فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني
عن الكتاب
قوله :﴿وَمِنْهُمُ﴾ هذا نوع آخر بما حكاه الله من فضائح المنافقين وقبائحهم، وذلك أنهم كانوا يقولون للنبيّ ﷺ، على وجه الطعن والذم هو أذن. قال الجوهري : يقال : رجل أذن : إذا كان يسمع مقال كل أحد، يستوي فيه الواحد والجمع ومرادهم، أقمأهم الله، أنهم إذا آذوا النبيّ وبسطوا فيه ألسنهم. وبلغه ذلك اعتذروا له، وقبل ذلك منهم، لأنه يسمع كل ما يقال له، فيصدّقه، وإنما أطلقت العرب على من يسمع ما يقال له فيصدّقه أنه أذن مبالغة، لأنهم سموه بالجارحة التي هي آلة السماع، حتى كأن جملته أذن سامعة، ونظيره قولهم : للربيئة عين، وإيذاؤهم له هو قولهم :﴿هُوَ أُذُنٌ﴾ لأنهم نسبوه إلى أنه يصدّق كل ما يقال له، ولا يفرق بين الصحيح والباطل، اغتراراً منهم بحلمه عنهم، وصفحه عن جناياتهم كرماً وحلماً وتغاضياً، ثم أجاب الله عن قولهم هذا، فقال :﴿قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ﴾ بالإضافة على قراءة الجمهور. وقرأ الحسن بالتنوين، وكذا قرأ عاصم في رواية أبي بكر عنه، كأنه قيل : نعم هو أذن، ولكن نعم الأذن هو، لكونه أذن خير لكم، وليس بأذن في غير ذلك. كقولهم رجل صدق، يريدون الجودة والصلاح. والمعنى أنه يسمع الخير ولا يسمع الشرّ. وقرئ «أذن » بسكون الذال وضمها. ثم فسر كونه أذن خير بقوله :﴿يُؤْمِنُ بالله وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي : يصدّق بالله ويصدّق المؤمنين لما علم فيهم من خلوص الإيمان. فتكون اللام في ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ للتقوية، كما قال الكوفيون، أو متعلقة بمصدر محذوف، كما قال المبرد. وقرأ الجمهور ﴿وَرَحْمَةً﴾ بالرفع عطف على أذن. وقرى حمزة بالخفض عطفاً على خير. والمعنى على القراءة الأولى : هو أنه أذن خير، وأنه هو رحمة للمؤمنين، وعلى القراءة الثانية : أنه أذن خير وأذن رحمة. قال النحاس : وهذا عند أهل العربية بعيد، يعني : قراءة الجر لأنه قد تباعد بين الإسمين، وهذا يقبح في المخفوض. والمعنى : أن النبيّ ﷺ أذن خير للمنافقين ﴿وَرَحْمَةً﴾ لهم حيث لم يكشف أسرارهم ولا فضحهم، فكأنه قال : هو أذن كما قلتم لكنه أذن خير لكم لا أذن سوء، فسلم لهم قولهم فيه إلا أنه فسرّه بما هو مدح له وثناء عليه، وإن كانوا قصدوا به المذمة والتقصير بفطنته. ومعنى ﴿لّلَّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ﴾ أي : الذين أظهروا الإيمان وإن لم يكونوا مؤمنين حقيقة ﴿والذين يُؤْذُونَ رَسُولَ الله﴾صلى الله عليه وسلم بما تقدّم من قولهم : هو أذن، ونحو ذلك مما يصدق عليه أنه أذية لرسول الله ﷺ ﴿لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيم﴾ أي : شديد الألم. وقرأ ابن أبي عبلة «ورحمة للمؤمنين » بالنصب على أنها علة لمعلل محذوف : أي ورحمة لكم يأذن لكم.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد أخرج ابن إسحاق، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس، قال : كان نبتل بن الحارث يأتي رسول الله ﷺ، فيجلس إليه فيسمع منه، ثم ينقل حديثه إلى المنافقين، وهو الذي قال لهم : إنما محمد أذن، من حدثه بشيء صدقه، فأنزل الله فيه :﴿وَمِنْهُمُ الذين يُؤْذُونَ النبي وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُن﴾ الآية.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن السديّ، قال : اجتمع ناس من المنافقين فيهم : جلاس بن سويد ابن صامت، ومخشي بن حمير، ووديعة بن ثابت، فأرادوا أن يقعوا في النبيّ ﷺ، فنهى بعضهم بعضاً وقالوا : إنا نخاف أن يبلغ محمداً فيقع بكم، فقال بعضهم : إنما محمد أذن نحلف له فيصدقنا، فنزل :﴿وَمِنْهُمُ الذين يُؤْذُونَ النبي﴾ الآية. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، عن ابن عباس، في قوله :﴿هُوَ أُذُنٌ﴾ يعني : أنه يسمع من كل أحد. قال الله تعالى :﴿أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ يُؤْمِنُ بالله وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ يعني : يصدّق بالله ويصدّق المؤمنين. وأخرج الطبراني، وابن عساكر، وابن مردويه، عن عمير بن سعد، قال : فيّ أنزلت هذه الآية ﴿وَيَقُولُونَ هُمْ أَذِنَ﴾ وذلك أن عمير بن سعد كان يسمع أحاديث أهل المدينة، فيأتي النبي ﷺ، فيسارّه حتى كانوا يتأذون بعمير بن سعد، وكرهوا مجالسته، وقال :﴿هو أذن﴾ فأنزل فيه.
وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن قتادة، قال : ذكر لنا أن رجلاً من المنافقين قال : والله إن هؤلاء لخيارنا وأشرافنا، ولئن كان ما يقول محمد حقاً لهم شرّ من الحمير، فسمعها رجل من المسلمين فقال : والله إن ما يقول محمد لحق ولأنت شرّ من الحمار، فسعى بها الرجل إلى نبيّ الله ﷺ فأخبره، فأرسل إلى الرجل فدعاه فقال : ما حملك على الذي قلت ؟ فجعل يلتعن ويحلف بالله ما قال ذلك، وجعل الرجل المسلم يقول : اللهم صدق الصادق، وكذب الكاذب، فأنزل الله في ذلك :﴿يَحْلِفُونَ بالله لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ﴾ الآية. وأخرج ابن أبي حاتم، عن السديّ مثله، وسمى الرجل المسلم عامر بن قيس من الأنصار.
وأخرج أبو الشيخ، عن الضحاك ﴿أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّهُ مَن يُحَادِدِ الله وَرَسُولَهُ﴾ يقول : يعادي الله ورسوله. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد، في قوله :﴿يَحْذَرُ المنافقون﴾ الآية قال : يقولون القول فيما بينهم، ثم يقولون عسى الله أن لا يفشى علينا هذا. وأخرج أبو نعيم في الحلية، عن شريح بن عبيد، أن رجلاً قال لأبي الدرداء : يا معشر القراء ما بالكم أجبن منا وأبخل إذا سئلتم، وأعظم لقماً إذا أكلتم ؟ فأعرض عنه أبو الدرداء ولم يردّ عليه بشيء، فأخبر بذلك عمر بن الخطاب، فانطلق عمر إلى الرجل الذي قال ذلك، فقال بثوبه وخنقه وقاده إلى النبيّ ﷺ، فقال الرجل : إنما كنا نخوض ونلعب، فأوحى الله إلى نبيه ﷺ :﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾.
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه، عن عبد الله بن عمر، قال : قال رجل في غزوة تبوك في مجلس يوماً : ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء، لا أرغب بطوناً ولا أكذب ألسنة، ولا أجبن عند اللقاء، فقال رجل في المجلس : كذبت ولكنك منافق، لأخبرنّ رسول الله ﷺ، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ، ونزل القرآن. قال عبد الله : فأنا رأيته متعلقاً بحقب ناقة رسول الله ﷺ، والحجارة تنكبه وهو يقول : يا رسول الله، إنما كنا نخوض ونلعب، والنبيّ ﷺ يقول :﴿أبالله وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئونَ﴾. وأخرجه ابن المنذر، وابن أبي حاتم، والعقيلي في الضعفاء، وأبو الشيخ، وابن مردويه، والخطيب، في رواية مالك عن ابن عمر، فقال : رأيت عبد الله بن أبيّ وهو يشتد قدّام النبي ﷺ والأحجار تنكبه وهو يقول : يا محمد إنما كنا نخوض ونلعب، والنبي ﷺ يقول :﴿أبالله وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئونَ﴾. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن قتادة، في الآية قال : بينما رسول الله ﷺ في غزوة إلى تبوك وبين يديه أناس من المنافقين، فقالوا : أيرجو هذا الرجل أن تفتح له قصور الشام وحصونها ؟ هيهات هيهات، فأطلع الله نبيه على ذلك، فقال نبيّ الله ﷺ :«احبسوا عليّ هؤلاء الركب»، فأتاهم فقال : قلتم كذا، قالوا : يا نبيّ الله، إنما كنا نخوض ونلعب، فأنزل الله فيهم ما تسمعون. وقد روي نحو هذا من طرق عن جماعة من الصحابة. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في قوله :﴿إِن نَّعْفُ عَن طَائِفَةٍ﴾ قال : الطائفة : الرجل والنفر.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن السديّ، قال : اجتمع ناس من المنافقين فيهم : جلاس بن سويد ابن صامت، ومخشي بن حمير، ووديعة بن ثابت، فأرادوا أن يقعوا في النبيّ ﷺ، فنهى بعضهم بعضاً وقالوا : إنا نخاف أن يبلغ محمداً فيقع بكم، فقال بعضهم : إنما محمد أذن نحلف له فيصدقنا، فنزل :﴿وَمِنْهُمُ الذين يُؤْذُونَ النبي﴾ الآية. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، عن ابن عباس، في قوله :﴿هُوَ أُذُنٌ﴾ يعني : أنه يسمع من كل أحد. قال الله تعالى :﴿أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ يُؤْمِنُ بالله وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ يعني : يصدّق بالله ويصدّق المؤمنين. وأخرج الطبراني، وابن عساكر، وابن مردويه، عن عمير بن سعد، قال : فيّ أنزلت هذه الآية ﴿وَيَقُولُونَ هُمْ أَذِنَ﴾ وذلك أن عمير بن سعد كان يسمع أحاديث أهل المدينة، فيأتي النبي ﷺ، فيسارّه حتى كانوا يتأذون بعمير بن سعد، وكرهوا مجالسته، وقال :﴿هو أذن﴾ فأنزل فيه.
وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن قتادة، قال : ذكر لنا أن رجلاً من المنافقين قال : والله إن هؤلاء لخيارنا وأشرافنا، ولئن كان ما يقول محمد حقاً لهم شرّ من الحمير، فسمعها رجل من المسلمين فقال : والله إن ما يقول محمد لحق ولأنت شرّ من الحمار، فسعى بها الرجل إلى نبيّ الله ﷺ فأخبره، فأرسل إلى الرجل فدعاه فقال : ما حملك على الذي قلت ؟ فجعل يلتعن ويحلف بالله ما قال ذلك، وجعل الرجل المسلم يقول : اللهم صدق الصادق، وكذب الكاذب، فأنزل الله في ذلك :﴿يَحْلِفُونَ بالله لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ﴾ الآية. وأخرج ابن أبي حاتم، عن السديّ مثله، وسمى الرجل المسلم عامر بن قيس من الأنصار.
وأخرج أبو الشيخ، عن الضحاك ﴿أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّهُ مَن يُحَادِدِ الله وَرَسُولَهُ﴾ يقول : يعادي الله ورسوله. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد، في قوله :﴿يَحْذَرُ المنافقون﴾ الآية قال : يقولون القول فيما بينهم، ثم يقولون عسى الله أن لا يفشى علينا هذا. وأخرج أبو نعيم في الحلية، عن شريح بن عبيد، أن رجلاً قال لأبي الدرداء : يا معشر القراء ما بالكم أجبن منا وأبخل إذا سئلتم، وأعظم لقماً إذا أكلتم ؟ فأعرض عنه أبو الدرداء ولم يردّ عليه بشيء، فأخبر بذلك عمر بن الخطاب، فانطلق عمر إلى الرجل الذي قال ذلك، فقال بثوبه وخنقه وقاده إلى النبيّ ﷺ، فقال الرجل : إنما كنا نخوض ونلعب، فأوحى الله إلى نبيه ﷺ :﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾.
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه، عن عبد الله بن عمر، قال : قال رجل في غزوة تبوك في مجلس يوماً : ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء، لا أرغب بطوناً ولا أكذب ألسنة، ولا أجبن عند اللقاء، فقال رجل في المجلس : كذبت ولكنك منافق، لأخبرنّ رسول الله ﷺ، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ، ونزل القرآن. قال عبد الله : فأنا رأيته متعلقاً بحقب ناقة رسول الله ﷺ، والحجارة تنكبه وهو يقول : يا رسول الله، إنما كنا نخوض ونلعب، والنبيّ ﷺ يقول :﴿أبالله وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئونَ﴾. وأخرجه ابن المنذر، وابن أبي حاتم، والعقيلي في الضعفاء، وأبو الشيخ، وابن مردويه، والخطيب، في رواية مالك عن ابن عمر، فقال : رأيت عبد الله بن أبيّ وهو يشتد قدّام النبي ﷺ والأحجار تنكبه وهو يقول : يا محمد إنما كنا نخوض ونلعب، والنبي ﷺ يقول :﴿أبالله وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئونَ﴾. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن قتادة، في الآية قال : بينما رسول الله ﷺ في غزوة إلى تبوك وبين يديه أناس من المنافقين، فقالوا : أيرجو هذا الرجل أن تفتح له قصور الشام وحصونها ؟ هيهات هيهات، فأطلع الله نبيه على ذلك، فقال نبيّ الله ﷺ :«احبسوا عليّ هؤلاء الركب»، فأتاهم فقال : قلتم كذا، قالوا : يا نبيّ الله، إنما كنا نخوض ونلعب، فأنزل الله فيهم ما تسمعون. وقد روي نحو هذا من طرق عن جماعة من الصحابة. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في قوله :﴿إِن نَّعْفُ عَن طَائِفَةٍ﴾ قال : الطائفة : الرجل والنفر.