الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب

عن الكتاب
قوله :﴿فإذا انسلخ الاشهر الحرم فاقتلوا المشركين﴾[ ٥ ]، الآية.
قوله :﴿كل مرصد﴾[ ٥ ]، منصوب عند الأخفش على حذف : " على " (١).
وقد حكى سيبويه : ضرب الظهر والبطن (٢)، أي : " على "، فنصب لما حذف " على " (٣).
ونصبه على الظرف حسن، كما تقول : " قعدت له كل مذهب (٤) ".
أي في كل مذهب.
والمعنى : فإذا انقضت الأشهر الحرم عن الذين لا عهد لهم، أو عن الذين كان لهم عهد، فنقضوا وظاهروا المشركين على المسلمين، أو كان عهدهم إلى غير أجل معلوم (٥). ﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾[ ٥ ]، من الأرض، في الحرم، وفي غيره، وفي الأشهر الحرم وفي غيرها (٦). ﴿وخذوهم﴾[ ٥ ]، أي : أسروهم (٧)، والعرب تسمي " الأسير " : أخيذا (٨)، ﴿واحصروهم﴾[ ٥ ]، أي : امنعوهم من التصرف في بلاد المسلمين (٩)، وأصل " الحصر " : المنع ( والحبس ) (١٠)، ﴿واقعدوا لهم كل مرصد﴾[ ٥ ]، أي : طالبوهم في كل طريق (١١). ﴿فإن تابوا﴾[ ٥ ]، أي : رجعوا عن الشرك (١٢)، ﴿وأقاموا الصلاة﴾[ ٥ ]، أي : أدوها بحدودها (١٣)، ﴿وآتوا الزكاة﴾[ ٥ ]، أي : أعطوا ما يجب عليهم في أموالهم/، ﴿فخلوا سبيلهم﴾[ ٥ ] أي : أعطوا ما يجب عليهم في أموالهم/، ﴿فخلوا سبيلهم﴾[ ٥ ] أي : دعوهم يتصرفون [ في أمصاركم ] (١٤)، ويدخلون البيت الحرام (١٥) ﴿إن الله غفور﴾، أي : ساتر ذنوب من رجع وأناب (١٦)، ﴿رحيم﴾[ ٥ ]، أن يعاقبه على ذنوبه السابقة قبل توبته، [ بعد التوبة ] (١٧).
روى أنس عن النبي ﷺ، أنه قال : " من فارق الدنيا على الإخلاص لله عز وجل، وعبادته جلت عظمته، لا يشرك به فارقها والله عنه راض " (١٨).
و﴿الاشهر الحرم﴾، هنا : ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم (١٩).
وأريد في هذا الموضع انسلاخ المحرم وحده ؛ لأن الأذان ب :" براءة " كان يوم الحج الأكبر. فمعلوم أنهم لم يكونوا أُجِّلوا (٢٠) الأشهر [ الحرم (٢١) ] كلها، ولكنه لما كان المحرم متصلا بالشهرين الآخرين (٢٢) الحرامين وكان لهما تاليا (٢٣) قيل :﴿فإذا انسلخ الاشهر الحرم﴾ (٢٤).
وقال السدي :﴿الاشهر الحرم﴾ هنا هي : من يوم النحر إلى عشر خلون من ربيع الآخر (٢٥).
وسميت " حرما " ؛ لأن الله حرم على المؤمنين فيها دماء المشركين، وأذاهم (٢٦).
وقال مجاهد :﴿الاشهر الحرم﴾، هنا هي : الأربعة التي قال الله عز وجل :﴿فسيحوا في الارض أربعة أشهر﴾ (٢٧)[ ٢ ].
وهو قول السدي (٢٨).
ومثله قال ابن زيد، قال : أمر الله سبحانه أن يتركوا أربعة أشهر يسيحون ثم يتبرأ منهم، ثم أمر إذا انسلخت تلك الأشهر الحرم أن يقتلوا حيث وجدوا (٢٩).
وسماها " حُرما " ؛ لأنه حرم قتل المشركين فيها.
وقال الضحاك، والسدي : الآية منسوخة لا يحل قتل أسير صبرا (٣٠)، والذي نسخها هو قوله :﴿(٣١) فإما منا بعد وإما فداء﴾. وهو قول عطاء (٣٢).
وقال قتادة : هذه (٣٣) الآية ناسخة لقوله :﴿فإما منا بعد وإما فداء﴾، ولا يجوز أن يمن على أسير ولا يُفادى، وقد روي مثله عن مجاهد (٣٤).
وقال ابن زيد : وهو الصواب إن شاء الله، [ إن (٣٥) ] الآيتين محكمتان (٣٦).
أمر هنا : أن يؤخذوا (٣٧) إما للقتل، وإما للمن، وإما للفداء، وأمر ثم (٣٨)، إما المن، وإما الفداء، فهما محكمتان، وقد فعل هذا كله رسول الله ﷺ : قتل الأسارى، وفادى ببعض، ومنّ على بعض، وذلك يوم بدر (٣٩).
١ معاني القرآن ١/٣٥٣، بلفظ: "... ، وألقى "على"، وقال الشاعر:
نغالي اللحم للأضياف نيئاونبذله إذا نضج القدور
أراد: نغالي باللحم، وإعراب القرآن للنحاس ٢/٢٠٣، ومعاني القرآن وإعرابه للزجاج٢/٤٣٠، وزاد المسير ٣/٣٩٨، والبحر المحيط ٥/١٢، والدر المصون ٣/٤٤٤، وأورده المؤلف في مشكل إعراب القرآن ١/٣٢٤، من غير عزو..

٢ انظر: الكتاب ١/١٥٨، وفيه: "ضرب زيد الظهر والبطن..."..
٣ إعراب القرآن للنحاس ٢/٢٠٣، وهو مصدر مكي..
٤ إعراب القرآن للنحاس ٢/٢٠٣، وفيه: "جيد"، بدل "حسن"، وهو اختيار الزجاج في معاني القرآن وإعرابه ٢/٤٣١، وخطأه أبو علي الفارسي. انظر: تفسير القرطبي ٨/٤٨، والبحر المحيط ٥/١٢، وفيه الرد على أبي علي، والدر المصون ٣/٤٤٣..
٥ جامع البيان ١٤/١٣٤، بتصرف يسير..
٦ المصدر نفسه..
٧ المصدر نفسه، وتفسير غريب ابن قتيبة ١٨٣..
٨ تفسير غريب ابن قتيبة ١٨٣، من غير: "والعرب تسمي"، وتأويل مشكل القرآن ٥٠٢، باب: اللفظ الواحد للمعاني المختلفة، وينظر: اللسان أخذ.
و"ر": أخذا، وهو تحريف..

٩ جامع البيان ١٤/١٣٤، بتصرف يسير..
١٠ تفسير غريب ابن قتيبة ١٨٣ن مع زيادة للإيضاح، وما بين الهلالين ساقط من "ر"..
١١ في تفسير القرطبي ٨/٤٧، "المرصد: الموضع الذي يُرقب فيه العدو، يقال: رصدت فلانا أرصده"، أي: رقبته، أي: أقعدوا لهم في مواضع الغرة حيث يرصدون".
وفي أحكام ابن العربي ٢/٣٠٢: "قال علماؤنا: في هذا دليل على جواز اغتيالهم قبل الدعوة"، وأضاف أبو حيان في البحر ٥/١٢: "وهذا تنبيه على أن المقصود إيصال الأذى إليهم بكل طريق، وإما بطريق القتل، وإما بطريق الاغتيال. وقد أجمع المسلمون على جواز السرقة من أموال أهل الحرب وإسلال خيلهم وإتلاف مواشيهم إذا عجز عن الخروج بها إلى دار الإسلام، إلا أن يصالحوا على مثل ذلك".
وفي فتح القدير ٢/٣٨٥: "وهذه الآية المتضمنة للأمر بقتل المشركين عند انسلاخ الأشهر الحرم عامة لكل مشرك، ولا يخرج عنها إلا من خصته السنة، وهو المرأة، والصبي، والعاجز الذي لا يقاتل، وكذلك يخصص منها أهل الكتاب الذين يعطون الجزية، على فرض تناول لفظ "المشركين" لهم"..

١٢ جامع البيان ١٤/١٣٤، باختصار..
١٣ جامع البيان ١٤/١٣٤، باختصار..
١٤ زيادة من جامع البيان الذي نقل عنه مكي..
١٥ المصدر نفسه ١٤/١٣٥..
١٦ جامع البيان ١٤/١٣٥..
١٧ زيادة من جامع البيان ١٤/١٣٥، الذي نقل عنه مكي..
١٨ طرف من حديث طويل أخرجه ابن ماجه في كتاب المقدمة، باب: في الإيمان رقم ٦٩..
١٩ جامع البيان ١٤/١٣٤..
٢٠ في المخطوطتين، بالحاء المهملة، وهو تصحيف..
٢١ زيادة من "ر": وجامع البيان الذي نقل عنه مكي..
٢٢ في جامع البيان: "الآخرين قبله"..
٢٣ كذا في المخطوطتين: وفي جامع البيان: "ثالثا" بتائين مثلثتين..
٢٤ جامع البيان ١٤/١٣٤، بتصرف يسير..
٢٥ جامع البيان ١٤/١٣٦، وتفسير ابن أبي حاتم ٦/١٧٥٢، وعزاه إلى قتادة أيضا، والدر المنثور ٤/١٣١، بتصرف وينظر تفسير ابن كثير ٢/٣٣٥..
٢٦ جامع البيان ١٤/١٣٦، بتصرف..
٢٧ جامع البيان ١٤/١٣٧، باختصار، وفيه: "... عن مجاهد وعمرو بن شعيب" وأورده السيوطي في الدر ٤/١٣١. باختصار أيضا..
٢٨ تفسير ابن كثير ٢/٣٣٦، وفتح القدير ٢/٣٨٤..
٢٩ جامع البيان ١٤/١٣٧، باختصار، وينظر تفسير الماوردي ٢/٣٤٠، وتفسير البغوي ٤/١٣، وأحكام ابن العربي ٢/٩٠١، وزاد المسير ٣/٣٩٨، وتفسير ابن كثير ٢/٣٣٦، وفتح القدير ٢/٣٨٤..
٣٠ كل ذي روح يوثق حتى يقتل فقد قتل صبرا، المصباح/صبر..
٣١ محمد: آية ٤، والآية بتمامها: ﴿فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها﴾..
٣٢ الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه ٣٠٩، وزاد نسبته إلى الحسن، وجامع البيان ١٤/١٤٠، من غير عطاء، والمحرر الوجيز ٣/٨، ونواسخ القرآن ٣٥٩، بلفظ: "... قاله الحسن، وعطاء، والضحاك في آخرين"، وتفسير القرطبي ٨/٤٧، وتفسير ابن كثير ٢/٣٣٧، من غير عطاء وفتح القدير ٢/٣٨٥، وينظر الناسخ والمنسوخ لابن العربي ٢/٢٤٦..
٣٣ في "ر": وهذه..
٣٤ الإيضاح ٣٠٩، وجامع البيان ١٤/١٤٠، من غير ذكر مجاهد، ونواسخ القرآن ٣٦٠، والمحرر الوجيز ٣/٨، وتفسير القرطبي ٨/٤٧، وفتح القدير ٢/٣٨٥..
٣٥ زادة من "ر"..
٣٦ الإيضاح ٣٠٩، والمحرر الوجيز ٣/٨، وتفسير القرطبي ٨/٤٧، وفيه: "وهو الصحيح"، وتفسير الثعالبي ٢/١١٧، وفتح القدير ٣/٣٨٥، وينظر: جمع البيان ١٤/١٤٠.
وقال ابن الجوزي في الزاد ٣/٣٩٩: "... هذا قول جابر بن زيد، وعليه عامة الفقهاء، وهو قول الإمام أحمد". انظر نواسخه ٣٦٠..

٣٧ في الأصل: يأخذوا، وهو تحريف..
٣٨ يقصد سورة محمد، وثم تكررت في الأصل، وثمَّ، بفتح الثاء: إشارة إلى المكان. انظر مزيد بيان في اللسان/ثمم..
٣٩ انظر: الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه ٣٠٩، و٤١٣ و٤١٤ والناسخ والمنسوخ لأبي عبيد ٢٠٩، وما بعدها: باب الأسارى، ونواسخ ابن الجوزي ٣٦٠..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى