا أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بالله وَبِرَسُولِهِ﴾ أي : كفرهم بالله وبرسوله جعل المانع من القبول ثلاثة أمور : الأوّل : الكفر، الثاني : أنهم لا يصلون في حال من الأحوال إلا في حال الكسل والتثاقل ؛ لأنهم لا يرجون ثواباً ولا يخافون عقاباً، فصلاتهم ليست إلا رياء للناس وتظهّراً بالإسلام الذي يبطنون خلافه، والثالث : أنهم لا ينفقون أموالهم إلا وهم كارهون، ولا ينفقونها طوعاً لأنهم يعدّون إنفاقها وضعا لها في مضيعة لعدم إيمانهم بما وعد الله ورسوله.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن أبي حاتم، عن جابر بن عبد الله، قال : جعل المنافقون الذين تخلفوا بالمدينة يخبرون عن النبي ﷺ أخبار السوء يقولون : إن محمداً وأصحابه قد جهدوا في سفرهم وهلكوا، فبلغهم تكذيب حديثهم وعافية النبيّ ﷺ وأصحابه، فساءهم ذلك فأنزل الله ﴿إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ﴾ الآية. وأخرج سنيد، وابن جرير، عن ابن عباس ﴿إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ﴾ يقول : إن يصبك في سفرك هذه الغزوة تبوك حسنة تسؤهم قال : الجد وأصحابه، يعني : الجد بن قيس.
وأخرج أبو الشيخ، عن السديّ :﴿قُل لَن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ الله لَنَا﴾ قال : إلا ما قضى الله لنا. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس، قال :﴿هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلا إِحْدَى الحسنيين﴾ قال : فتح أو شهادة. وأخرج ابن المنذر، عن ابن جريج، في قوله :﴿أَوْ بِأَيْدِينَا﴾ قال : القتل بالسيوف. وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس، قال : قال الجد بن قيس : إني إذا رأيت النساء لم أصبر حتى أفتتن ولكن أعينك بمالي، قال : ففيه نزلت :﴿قُلْ أَنفِقُواْ طَوْعاً أَوْ كَرْهاً﴾ الآية.
وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن قتادة، في قوله :﴿فَلاَ تُعْجِبْكَ أموالهم﴾ قال : هذه من تقاديم الكلام، يقول : لا تعجبك أموالهم ولا أولادهم في الحياة الدنيا، إنما يريد الله ليعذبهم بها في الآخرة. وأخرج ابن المنذر، عن ابن عباس، قال : إنما يريد الله ليعذبهم بها في الآخرة. وأخرج ابن أبي حاتم، عن السديّ، في قوله :﴿وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كافرون﴾ قال : تزهق أنفسهم في الحياة الدنيا ﴿وَهُمْ كافرون﴾ قال : هذه آية فيها تقديم وتأخير. وأخرج أبو حاتم، وأبو الشيخ عن الضحاك، في قوله :﴿فَلاَ تُعْجِبْكَ﴾ يقول : لا يغررك ﴿وَتَزْهَقَ﴾ قال : تخرج أنفسهم، قال في الدنيا وهم كافرون. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس، في قوله :﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأَ﴾ الآية قال : الملجأ : الحرز في الجبال، والمغارات : الغيران، والمدّخل : السرب. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن السديّ ﴿وَهُمْ يَجْمَحُونَ﴾ قال : يسرعون.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى