اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي
عن الكتاب
قوله تعالى :﴿فَإِذَا انسلخ الأشهر الحرم﴾ الآية.
قال الليثُ " يقال سلختُ الشهر : إذا خرجت منه ". و " الانسلاخُ " هنا من أحسن الاستعارات، وقد بيَّن ذلك أبو الهيثم، فقال :" يقال : أهْللنا شهر كذا، أي : دخلنا فيه، فنحنُ نزداد كلَّ ليلةٍ منه إلى مضيِّ نصفه لباساً، ثم نسلخه عن أنفسنا جزءاً فجزءاً إلى أن ينقضي وينسلخ " ؛ وأنشد :[ الطويل ]
والألف واللام في " الأشهر " يجوز أن تكون للعهد، والمراد بها : الأشهرُ المتقدمة في قوله :﴿فَسِيحُواْ فِي الأرض أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ [التوبة: ٢]، والعربُ إذا ذكرت نكرة، ثم أرادت ذكرها ثانياً أتت بضميره ؛ أو بلفظه مُعرَّفاً ب " أل "، ولا يجوز حينئذ أن نصفهُ بصفةٍ تُشْعر بالمغايرة، فلو قيل :" رأيت رجلاً، فأكرمتُ الرَّجل الطَّويل " لمْ تُرد بالثَّاني الأول وإن وصفته بما لا يقتضي المغايرة جاز، كقولك : فأكرمت الرجل المذكور، ومنه هذه الآية، فإنَّ " الأشهر " قد وصفت ب " الحُرُم "، وهي صفةٌ مفهومة من فحوى الكلام فلم تقتض المغايرة، ويجوزُ أن يراد بها غيرُ الأشهر المتقدمة، فلا تكون " أل " للعهد وقد ذكر المفسرون الوجهين.
قالوا : المرادُ بالأشهر الحرم : الأربعة، رجب، وذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم.
وقال مجاهدٌ وابن إسحاق :" هي شهور العهد فمن كان له عهد فعهده أربعة أشهر، ومن لا عهد له فأجله إلى انقضاء المحرم خمسون يوماً(٢) ".
وقيل لها حرم : لأنَّ الله حرَّم فيها على المؤمنين دماء المشركين والتَّعرض لهم.
فإن قيل : هذا القدر بعض الأشهر الحرم، واللهُ تعالى يقول :﴿فَإِذَا انسلخ الأشهر الحرم﴾. قيل : لمَّا كان القدر متصلاً بما مضى أطلق عليه اسم الجمع، ومعناه : مضت المدة المضروبة التي يكون معها انسلاخ الأشهر الحرم.
قوله ﴿فاقتلوا المشركين حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ واحصروهم واقعدوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾.
اعلم أنَّه تعالى أمر بعد انقضاءِ الأشهر الحرم بأربعة أشياء :
أولها : قوله :﴿فاقتلوا المشركين﴾ أي : على الإطلاق في أي وقت كان في الحل أو الحرمِ.
وثانيها :" وَخُذُوهُمْ " أي : أسروهم.
وثالثها :" واحصروهم " والحصر : المنع، أي : امنعوهم من الخروج إن تحصنوا، قاله ابن عباس(٣).
وقال الفرَّاءُ " امنعوهم من دخول مكَّة والتَّصرف في بلاد الشام ".
ورابعها : قوله ﴿واقعدوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾. في انتصاب " كل " وجهان :
أحدهما : أنه منصوبٌ على الظرف المكاني.
قال الزجاج(٤) " نحو : ذهبت مذهباً ". وردَّ عليه الفارسيُّ هذا القول من حيث إنَّه ظرف مكان مختص، والمكانُ المختصُّ لا يصلُ إليه الفعلُ بنفسه بل بواسطة ؛ في نحو : صَلَّيْتُ في الطريق وفي البيت، ولا يصل بنفسه إلاَّ في ألفاظٍ محصورةٍ بعضها ينقاس، وبعضها يسمع، وجعل هذا نظير ما فعل سيبويه في بيت ساعدة :[ الكامل ]
وهو أنَّهُ جعله ممَّا حذف فيه الحرفُ اتِّساعاً، لا على الظرف، لأنه ظرف مكان مختص.
قال أبو حيَّان(٦) " إنه ينتصبُ على الظرف ؛ لأنَّ معنى " واقعُدُوا " لا يراد به حقيقةُ القعود، وإنما يراد : ارصدوهم، وإذا كان كذلك فقد اتفق العامل والظرف في المادة، ومتى أتفقا في المادة لفظاً، أو معنًى، وصل إليه بنفسه، تقول : جلست مجلس القاضي، وقعدت مجلس القاضي، والآيةُ من هذا القبيل ".
والثاني : أنه منصوبٌ على إسقاط حرف الجر، وهو " على "، أي : على كلِّ مرصد قاله الأخفشُ، وجعله مثل قول الآخر :[ الطويل ]
وهذا لا ينقاس، بل يقتصر فيه على السَّماع، كقوله :﴿لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ﴾ [الأعراف: ١٦]، أي : على صراطك، اتفق الكل على تقدير " على "، وقال بعضهم : هو على تقدير الباء، أي : بكل مرصد، نقله أبو البقاء، وحينئذٍ تكون الباء بمعنى " في " فينبغي أن تقدَّر " في " لأنَّ المعنى عليها ؛ وجعله نظير قول الشاعر :[ الوافر ]
و " المَرصد " مفعل من : رصده يرصده، أي : رقبه يرقبه، وهو يصلح للزمان والمكان والمصدر، قال عامر بن الطفيل :[ الكامل ]
والمِرْصَادُ : المكانُ المختص بالترصُّد، والمرصد : يقع على الرَّاصد، سواءً كان مفرداً أم مثنى أم مجموعاً، وكذلك يقع على " المرصُودِ ". وقوله تعالى :﴿فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً﴾ [الجن: ٢٧] يحتمل كلَّ ذلك ؛ وكأنَّهُ في الأصل مصدر، فلذلك التزم فيه الإفرادُ والتذكيرُ.
ومعنى الآية : اقعدوا لهم على كلِّ طريق - والمرصدُ : الموضعُ الذي يرقب فيه العدو يريد : كونُوا لهم رصداً، لتأخذوهم من أي وجه توجهوا.
قوله :﴿فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصلاة وَآتَوُاْ الزكاة فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ﴾ أي : دعوهم ليتصرفوا في أمصارهم، ويدخلوا مكَّة " إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ " لمن تاب " رَحيمٌ " به.
واحتجُّوا بهذه الآية على قتل تارك الصَّلاة ؛ لأنَّ اللهَ تعالى أباح دم الكفَّار مطلقاً ثم حرَّمها عند التوبة، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، فإذا لم توجد الثلاثة، فإباحة الدَّم بحالها.
قال الحسينُ بن الفضلِ :" هذه الآية تنسخ كل آية في القرآن فيها ذكر الإعراض والصَّبر على أذى الأعداء(١٠) ".
قال الليثُ " يقال سلختُ الشهر : إذا خرجت منه ". و " الانسلاخُ " هنا من أحسن الاستعارات، وقد بيَّن ذلك أبو الهيثم، فقال :" يقال : أهْللنا شهر كذا، أي : دخلنا فيه، فنحنُ نزداد كلَّ ليلةٍ منه إلى مضيِّ نصفه لباساً، ثم نسلخه عن أنفسنا جزءاً فجزءاً إلى أن ينقضي وينسلخ " ؛ وأنشد :[ الطويل ]
| إذا مَا سَلخْتُ الشَّهْرَ أهلَلتُ مِثلهُ | كَفَى قَاتِلاً سَلْخِي الشُّهُورَ وإهْلالِي(١) |
قالوا : المرادُ بالأشهر الحرم : الأربعة، رجب، وذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم.
وقال مجاهدٌ وابن إسحاق :" هي شهور العهد فمن كان له عهد فعهده أربعة أشهر، ومن لا عهد له فأجله إلى انقضاء المحرم خمسون يوماً(٢) ".
وقيل لها حرم : لأنَّ الله حرَّم فيها على المؤمنين دماء المشركين والتَّعرض لهم.
فإن قيل : هذا القدر بعض الأشهر الحرم، واللهُ تعالى يقول :﴿فَإِذَا انسلخ الأشهر الحرم﴾. قيل : لمَّا كان القدر متصلاً بما مضى أطلق عليه اسم الجمع، ومعناه : مضت المدة المضروبة التي يكون معها انسلاخ الأشهر الحرم.
قوله ﴿فاقتلوا المشركين حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ واحصروهم واقعدوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾.
اعلم أنَّه تعالى أمر بعد انقضاءِ الأشهر الحرم بأربعة أشياء :
أولها : قوله :﴿فاقتلوا المشركين﴾ أي : على الإطلاق في أي وقت كان في الحل أو الحرمِ.
وثانيها :" وَخُذُوهُمْ " أي : أسروهم.
وثالثها :" واحصروهم " والحصر : المنع، أي : امنعوهم من الخروج إن تحصنوا، قاله ابن عباس(٣).
وقال الفرَّاءُ " امنعوهم من دخول مكَّة والتَّصرف في بلاد الشام ".
ورابعها : قوله ﴿واقعدوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾. في انتصاب " كل " وجهان :
أحدهما : أنه منصوبٌ على الظرف المكاني.
قال الزجاج(٤) " نحو : ذهبت مذهباً ". وردَّ عليه الفارسيُّ هذا القول من حيث إنَّه ظرف مكان مختص، والمكانُ المختصُّ لا يصلُ إليه الفعلُ بنفسه بل بواسطة ؛ في نحو : صَلَّيْتُ في الطريق وفي البيت، ولا يصل بنفسه إلاَّ في ألفاظٍ محصورةٍ بعضها ينقاس، وبعضها يسمع، وجعل هذا نظير ما فعل سيبويه في بيت ساعدة :[ الكامل ]
| لَدْنٌ بِهزِّ الكفِّ يعْسِلُ متنهُ | فيهِ كما عسل الطَّريقَ الثَّعْلَبُ(٥) |
قال أبو حيَّان(٦) " إنه ينتصبُ على الظرف ؛ لأنَّ معنى " واقعُدُوا " لا يراد به حقيقةُ القعود، وإنما يراد : ارصدوهم، وإذا كان كذلك فقد اتفق العامل والظرف في المادة، ومتى أتفقا في المادة لفظاً، أو معنًى، وصل إليه بنفسه، تقول : جلست مجلس القاضي، وقعدت مجلس القاضي، والآيةُ من هذا القبيل ".
والثاني : أنه منصوبٌ على إسقاط حرف الجر، وهو " على "، أي : على كلِّ مرصد قاله الأخفشُ، وجعله مثل قول الآخر :[ الطويل ]
| تَحِنُّ فتبدي مَا بِهَا مِنْ صبابَةٍ | وأخْفِي الذي لَوْلاَ الأسَى لَقَضانِي(٧) |
| نُغَالِي اللَّحْمَ للأَضْيَافِ نَيئاً | ونرخصه إذا نضج القدور(٨) |
| -ولقد علمت وما إخالك ناسيا | أنَّ المنيَّةَ للْفَتَى بالمَرْصَدِ(٩) |
ومعنى الآية : اقعدوا لهم على كلِّ طريق - والمرصدُ : الموضعُ الذي يرقب فيه العدو يريد : كونُوا لهم رصداً، لتأخذوهم من أي وجه توجهوا.
قوله :﴿فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصلاة وَآتَوُاْ الزكاة فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ﴾ أي : دعوهم ليتصرفوا في أمصارهم، ويدخلوا مكَّة " إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ " لمن تاب " رَحيمٌ " به.
واحتجُّوا بهذه الآية على قتل تارك الصَّلاة ؛ لأنَّ اللهَ تعالى أباح دم الكفَّار مطلقاً ثم حرَّمها عند التوبة، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، فإذا لم توجد الثلاثة، فإباحة الدَّم بحالها.
قال الحسينُ بن الفضلِ :" هذه الآية تنسخ كل آية في القرآن فيها ذكر الإعراض والصَّبر على أذى الأعداء(١٠) ".
١ البيت في تهذيب الأزهري ١٧/١٧١ واللسان [سلخ] وتفسير القرطبي ٨/٧٢ والبحر المحيط ٥/١١، والدر المصون ٣/٤٤٣..
٢ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٦/٣١٩) عن ابن إسحاق وذكره البغوي في "تفسيره" (٢/٢٦٩) عن ابن إسحاق ومجاهد..
٣ انظر المصدر السابق..
٤ ينظر: معاني القرآن للزجاج ٢/٤٧٦..
٥ تقدم..
٦ ينظر: البحر المحيط ٥/١٢..
٧ تقدم..
٨ البيت ذكره الفراء في المعاني ٢/٣٨٣ والزجاج ١/١٩١ والأخفش ١/٣٥٠ والأزهري في التهذيب "غلا" واللسان "غلا" والصحاح "غلا" والزمخشري في أساس البلاغة "غلو"..
٩ البيت في ديوان عامر بن الطفيل هكذا:
وهو في ديوانه (ص٥٧) مجاز القرآن ١/٢٥٣ القرطبي ٨/٧٣ البحر المحيط ٥/٥ الدر المصون ٣/٤٤٤ اللسان رصد..
١٠ ذكره البغوي في "تفسيره" (٢/٢٦٩)..
٢ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٦/٣١٩) عن ابن إسحاق وذكره البغوي في "تفسيره" (٢/٢٦٩) عن ابن إسحاق ومجاهد..
٣ انظر المصدر السابق..
٤ ينظر: معاني القرآن للزجاج ٢/٤٧٦..
٥ تقدم..
٦ ينظر: البحر المحيط ٥/١٢..
٧ تقدم..
٨ البيت ذكره الفراء في المعاني ٢/٣٨٣ والزجاج ١/١٩١ والأخفش ١/٣٥٠ والأزهري في التهذيب "غلا" واللسان "غلا" والصحاح "غلا" والزمخشري في أساس البلاغة "غلو"..
٩ البيت في ديوان عامر بن الطفيل هكذا:
| فيئي إليك فلا هوادة بيننا | بعد الفوارس إذ ثووا بالمرصد |
١٠ ذكره البغوي في "تفسيره" (٢/٢٦٩)..