اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿المنافقون والمنافقات بَعْضُهُمْ مِّن بَعْضٍ﴾ الآية.
لمَّا شرح أنواع قبائح أفعالهم، بيَّن أنَّ إناثهم كذكورهم في تلك الأعمال المنكرة.
قوله :﴿بَعْضُهُمْ مِّن بَعْضٍ﴾ مبتدأ وخبر، أي : من جنس بعض، ف " من " هنا لبيان الجنس وقيل : للتبعيض، أي : إنَّهم إنما يتوالدون بعضهم من بعض على دينٍ واحدٍ، وقيل : أمرهم واحد بالاجتماع على النفاقِ، ثمَّ فصَّل هذا الكلام فقال :" يَأْمُرُونَ بالمنكر ". هذه الجملةُ لا محلَّ لها ؛ لأنَّها مفسرةٌ لقوله :" بَعْضُهُمْ مِّن بَعْضٍ "، وكذلك ما عطف على " يَأْمُرُون " ولفظ المنكر يدخلُ فيه كل قبيح، ولفظ المعروف يدخلُ فيه كل حسن، إلاَّ أنَّ الأعظم ههنا من المنكر الشرك والمعصية، والمراد الأعظم ههنا من المعروف الإيمان بالرسول ﴿وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ﴾ أي : يمسكونها عن الصَّدقة، والإنفاق في سبيل الله. ﴿نَسُواْ الله فَنَسِيَهُمْ﴾ تركوا طاعة الله فتركهم من توفيقه وهدايته في الدُّنيا ومن رحمته في العقبى.
وإنَّما حملنا النِّسيان على التَّركِ، لأنَّ من نسي شيئاً لم يذكره، فجعل اسم الملزوم كناية عن اللاَّزم، ولأنَّ النسيان ليس في وسع البشر، وهو في حق الله تعالى محال فلا بد من التأويل، وهو ما ذكرنا من التَّرك ؛ لأنَّهم تركوا أمر الله حتى صارُوا كالنسي المنسي، فجازاهم بأنَّ صيَّرهم كالشَّيء المنسيّ، كقوله :﴿وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠] ثم قال :﴿إِنَّ المنافقين هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ أي : الكاملُونَ في الفِسْقِ.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى