جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
عن الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى :﴿إِنّمَا الصّدَقَاتُ لِلْفُقَرَآءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللّهِ وَابْنِ السّبِيلِ فَرِيضَةً مّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾.
يقول تعالى ذكره : لا تنال الصدقات إلا للفقراء والمساكين ومن سماهم الله جلّ ثناؤه.
ثم اختلف أهل التأويل في صفة الفقير والمسكين، فقال بعضهم : الفقير : المحتاج المتعفف عن المسألة، والمسكين : المحتاج السائل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا جرير، عن أشعث، عن الحسن : إنّمَا الصّدَقاتُ للفُقَرَاءِ والمَساكِينِ قال : الفقير : الجالس في بيته، والمسكين : الذي يسعى.
حدثني المثنى، قال : حدثنا عبد الله، قال : حدثنا معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله : إنّمَا الصّدَقاتُ للْفُقَرَاءِ والمَساكِينِ قال : المساكين : الطّوافون، والفقراء فقراء المسلمين.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبو أسامة، عن جرير بن حازم، قال : ثني رجل، عن جابر بن زيد، أنه سئل عن الفقراء، قال : الفقراء : المتعففون، والمساكين : الذين يسألون.
حدثنا أحمد بن إسحاق، قال : حدثنا أبو أحمد، قال : حدثنا معقل بن عبيد الله الحراني، قال : سألت الزهري عن قوله : إنّمَا الصّدَقاتُ للْفُقَرَاءِ قال : الذين في بيوتهم لا يسألون، والمساكين : الذين يخرجون فيسألون.
حدثنا الحرث، قال : حدثنا القاسم، قال : حدثنا يحيى بن سعيد، عن عبد الوارث بن سعيد، عن ابن نجيح، عن مجاهد، قال : الفقير الذي لا يسأل، والمسكين : الذي يسأل.
قال : حدثنا يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : إنّمَا الصّدَقاتُ للْفُقَرَاءِ والمَساكِينِ قال : الفقراء الذين لا يسألون الناس وهم أهل حاجة، والمساكين : الذين يسألون الناس.
حدثنا الحرث، قال : ثني عبد العزيز، قال : حدثنا عبد الوارث، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال : الفقراء الذين لا يسألون، والمساكين : الذين يسألون.
وقال آخرون : الفقير هو ذو الزمانة من أهل الحاجة، والمسكين : هو الصحيح الجسم. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة : إنّمَا الصّدَقاتُ للْفُقَرَاءِ والمَساكِينِ قال : الفقير من به زمانة، والمسكين : الصحيح المحتاج.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : إنّمَا الصّدَقاتُ للْفُقَرَاءِ والمَساكِينِ أما الفقير : فالزمن الذي به زمانة، وأما المسكين : فهو الذي ليست به زمانة.
وقال آخرون : الفقراء فقراء المهاجرين، والمساكين : من لم يهاجر من المسلمين وهو محتاج. ذكر من قال ذلك :
حدثنا الحرث، قال : حدثنا عبد العزيز، قال : حدثنا جرير بن حازم، عن عليّ بن الحكم، عن الضحاك بن مزاحم : إنّمَا الصّدَقاتُ للْفُقَرَاءِ قال : فقراء المهاجرين، والمساكين : الذين لم يهاجروا.
١٣٠٨٣قال : حدثنا عبد العزيز، قال : حدثنا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم : إنّمَا الصّدَقاتُ للْفُقَرَاءِ المهاجرين، قال : سفيان : يعني : ولا يعطي الأعراب منها شيئا.
حدثنا ابن وكيع، قال : ثني أبي، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، قال : كان يقال : إنما الصدقة لفقراء المهاجرين.
قال : حدثنا جرير، عن منصور، عن إبراهيم، قال : كانت تجعل الصدقة في فقراء المهاجرين، وفي سبيل الله تعالى.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا يعقوب، عن جعفر، عن سعيد بن جبير وسعيد بن عبد الرحمن بن أبزي، قالا : كان ناس من المهاجرين لأحدهم الدار والزوجة والعبد والناقة يحجّ عليها ويغزو، فنسبهم الله إلى أنهم فقراء، وجعل لهم سهما في الزكاة.
حدثنا أحمد بن إسحاق، قال : حدثنا أبو أحمد، قال : حدثنا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، قال : كان يقال : إنما الصدقات في فقراء المهاجرين، وفي سبيل الله.
وقال آخرون : المسكين : الضعيف الكَسْب. ذكر من قال ذلك :
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال : حدثنا ابن علية، قال : أخبرنا ابن عون، عن محمد، قال : قال عمر : ليس الفقير بالذي لا مال له، ولكن الفقير : الأخْلق الكَسْب. قال يعقوب، قال ابن علية : الأخلق : المُحَارَفُ عندنا.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن أيوب عن ابن سيرين أن عمر بن الخطاب رحمة الله تعالى قال ليس المسكين بالذي لا ماله له ولكن المسكين الإخلاف الكسب وقال بعضهم الفقير من المسلمين والمسكين أهل الكتاب. ذكر من قال ذلك :
حدثني الحرث، قال : حدثنا عبد العزيز، قال : حدثنا عمر بن نافع، قال : سمعت عكرمة في قوله : إنّمَا الصّدَقاتُ للْفُقَرَاءِ والمَساكِينِ قال : لا تقولوا لفقراء المسلمين مساكين، إنما المساكين مساكين أهل الكتاب.
قال أبو جعفر : وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب، قول من قال : الفقير : هو ذو الفقر أو الحاجة ومع حاجته يتعفف عن مسألة الناس والتذلل لهم في هذا الموضع، والمسكين : هو المحتاج المتذلل للناس بمسألتهم. وإنما قلنا إن ذلك كذلك وإن كان الفريقان لم يعطيا إلا بالفقر والحاجة دون الذلة والمسكنة، لإجماع الجميع من أهل العلم أن المسكين إنما يعطى من الصدقة المفروضة بالفقر، وأن معنى المسكنة عند العرب : الذلة، كما قال الله جلّ ثناؤه : وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذّلّةُ وَالمَسْكَنَةُ يعني بذلك الهون، والذلة لا الفقر. فإذا كان الله جلّ ثناؤه قد صنف من قسم له من الصدقة المفروضة قسما بالفقر فجعلهم صنفين، كان معلوما أن كل صنف منهم غير الآخر. وإذ كان ذلك كذلك كان لا شكّ أن المقسوم له باسم الفقير غير المقسوم له باسم الفقر والمسكنة، والفقير المعطى ذلك باسم الفقير المطلق هو الذي لا مسكنة فيه، والمعطى باسم المسكنة والفقر هو الجامع إلى فقره المسكنة، وهي الذلّ بالطلب والمسألة.
فتأويل الكلام إذ كان ذلك معناه : إنما الصدقات للفقراء المتعفف منهم الذي لا يسأل، والمتذلل منهم الذي يسأل، وقد رُوي عن رسول الله ﷺ بنحو الذي قلنا في ذلك خبر.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثنا إسماعيل بن جعفر، عن شريك بن أبي نمر، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة، قال : قال رسول الله ﷺ :«لَيْسَ المِسْكِينُ بالّذِي تَرُدّهُ اللّقْمَةُ وَاللّقْمَتانِ والتّمْرَةُ والتّمْرَتانِ، إنّمَا المسْكِينُ المُتَعَفّفُ اقْرَءُوا إنْ شِئْتُمْ لا يَسْألونُ النّاسَ إلْحافا ».
ومعنى قوله ﷺ :«إنّمَا المِسْكِينُ المُتَعَفّفُ » على نحو ما قد جرى به استعمال الناس من تسميتهم أهل الفقر مساكين، لا على تفصيل المسكين من الفقير. ومما ينبئ عن أن ذلك كذلك، انتزاعه ﷺ لقول الله :«اقرءوا إن شِئتم لا يَسأَلُونَ النّاسَ إلْحافا » وذلك في صفة من ابتدأ الله ذكره ووصفه بالفقر، فقال للْفُقَرَاءِ الّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبا فِي الأرْضِ يَحْسَبُهُمُ الجاهِلُ أغْنِياءَ مِنَ التّعَفّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ لا يَسأَلُونَ النّاسَ إلْحافا.
وقوله : وَالعامِلِينَ عَلَيْها وهم السعاة في قبضها من أهلها، ووضعها في مستحقيها يعطون ذلك بالسعاية، أغنياء كانوا أو فقراء.
وبمثل الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا أحمد بن إسحاق، قال : حدثنا أبو أحمد، قال : حدثنا معقل بن عبيد الله، قال : سألت الزهري عن العاملين عليها، فقال : السعاة.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة : وَالعامِلِينَ عَلَيْها قال : جباتها الذين يجمعونها، ويسعون فيها.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد : وَالعامِلِينَ عَلَيْها : الذي يعمل عليها.
ثم اختلف أهل التأويل في قدر ما يُعْطَى العامل من ذلك، فقال بعضهم : يُعْطَى منه الثمن. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا حميد بن عبد الرحمن، عن حسن بن صالح، عن جويبر، عن الضحاك، قال : للعاملين عليها الثمن من الصدقة.
حُدثت عن مسلم بن خالد، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله : وَالعامِلِينَ عَلَيْها قال : يأكل العمال من السهم الثامن.
وقال آخرون : بل يعطى على قدر عمالته.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثنا عبد الوهاب بن عطاء، عن الأخضر بن عجلان، قال : حدثنا عطاء بن زهير العامريّ، عن أبيه، أنه لقي عبد الله بن عمرو بن العاص، فسأله عن الصدقة : أيّ مال هي ؟ فقال : مال العرجان والعوران والعميان وكلّ منقطع به. فقال له : إن للعاملين حقّا والمجاهدين. قال : إن المجاهدين قوم أحلّ لهم وللعاملين عليها على قدر عمالتهم. ثم قال : لا تحلّ الصدقة لغنيّ، ولا لذي مِرّة سويّ.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد : يكون للعامل عليها إن عمل بالحقّ. ولم يكن عمر رحمه الله تعالى ولا أولئك يعطون العامل الثمن، إنما يفرضون له بقدر عمالته.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا جرير، عن أشعث، عن الحسن : وَالعامِلِينَ عَلَيْها قال : كان يعطى العاملون.
قال أبو جعفر : وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال : يعطى العامل عليها على قدر عمالته أجر مثله.
وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب، لأن الله جلّ ثناؤه لم يقسم صدقة الأموال بين الأصناف الثمانية على ثمانية أسهم وإنما عرّف خلقه أنّ الصدقات لن تجاوز هؤلاء الأصناف الثمانية إلى غيرهم. وإذ كان كذلك بما سنوضح بعد وبما قد أوضحناه في موضع آخر، كان معلوما أن من أُعطي منها حقا، فإنما يعطى على قدر اجتهاد المعطي فيه. وإذا كان ذلك كذلك، وكان العامل عليها إنما يعطى على عمله لا على الحاجة التي تزول بالعطية، كان معلوما أن الذي أعطاه من ذلك إنما هو عوض من سعيه وعمله، وأن ذلك إنما هو قدر يستحقه عوضا من عمله الذي لا يزول بالعطية وإنما يزول بالعزل.
وأما المؤلّفة قلوبهم، فإنهم قوم كانوا يُتألّفون على الإسلام ممن لم تصحّ نصرته استصلاحا به نفسه وعشيرته، كأبي سفيان بن حرب وعيينة بن بدر والأقرع بن حابس، ونظرائهم من رؤساء القبائل.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمر، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله : والمُؤَلّفَةِ قُلُوبُهُمْ، وهم قوم كانوا يأتون رسول الله ﷺ، قد أسلموا، وكان رسول الله ﷺ يرضخ لهم من الصدقات، فإذا أعطاهم من الصدقات فأصابوا منها خيرا قالوا : هذا دين صالح وإن كان غير ذلك، عابوه وتركوه.
حدثنا عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن يحيى بن أبي كثير : أن المؤلفة قلوبهم من بني أمية : أبو سفيان بن حرب، ومن بني مخزوم : الحرث بن
يقول تعالى ذكره : لا تنال الصدقات إلا للفقراء والمساكين ومن سماهم الله جلّ ثناؤه.
ثم اختلف أهل التأويل في صفة الفقير والمسكين، فقال بعضهم : الفقير : المحتاج المتعفف عن المسألة، والمسكين : المحتاج السائل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا جرير، عن أشعث، عن الحسن : إنّمَا الصّدَقاتُ للفُقَرَاءِ والمَساكِينِ قال : الفقير : الجالس في بيته، والمسكين : الذي يسعى.
حدثني المثنى، قال : حدثنا عبد الله، قال : حدثنا معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله : إنّمَا الصّدَقاتُ للْفُقَرَاءِ والمَساكِينِ قال : المساكين : الطّوافون، والفقراء فقراء المسلمين.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبو أسامة، عن جرير بن حازم، قال : ثني رجل، عن جابر بن زيد، أنه سئل عن الفقراء، قال : الفقراء : المتعففون، والمساكين : الذين يسألون.
حدثنا أحمد بن إسحاق، قال : حدثنا أبو أحمد، قال : حدثنا معقل بن عبيد الله الحراني، قال : سألت الزهري عن قوله : إنّمَا الصّدَقاتُ للْفُقَرَاءِ قال : الذين في بيوتهم لا يسألون، والمساكين : الذين يخرجون فيسألون.
حدثنا الحرث، قال : حدثنا القاسم، قال : حدثنا يحيى بن سعيد، عن عبد الوارث بن سعيد، عن ابن نجيح، عن مجاهد، قال : الفقير الذي لا يسأل، والمسكين : الذي يسأل.
قال : حدثنا يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : إنّمَا الصّدَقاتُ للْفُقَرَاءِ والمَساكِينِ قال : الفقراء الذين لا يسألون الناس وهم أهل حاجة، والمساكين : الذين يسألون الناس.
حدثنا الحرث، قال : ثني عبد العزيز، قال : حدثنا عبد الوارث، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال : الفقراء الذين لا يسألون، والمساكين : الذين يسألون.
وقال آخرون : الفقير هو ذو الزمانة من أهل الحاجة، والمسكين : هو الصحيح الجسم. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة : إنّمَا الصّدَقاتُ للْفُقَرَاءِ والمَساكِينِ قال : الفقير من به زمانة، والمسكين : الصحيح المحتاج.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : إنّمَا الصّدَقاتُ للْفُقَرَاءِ والمَساكِينِ أما الفقير : فالزمن الذي به زمانة، وأما المسكين : فهو الذي ليست به زمانة.
وقال آخرون : الفقراء فقراء المهاجرين، والمساكين : من لم يهاجر من المسلمين وهو محتاج. ذكر من قال ذلك :
حدثنا الحرث، قال : حدثنا عبد العزيز، قال : حدثنا جرير بن حازم، عن عليّ بن الحكم، عن الضحاك بن مزاحم : إنّمَا الصّدَقاتُ للْفُقَرَاءِ قال : فقراء المهاجرين، والمساكين : الذين لم يهاجروا.
١٣٠٨٣قال : حدثنا عبد العزيز، قال : حدثنا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم : إنّمَا الصّدَقاتُ للْفُقَرَاءِ المهاجرين، قال : سفيان : يعني : ولا يعطي الأعراب منها شيئا.
حدثنا ابن وكيع، قال : ثني أبي، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، قال : كان يقال : إنما الصدقة لفقراء المهاجرين.
قال : حدثنا جرير، عن منصور، عن إبراهيم، قال : كانت تجعل الصدقة في فقراء المهاجرين، وفي سبيل الله تعالى.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا يعقوب، عن جعفر، عن سعيد بن جبير وسعيد بن عبد الرحمن بن أبزي، قالا : كان ناس من المهاجرين لأحدهم الدار والزوجة والعبد والناقة يحجّ عليها ويغزو، فنسبهم الله إلى أنهم فقراء، وجعل لهم سهما في الزكاة.
حدثنا أحمد بن إسحاق، قال : حدثنا أبو أحمد، قال : حدثنا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، قال : كان يقال : إنما الصدقات في فقراء المهاجرين، وفي سبيل الله.
وقال آخرون : المسكين : الضعيف الكَسْب. ذكر من قال ذلك :
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال : حدثنا ابن علية، قال : أخبرنا ابن عون، عن محمد، قال : قال عمر : ليس الفقير بالذي لا مال له، ولكن الفقير : الأخْلق الكَسْب. قال يعقوب، قال ابن علية : الأخلق : المُحَارَفُ عندنا.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن أيوب عن ابن سيرين أن عمر بن الخطاب رحمة الله تعالى قال ليس المسكين بالذي لا ماله له ولكن المسكين الإخلاف الكسب وقال بعضهم الفقير من المسلمين والمسكين أهل الكتاب. ذكر من قال ذلك :
حدثني الحرث، قال : حدثنا عبد العزيز، قال : حدثنا عمر بن نافع، قال : سمعت عكرمة في قوله : إنّمَا الصّدَقاتُ للْفُقَرَاءِ والمَساكِينِ قال : لا تقولوا لفقراء المسلمين مساكين، إنما المساكين مساكين أهل الكتاب.
قال أبو جعفر : وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب، قول من قال : الفقير : هو ذو الفقر أو الحاجة ومع حاجته يتعفف عن مسألة الناس والتذلل لهم في هذا الموضع، والمسكين : هو المحتاج المتذلل للناس بمسألتهم. وإنما قلنا إن ذلك كذلك وإن كان الفريقان لم يعطيا إلا بالفقر والحاجة دون الذلة والمسكنة، لإجماع الجميع من أهل العلم أن المسكين إنما يعطى من الصدقة المفروضة بالفقر، وأن معنى المسكنة عند العرب : الذلة، كما قال الله جلّ ثناؤه : وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذّلّةُ وَالمَسْكَنَةُ يعني بذلك الهون، والذلة لا الفقر. فإذا كان الله جلّ ثناؤه قد صنف من قسم له من الصدقة المفروضة قسما بالفقر فجعلهم صنفين، كان معلوما أن كل صنف منهم غير الآخر. وإذ كان ذلك كذلك كان لا شكّ أن المقسوم له باسم الفقير غير المقسوم له باسم الفقر والمسكنة، والفقير المعطى ذلك باسم الفقير المطلق هو الذي لا مسكنة فيه، والمعطى باسم المسكنة والفقر هو الجامع إلى فقره المسكنة، وهي الذلّ بالطلب والمسألة.
فتأويل الكلام إذ كان ذلك معناه : إنما الصدقات للفقراء المتعفف منهم الذي لا يسأل، والمتذلل منهم الذي يسأل، وقد رُوي عن رسول الله ﷺ بنحو الذي قلنا في ذلك خبر.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثنا إسماعيل بن جعفر، عن شريك بن أبي نمر، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة، قال : قال رسول الله ﷺ :«لَيْسَ المِسْكِينُ بالّذِي تَرُدّهُ اللّقْمَةُ وَاللّقْمَتانِ والتّمْرَةُ والتّمْرَتانِ، إنّمَا المسْكِينُ المُتَعَفّفُ اقْرَءُوا إنْ شِئْتُمْ لا يَسْألونُ النّاسَ إلْحافا ».
ومعنى قوله ﷺ :«إنّمَا المِسْكِينُ المُتَعَفّفُ » على نحو ما قد جرى به استعمال الناس من تسميتهم أهل الفقر مساكين، لا على تفصيل المسكين من الفقير. ومما ينبئ عن أن ذلك كذلك، انتزاعه ﷺ لقول الله :«اقرءوا إن شِئتم لا يَسأَلُونَ النّاسَ إلْحافا » وذلك في صفة من ابتدأ الله ذكره ووصفه بالفقر، فقال للْفُقَرَاءِ الّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبا فِي الأرْضِ يَحْسَبُهُمُ الجاهِلُ أغْنِياءَ مِنَ التّعَفّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ لا يَسأَلُونَ النّاسَ إلْحافا.
وقوله : وَالعامِلِينَ عَلَيْها وهم السعاة في قبضها من أهلها، ووضعها في مستحقيها يعطون ذلك بالسعاية، أغنياء كانوا أو فقراء.
وبمثل الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا أحمد بن إسحاق، قال : حدثنا أبو أحمد، قال : حدثنا معقل بن عبيد الله، قال : سألت الزهري عن العاملين عليها، فقال : السعاة.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة : وَالعامِلِينَ عَلَيْها قال : جباتها الذين يجمعونها، ويسعون فيها.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد : وَالعامِلِينَ عَلَيْها : الذي يعمل عليها.
ثم اختلف أهل التأويل في قدر ما يُعْطَى العامل من ذلك، فقال بعضهم : يُعْطَى منه الثمن. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا حميد بن عبد الرحمن، عن حسن بن صالح، عن جويبر، عن الضحاك، قال : للعاملين عليها الثمن من الصدقة.
حُدثت عن مسلم بن خالد، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله : وَالعامِلِينَ عَلَيْها قال : يأكل العمال من السهم الثامن.
وقال آخرون : بل يعطى على قدر عمالته.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثنا عبد الوهاب بن عطاء، عن الأخضر بن عجلان، قال : حدثنا عطاء بن زهير العامريّ، عن أبيه، أنه لقي عبد الله بن عمرو بن العاص، فسأله عن الصدقة : أيّ مال هي ؟ فقال : مال العرجان والعوران والعميان وكلّ منقطع به. فقال له : إن للعاملين حقّا والمجاهدين. قال : إن المجاهدين قوم أحلّ لهم وللعاملين عليها على قدر عمالتهم. ثم قال : لا تحلّ الصدقة لغنيّ، ولا لذي مِرّة سويّ.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد : يكون للعامل عليها إن عمل بالحقّ. ولم يكن عمر رحمه الله تعالى ولا أولئك يعطون العامل الثمن، إنما يفرضون له بقدر عمالته.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا جرير، عن أشعث، عن الحسن : وَالعامِلِينَ عَلَيْها قال : كان يعطى العاملون.
قال أبو جعفر : وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال : يعطى العامل عليها على قدر عمالته أجر مثله.
وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب، لأن الله جلّ ثناؤه لم يقسم صدقة الأموال بين الأصناف الثمانية على ثمانية أسهم وإنما عرّف خلقه أنّ الصدقات لن تجاوز هؤلاء الأصناف الثمانية إلى غيرهم. وإذ كان كذلك بما سنوضح بعد وبما قد أوضحناه في موضع آخر، كان معلوما أن من أُعطي منها حقا، فإنما يعطى على قدر اجتهاد المعطي فيه. وإذا كان ذلك كذلك، وكان العامل عليها إنما يعطى على عمله لا على الحاجة التي تزول بالعطية، كان معلوما أن الذي أعطاه من ذلك إنما هو عوض من سعيه وعمله، وأن ذلك إنما هو قدر يستحقه عوضا من عمله الذي لا يزول بالعطية وإنما يزول بالعزل.
وأما المؤلّفة قلوبهم، فإنهم قوم كانوا يُتألّفون على الإسلام ممن لم تصحّ نصرته استصلاحا به نفسه وعشيرته، كأبي سفيان بن حرب وعيينة بن بدر والأقرع بن حابس، ونظرائهم من رؤساء القبائل.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمر، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله : والمُؤَلّفَةِ قُلُوبُهُمْ، وهم قوم كانوا يأتون رسول الله ﷺ، قد أسلموا، وكان رسول الله ﷺ يرضخ لهم من الصدقات، فإذا أعطاهم من الصدقات فأصابوا منها خيرا قالوا : هذا دين صالح وإن كان غير ذلك، عابوه وتركوه.
حدثنا عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن يحيى بن أبي كثير : أن المؤلفة قلوبهم من بني أمية : أبو سفيان بن حرب، ومن بني مخزوم : الحرث بن