البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
الاعتذار التنصل من الذنب، فقيل : أصله المحو، من قولهم : اعتذرت المنازل ودرست، فالمعتذر يحاول إزالة ذنبه.
قال ابن أحمر :
قد كنت تعرف آيات فقد جعلت ***
إطلال إلفك بالوعساء تعتذر
وعن ابن الأعرابي : إنّ الاعتذار هو القطع، ومنه عذرة الجارية لأنها تعذر أي تقطع، واعتذرت المياه انقطعت، والعذر سبب لقطع الذم.
عدن بالمكان يعدن عدونا أقام، قاله : أبو زيد وابن الأعرابي.
قال الأعشى :
وإن يستضيفوا إلى حلمه ***
يضافوا إلى راجح قد عدن
وتقول العرب : تركت إبل فلان عوادن بمكان كذا، وهو أن تلزم الإبل المكان فتألفه ولا تبرحه.
وسمي المعدن معدناً لإنبات الله الجوهر فيه وإثباته إياه في الأرض حتى عدن فيها أي ثبت.
وعدن مدينة باليمن لأنها أكثر مدائن اليمن قطاناً ودوراً.
﴿ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن قل أذن خير لكم يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين ورحمة للذين آمنوا منكم والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم﴾ : كان قدام بن خالد وعبيد بن هلال والجلاس بن سويد في آخرين يؤذون الرسول ﷺ فقال بعضهم : لا تفعلوا فإنا نخاف أن يبلغه فيوقع بنا.
فقال الجلاس : بل نقول بما شئنا، فإنّ محمداً أذن سامعة، ثم نأتيه فيصدقنا فنزلت.
وقيل : نزلت في نبتل بن الحرث كان ينم حديث الرسول ﷺ إلى المنافقين، فقيل له : لا تفعل، فقال ذلك القول.
وقيل : نزلت في الجلاس وزمعة بن ثابت في آخرين أرادوا أن يقعوا في الرسول وعندهم غلام من الأنصار يدعى عامر بن قيس فحقروه، فقالوا : لئن كان ما يقول محمّد حقاً لنحن شر من الحمير، فغضب الغلام فقال : والله إنّ ما يقول محمد حق، وأنتم لشر من الحمير، ثم أتى رسول الله ﷺ فأخبره فدعاهم، فسألهم، فحلفوا أنّ عامراً كاذب، وحلف عامر أنهم كذبة وقال : اللهم لا تفرق بيننا حتى يتبين صدق الصادق وكذب الكاذب، ونزلت هذه الآية يحلفون بالله لكم ليرضوكم، فقال رجل : أذن إذا كان يسمع مقال كل أحد، يستوي فيه الواحد والجمع قاله الجوهري.
وقال الزمخشري : الأذن الرجل الذي يصدق كل ما يسمع، ويقبل قول كل أحد، سمي بالجارحة التي هي آلة السماع، كان جملته أذن سامعة ونظيره قولهم للرئية : عين.
وقال الشاعر :
قد صرت أذناً للوشاة سميعةينالون من عرضي ولو شئت ما نالوا
وهذا منهم تنقيص للرسول ﷺ، إذ وصفوه بقلة الحزامة والانخداع.
وقيل : المعنى ذو أذن، فهو على حذف مضاف قاله ابن عباس.
وقيل : أذن حديد السمع، ربما سمع مقالتنا.
وقيل : أذن وصف بنى على فعل من أذن يأذن أذناً إذا استمع، نحو أنف وشلل وارتفع.
أذن على إضمار مبتدأ أي : قل هو أذن خير لكم.
وهذه الإضافة نظيرها قولهم : رجل صدق، تريد الجودة والصلاح.
كأنه قيل : نعم هو أذن، ولكن نعم الإذن.
ويجوز أن يراد هو أذن في الخير والحق وما يجب سماعه وقبوله، وليس بإذن في غير ذلك.
ويدل عليه خير ورحمة في قراءة من جرها عطفاً على خير أي : هو أذن خير ورحمة لا يسمع غيرهما ولا يقبله، قاله الزمخشري.
وقرأ الحسن ومجاهد وزيد بن علي وأبو بكر عن عاصم في رواية قل : أذن بالتنوين خير بالرفع.
وجوزوا في أذن أن يكون خبر مبتدأ محذوف، وخير خبر ثان لذلك المحذوف أي : هو أذن هو خير لكم، لأنه ﷺ يقبل معاذيركم ولا يكافئكم على سوء خلتكم.
وأن يكون خير صفة لأذن أي : أذن ذو خير لكم.
أو على أنّ خيراً أفعل تفضيل أي : أكثر خيراً لكم، وأن يكون أذن مبتدأ خبره خبر.
وجاز أن يخبر بالنكرة عن النكرة مع حصول الفائدة فيه قاله صاحب اللوامح، وهو جائز على تقدير حذف وصف أي : أذن لا يؤاخذكم خير لكم، ثم وصفه تعالى بأنه يؤمن بالله، ومن آمن بالله كان خائفاً منه لا يقدم على الإيذاء بالباطل.
ويؤمن للمؤمنين أي : يسمع من المؤمنين ويسلم لهم ما يقولون ويصدقهم لكونهم مؤمنين، فهم صادقون.
ورحمة للذين آمنوا منكم، وخص المؤمنين وإن كان رحمة للعالمين، لأن ما حصل لهم بالإيمان بسبب الرسول لم يحصل لغيرهم، وخصوا هنا بالذكر وإن كانوا قد دخلوا في العالمين لحصول مزيتهم.
وهذه الأوصاف الثلاثة مبينة جهة الخيرية، ومظهرة كونه ﷺ أذن خير.
وتعدية يؤمن أولاً بالباء، وثانياً باللام.
قال ابن قتيبة : هما زائدان، والمعنى : يصدق الله، ويصدق المؤمنين.
وقال الزمخشري : قصد التصديق بالله الذي هو نقيض الكفر، فعدى بالباء، وقصد الاستماع للمؤمنين، وإن يسلم لهم ما يقولون فعدى باللام.
ألا ترى إلى قوله تعالى :﴿وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين﴾ ما أنباه عن الباء ونحوه ﴿فما آمن لموسى إلا ذرية من قَومه﴾ ﴿أنؤمن لك واتبعك الأرذلون﴾ ﴿آمنتم له قبل أن آذن﴾ انتهى.
وقال ابن عطية : يؤمن بالله يصدق بالله، ويؤمن للمؤمنين.
قيل : معناه ويصدق المؤمنين، واللام زائدة كما هي في ﴿ردف لكم﴾ وقال المبرد : هي متعلقة بمصدر مقدر من الفعل، كأنه قال : وإيمانه للمؤمنين أي : وتصديقه.
وقيل : يقال آمنت لك بمعنى صدقتك، ومنه قوله :﴿وما أنت بمؤمن لنا﴾ وعندي أنّ هذه التي معها اللام في ضمنها باء فالمعنى : ويصدق للمؤمنين فيما يخبرونه به، وكذلك وما أنت بمؤمن لنا بما نقوله لك انتهى.
وقرأ أبي، وعبد الله، والأعمش، وحمزة : ورحمة بالجر عطفاً على خبر، فالجملة من يؤمن اعتراض بين المتعاطفين، وباقي السبعة بالرفع عطفاً على يؤمن، ويؤمن صفة لأذن خير.
وابن أبي عبلة : بالنصب مفعولاً من أجله حذف متعلقه التقدير : ورحمة يأذن لكم، فحذف لدلالة أذن خير لكم عليه.
وأبرز اسم الرسول ولم يأت به ضميراً على نسق يؤمن بلفظ الرسول تعظيماً لشأنه، وجمعاً له في الآية بين الرتبتين العظيمتين من النبوّة والرسالة، وإضافته إليه زيادة في تشريفه، وحتم على من أذاه بالعذاب الأليم، وحق لهم ذلك والذين يؤذون عام يندرج فيه هؤلاء الذين أذوا هذا الإيذاء الخاص وغيرهم.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى