التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي

عن الكتاب
قوله - سبحانه - :﴿لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ تأكيد لإِبطال ما أظهروه من معاذير.
والاعتذار معناه محاولة محو أثر الذئب، مأخوذ من قولهم : اعتذرت المنازل إذا اندثرت وزالت، لأن المعتذر يحاول إزالة أثر ذنبه.
والمعنى : قل يا محمد لهؤلاء المنافقين المستهزئين بما يجب إجلاله واحترامه وتوقيره : قبل له على سبيل التوبيخ والتجهيل أيضاً - لا تشتغلوا بتلك المعاذير الكاذبة فإنها غير مقبولة، لأنكم بهذا الاستهزاء بالله وآياته ورسوله ﴿قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ أى : قد ظهر كفركم وثبت، بعد إظهاركم الإِيمان على سبيل المخادعة، فإذا كنا قبل ذلك نعاملكم معاملة المسلمين بمقتضى نطقكم بالشهادتين فنحن الآن نعاملكم معاملة الكافرين بسبب استهزائكم بالله وآياتة ورسوله - ﷺ - لأن الاستهزاء بالدين. كما يقول الإِمام الرازى. يعد من باب الكفر، إذا أنه يدل على الاستخفاف، والأساس الأول في الإِيمان تعظيم الله - تعالى - بأقصى الإِمكان، والجمع بينهما محال.
وقوله - تعالى - :﴿إِن نَّعْفُ عَن طَآئِفَةٍ مِّنْكُمْ نُعَذِّبْ طَآئِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ﴾ بيان لمظهر من مظاهر عدله - سبحانه - ورحمته.
أى :﴿إِن نَّعْفُ عَن طَآئِفَةٍ مِّنْكُمْ﴾ - أيها المنافقون - بسبب توبتهم وإقلاعهم عن النفاق، ﴿نُعَذِّبْ طَآئِفَةً﴾ أخرى منكم بسبب إصرارهم على النفاق واستمرارهم في طريق الفسوق والعصيان.
هذا، وقد ذكر المفسرون في سبب نزول هذه الآيات روايات منها :
ما جاء عن زيد بن أسلم : " أن رجلاً من المنافقين قال لعوف بن مالك في غزوة تبوك : ما رأى قراءنا هؤلاء إلا أرغبنا بطوناً، وأكذبنا ألسنة وأجبننا عند اللقاء ! ! فقال له عوف : كذبت، ولكنك منافق، لأخبرن رسول الله - ﷺ - فذهب عوف إلى رسول الله - ﷺ - ليخبره، فوجد القرآن قد سبقه.
قال زيد : قال عبد الله بن عمر : فنظرت إليه - أى إلى المنافق - متعلقاً بحقب ناقة رسول الله - ﷺ - تنكبه الحجارة يقول : إنما كنا نخوض ونلعب، فيقول له الرسول - ﷺ - " أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون " ".
وعن قتادة قال : " بينما رسول الله - ﷺ - يسير في غزوته إلى تبوك، وبين يديه ناس من المنافقين فقالوا : يرجو هذا الرجل أن يفتح قصور الشام وحصونها ! ! هيهات هيهات.
فأطلع الله نبيه - ﷺ - فقال نبى الله - ﷺ - " أحسبوا على الركب " فأتاهم فقال لهم. قلتم كذا، قلتم كذا. فقالوا : " يا نبى الله إنما كنا نخوض ونلعب " فأنزل الله تبارك وتعالى فيهم ما تسمعون.
وقال ابن اسحاق : " كان جماعة من المنافقين منهم وديعة بن ثابت.. ومنهم رجل من أشجع حليف لبنى سلمة يقال له " مخشى بن حمير " يسيرون مع رسول الله - ﷺ - وهو منطلق إلى تبوك - فقال بعضهم - أتحسبون جلاد بنى الأصفر - أيى الروم - كقتال العرب بعضهم ؟ والله لكأنا بكم غدا مقرنين في الحبال، إرجافا وترهيباً للمؤمنين.
فقال مخضى بن حمير : والله لوددت أن أقاضى على أن يضرب كل منا مائة جلدة، وأننا ننجو أن ينزل فينا قرآن لماقتلكم هذه.
وقال رسول الله - ﷺ - فيما بلغنى - لعمار بن ياسر - أدرك القوم فإنهم قد احترقوا، فسلهم عما قالوا، فإن أنكروا فقل : بلى، قلتم كذا وكذا. فانطلق إليهم عمار ؛ فقال ذلك لهم، فأتوا رسول الله - ﷺ - يعتذرون إليه.
فقال وديعة بن ثابت، ورسول الله - ﷺ - واقف على راحلته - يا رسول الله، إنما كنا نخوض ونلعب.
فقال مخشى بن حمير : يا رسول الله - قعد بى اسمى واسم أبى، فكان الذي عفى عنه في هذه الاية مخشى بن حمير، فتسمى عبد الرحمن، وسأل الله أن يقتل شهيداً، لا يعلم مكانه. فقتل يوم اليمامة ولم يوجد له أثر ".
هذه بعض الآثار التي وردت في سبب نزول هذه الآيات، وهى توضح ما كان عليه المنافقون من كذب في المقال، وجبن عن مواجهة الحقائق.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى