فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
قوله :﴿المنافقون والمنافقات بَعْضُهُمْ مّن بَعْضٍ﴾ ذكر هاهنا جملة أحوال المنافقين، وأن ذكورهم في ذلك كإناثهم، وأنهم متناهون في النفاق والبعد عن الإيمان، وفيه إشارة إلى نفي أن يكونوا من المؤمنين، وردّ لقولهم :﴿وَيَحْلِفُونَ بالله إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ﴾، ثم فصل ذلك المجمل ببيان مضادّة حالهم لحال المنافقين فقال :﴿يَأْمُرُونَ بالمنكر﴾ وهو كل قبيح عقلاً أو شرعاً ﴿وَيَنْهَوْنَ عَنِ المعروف﴾ وهو كل حسن عقلاً أو شرعاً قال الزجاج : هذا متصل بقوله :﴿وَيَحْلِفُونَ بالله إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ وَمَا هُم مّنكُمْ﴾ أي ليسوا من المؤمنين، ولكن بعضهم من بعض : أي متشابهون في الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف ﴿وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ﴾ أي : يشحون فيما ينبغي إخراجه من المال في الصدقة، والصلة والجهاد، فالقبض كناية عن الشحّ، كما أن البسط كناية عن الكرم. والنسيان الترك : أي تركوا ما أمرهم به، فتركهم من رحمته وفضله، لأن النسيان الحقيقي لا يصح إطلاقه على الله سبحانه، وإنما أطلق عليه هنا من باب المشاكلة المعروفة في علم البيان، ثم حكم عليهم بالفسق : أي الخروج عن طاعة الله إلى معاصيه، وهذا التركيب يفيد أنهم هم الكاملون في الفسق.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في قوله :﴿يَأْمُرُونَ بالمنكر﴾ قال : هو التكذيب، قال : وهو أنكر المنكر ﴿وَيَنْهَوْنَ عَنِ المعروف﴾ شهادة أن لا إله إلا الله، والإقرار بما أنزل الله، وهو أعظم المعروف. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد، في قوله :﴿وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ﴾ قال : لا يبسطونها بنفقة في حق. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس، في قوله :﴿نَسُواْ الله فَنَسِيَهُمْ﴾ قال : تركوا الله فتركهم من كرامته وثوابه. وأخرج ابن أبي حاتم، عن قتادة، في قوله :﴿كالذين مِن قَبْلِكُمْ﴾ قال : صنيع الكفار كالكفار. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس، قال : ما أشبه الليلة بالبارحة ﴿كالذين مِن قَبْلِكُمْ كَانُواْ أَشَدَّ مِنكُمْ قُوَّةً﴾ إلى قوله :﴿وَخُضْتُمْ كالذي خَاضُواْ﴾ هؤلاء بنو إسرائيل أشبهناهم، والذي نفسي بيده لنتبعنهم حتى لو دخل رجل جحر ضب لدخلتموه. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عنه، في قوله :﴿بخلاقهم﴾ قال : بدينهم. وأخرجا أيضاً عن أبي هريرة قال الخلاق : الدين. وأخرج ابن أبي حاتم، عن السديّ، في قوله :﴿فاستمتعوا بخلاقهم﴾ قال : بنصيبهم في الدنيا. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، عن قتادة، في قوله :﴿وَخُضْتُمْ كالذي خَاضُواْ﴾ قال : لعبتم كالذي لعبوا. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله :﴿والمؤتفكات﴾ قال : قوم لوط ائتفكت بهم أرضهم، فجعل عاليها سافلها.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى