غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري
عن الكتاب
القراءات :﴿والمؤتفكات﴾ وبابه بغير همز : أبو عمرو غير شجاع وورش ويزيد والحلواني عن قالون والأعشى وحمزة في الوقف.
الوقوف :﴿والمؤتفكات﴾ ط ﴿بالبينات﴾ ج لابتداء النفي مع فاء التعقيب. ﴿يظلمون﴾ ه ﴿أولياء بعض﴾ م لما مر. ﴿ورسوله﴾ ط ﴿سيرحمهم الله﴾ ط ﴿حكيم﴾ ه ﴿عدن﴾ ط ﴿أكبر﴾ ط ﴿العظيم﴾ ه ﴿واغلظ عليهم﴾ ط ﴿جهنم﴾ ط ﴿المصير﴾ ه ﴿ما قالوا﴾ ط ﴿لم ينالوا﴾ ج ﴿من فضله﴾ ط ﴿خيراً لهم﴾ ج ﴿والآخرة﴾ ج ﴿ولا نصير﴾ ه ﴿من الصالحين﴾ ه ﴿معرضون﴾ ه ﴿يكذبون﴾ ه ﴿علام الغيب﴾ ه ج لاحتمال النصب أو الرفع على الذم. وكونه بدلاً من الضمير في ﴿نجواهم﴾ ﴿فيسخرون منهم﴾ ط. ﴿سخر الله منهم﴾ ط لإتمام الجزء مع اختلاف النظم. ﴿أليم﴾ ه.
عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ خطبهم ذات يوم وحثهم على أن يجمعوا الصدقات، فجاء عبد الرحمن بن عوف بأربعة آلاف درهم وقال : يا رسول الله ﷺ مالي ثمانية آلاف جئتك بنصفها فاجعلها في سبيل الله وأمسكت نصفها لعيالي. فقال رسول الله ﷺ :«بارك الله لك فيما أعطيت وفيما أمسكت » فبارك الله في مال عبد الرحمن حتى إنه خلف امرأتين يوم مات فبلغ ثمن ماله فهما مائة وستين ألف درهم. وقيل ؛ صولحت إحداهما على ثمانين ألفاً. وتصدق يومئذ عاصم بن عدي العجلاني بمائة وسق من تمر، وجاء أبو عقيل الأنصاري بصاع من تمر وقال : أجرت الليلة الماضية نفسي من رجل لإرسال الماء إلى نخيله فأخذت صاعين من تمر، أمسكت أحدهما لعيالي وأقرضت الآخر لربي، فأمر رسول الله ﷺ بوضعه في الصدقات فلمزهم المنافقون وقالوا : ما أعطى عبد الرحمن وعاصم إلاَّ رياء وسمعة، وأما أبو عقيل فإنه جاء بصاعه ليذكر مع سائر الأكابر والله غني عن صاعه فأنزل الله سبحانه ﴿الذين يلمزون المطوعين﴾ أي المتطوعين فأدغمت. والتطوع التنفل وهو الطاعة لله بما ليس بواجب. والجهد بالضم والفتح شيء قليل يعيش به المقل، قاله الليث. وقال الفراء : الضم لغة أهل الحجاز والفتح لغيرهم. وفرق ابن السكيت بينهما فقال : الجهد بالضم الطاقة وبالفتح المشقة. وقال الشعبي : الأول في العمل والثاني في القوة ﴿سخر الله منهم﴾ خير لا دعاء كقوله ﴿الله يستهزئ بهم﴾ [البقرة: ١٥] وقد عرفت أن هذا من قبيل المشاكلة، أو المراد منه لازم السخرية وهو إيقاع الذل والهوان بهم. وقال الأصم : المراد أنه تعالى يكلفهم إنفاق المال مع أنه لا يثيبهم عليه، وإنما توجه الذم على المنافقين في هذا اللمز لأن الحكم بالرياء لمن يعطي الكثير كعبد الرحمن بن عوف وعاصم حكم على بواطن الأمور وذلك أمر استأثر الله به ورسوله. وأيضاً لمز الفقير على جهد المقل سفه لأنه لما لم يقدر إلا عليه فقد بذل كل ما له فعلم منه غالباً أنه إن قدر على أكثر من ذلك لم يكن منه منع، وسعي الإنسان في أن يضم نفسه إلى أهل الخير والدين خير له من أن يضم نفسه إلى أهل الكسل والبطالة، ولو لم تكن فيه إلا الثقة بالله والدخول في زمرة من يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة لكفى به منقبة وفضلاً.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: التأويل :﴿بعضهم أولياء بعض﴾ لأن التعارف في عالم الأرواح يوجب التآلف في عالم الأشباح ﴿يأمرون بالمعروف﴾ الحقيقي أي بطلبه والمطلوب هو الله لقوله «فأحببت أن أعرف» ﴿وينهون عن المنكر﴾ وهو ما يقطع العبد عن الله ﴿ويقيمون الصلاة﴾ الحقيقة ﴿ويؤتون الزكاة﴾ يعني ما فضل عن كفافهم الضروري ﴿ويطيعون الله ورسوله﴾ بخلاف المنافقين فإنهم يطيعون النفس والهوى ﴿ومساكن طيبة﴾ على مراتب النفوس الطيبة فإن الطيبات للطيبين ﴿يا أيها النبي﴾ يعني القلب الذي له نبأ من مقام الأنباء ﴿جاهد﴾ النفوس الكافرة بسيف الصدق والمخالفات، وجاهد نفوس المريدين الذين يدعون الإرادة في الظاهر دون الباطن ﴿واغلظ عليهم﴾ في المؤخذات بأحكام الشريعة والطريقة حتى تتمرن نفوسهم وإلا ﴿فمأواهم جهنم﴾ القطيعة ﴿ولقد قالوا كلمة الكفر﴾ وهي التي توجب الإنكار والاعتراض على الشيخ ﴿وهموا بما لم ينالوا﴾ أي أثبتوا لأنفسهم مرتبة الشيخوخة قبل أوانها ﴿وما نقموا﴾ إلا أن الشيخ رباهم بلبان فضل الله عن حلمة الولاية فلم يحتملوا لضيق حوصلة الهمة، ومربد الطريقة أعظم من مربد الشريعة فلهذا يكون عذابه أليماً في الدنيا والآخرة كما قال الجنيد : لو أقبل صديق إلى الله ألف سنة ثم أعرض عنه لحظة فإن ما فاته أكثر مما ناله ﴿ومنهم من عاهد الله﴾ باستعداده الفطري ﴿لئن آتانا من فضله﴾ جعلنا متمكنين من اكتساب الكمال ﴿لنصدقن﴾ لنصرفن كل ما أعطانا فيما أعطى لأجله ﴿إلى يوم يلقونه﴾ أي يلقون جزاء النفاق ﴿وأن الله علام الغيوب﴾ يعلم ما توسوس به أنفسهم وهو غيب عن الخلف ويعلم ما يستكن في قلوبهم وهو غيب في نفوسهم ولهذا قال ﴿الغيوب﴾. ﴿سخر الله منهم﴾ ذكره بلفظ الماضي ليعلم أن سخرية المنافقين نتيجة سخرية الله بهم في الأزل.
التأويل :﴿بعضهم أولياء بعض﴾ لأن التعارف في عالم الأرواح يوجب التآلف في عالم الأشباح ﴿يأمرون بالمعروف﴾ الحقيقي أي بطلبه والمطلوب هو الله لقوله «فأحببت أن أعرف» ﴿وينهون عن المنكر﴾ وهو ما يقطع العبد عن الله ﴿ويقيمون الصلاة﴾ الحقيقة ﴿ويؤتون الزكاة﴾ يعني ما فضل عن كفافهم الضروري ﴿ويطيعون الله ورسوله﴾ بخلاف المنافقين فإنهم يطيعون النفس والهوى ﴿ومساكن طيبة﴾ على مراتب النفوس الطيبة فإن الطيبات للطيبين ﴿يا أيها النبي﴾ يعني القلب الذي له نبأ من مقام الأنباء ﴿جاهد﴾ النفوس الكافرة بسيف الصدق والمخالفات، وجاهد نفوس المريدين الذين يدعون الإرادة في الظاهر دون الباطن ﴿واغلظ عليهم﴾ في المؤخذات بأحكام الشريعة والطريقة حتى تتمرن نفوسهم وإلا ﴿فمأواهم جهنم﴾ القطيعة ﴿ولقد قالوا كلمة الكفر﴾ وهي التي توجب الإنكار والاعتراض على الشيخ ﴿وهموا بما لم ينالوا﴾ أي أثبتوا لأنفسهم مرتبة الشيخوخة قبل أوانها ﴿وما نقموا﴾ إلا أن الشيخ رباهم بلبان فضل الله عن حلمة الولاية فلم يحتملوا لضيق حوصلة الهمة، ومربد الطريقة أعظم من مربد الشريعة فلهذا يكون عذابه أليماً في الدنيا والآخرة كما قال الجنيد : لو أقبل صديق إلى الله ألف سنة ثم أعرض عنه لحظة فإن ما فاته أكثر مما ناله ﴿ومنهم من عاهد الله﴾ باستعداده الفطري ﴿لئن آتانا من فضله﴾ جعلنا متمكنين من اكتساب الكمال ﴿لنصدقن﴾ لنصرفن كل ما أعطانا فيما أعطى لأجله ﴿إلى يوم يلقونه﴾ أي يلقون جزاء النفاق ﴿وأن الله علام الغيوب﴾ يعلم ما توسوس به أنفسهم وهو غيب عن الخلف ويعلم ما يستكن في قلوبهم وهو غيب في نفوسهم ولهذا قال ﴿الغيوب﴾. ﴿سخر الله منهم﴾ ذكره بلفظ الماضي ليعلم أن سخرية المنافقين نتيجة سخرية الله بهم في الأزل.
الوقوف :﴿والمؤتفكات﴾ ط ﴿بالبينات﴾ ج لابتداء النفي مع فاء التعقيب. ﴿يظلمون﴾ ه ﴿أولياء بعض﴾ م لما مر. ﴿ورسوله﴾ ط ﴿سيرحمهم الله﴾ ط ﴿حكيم﴾ ه ﴿عدن﴾ ط ﴿أكبر﴾ ط ﴿العظيم﴾ ه ﴿واغلظ عليهم﴾ ط ﴿جهنم﴾ ط ﴿المصير﴾ ه ﴿ما قالوا﴾ ط ﴿لم ينالوا﴾ ج ﴿من فضله﴾ ط ﴿خيراً لهم﴾ ج ﴿والآخرة﴾ ج ﴿ولا نصير﴾ ه ﴿من الصالحين﴾ ه ﴿معرضون﴾ ه ﴿يكذبون﴾ ه ﴿علام الغيب﴾ ه ج لاحتمال النصب أو الرفع على الذم. وكونه بدلاً من الضمير في ﴿نجواهم﴾ ﴿فيسخرون منهم﴾ ط. ﴿سخر الله منهم﴾ ط لإتمام الجزء مع اختلاف النظم. ﴿أليم﴾ ه.
عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ خطبهم ذات يوم وحثهم على أن يجمعوا الصدقات، فجاء عبد الرحمن بن عوف بأربعة آلاف درهم وقال : يا رسول الله ﷺ مالي ثمانية آلاف جئتك بنصفها فاجعلها في سبيل الله وأمسكت نصفها لعيالي. فقال رسول الله ﷺ :«بارك الله لك فيما أعطيت وفيما أمسكت » فبارك الله في مال عبد الرحمن حتى إنه خلف امرأتين يوم مات فبلغ ثمن ماله فهما مائة وستين ألف درهم. وقيل ؛ صولحت إحداهما على ثمانين ألفاً. وتصدق يومئذ عاصم بن عدي العجلاني بمائة وسق من تمر، وجاء أبو عقيل الأنصاري بصاع من تمر وقال : أجرت الليلة الماضية نفسي من رجل لإرسال الماء إلى نخيله فأخذت صاعين من تمر، أمسكت أحدهما لعيالي وأقرضت الآخر لربي، فأمر رسول الله ﷺ بوضعه في الصدقات فلمزهم المنافقون وقالوا : ما أعطى عبد الرحمن وعاصم إلاَّ رياء وسمعة، وأما أبو عقيل فإنه جاء بصاعه ليذكر مع سائر الأكابر والله غني عن صاعه فأنزل الله سبحانه ﴿الذين يلمزون المطوعين﴾ أي المتطوعين فأدغمت. والتطوع التنفل وهو الطاعة لله بما ليس بواجب. والجهد بالضم والفتح شيء قليل يعيش به المقل، قاله الليث. وقال الفراء : الضم لغة أهل الحجاز والفتح لغيرهم. وفرق ابن السكيت بينهما فقال : الجهد بالضم الطاقة وبالفتح المشقة. وقال الشعبي : الأول في العمل والثاني في القوة ﴿سخر الله منهم﴾ خير لا دعاء كقوله ﴿الله يستهزئ بهم﴾ [البقرة: ١٥] وقد عرفت أن هذا من قبيل المشاكلة، أو المراد منه لازم السخرية وهو إيقاع الذل والهوان بهم. وقال الأصم : المراد أنه تعالى يكلفهم إنفاق المال مع أنه لا يثيبهم عليه، وإنما توجه الذم على المنافقين في هذا اللمز لأن الحكم بالرياء لمن يعطي الكثير كعبد الرحمن بن عوف وعاصم حكم على بواطن الأمور وذلك أمر استأثر الله به ورسوله. وأيضاً لمز الفقير على جهد المقل سفه لأنه لما لم يقدر إلا عليه فقد بذل كل ما له فعلم منه غالباً أنه إن قدر على أكثر من ذلك لم يكن منه منع، وسعي الإنسان في أن يضم نفسه إلى أهل الخير والدين خير له من أن يضم نفسه إلى أهل الكسل والبطالة، ولو لم تكن فيه إلا الثقة بالله والدخول في زمرة من يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة لكفى به منقبة وفضلاً.
التأويل :﴿بعضهم أولياء بعض﴾ لأن التعارف في عالم الأرواح يوجب التآلف في عالم الأشباح ﴿يأمرون بالمعروف﴾ الحقيقي أي بطلبه والمطلوب هو الله لقوله «فأحببت أن أعرف» ﴿وينهون عن المنكر﴾ وهو ما يقطع العبد عن الله ﴿ويقيمون الصلاة﴾ الحقيقة ﴿ويؤتون الزكاة﴾ يعني ما فضل عن كفافهم الضروري ﴿ويطيعون الله ورسوله﴾ بخلاف المنافقين فإنهم يطيعون النفس والهوى ﴿ومساكن طيبة﴾ على مراتب النفوس الطيبة فإن الطيبات للطيبين ﴿يا أيها النبي﴾ يعني القلب الذي له نبأ من مقام الأنباء ﴿جاهد﴾ النفوس الكافرة بسيف الصدق والمخالفات، وجاهد نفوس المريدين الذين يدعون الإرادة في الظاهر دون الباطن ﴿واغلظ عليهم﴾ في المؤخذات بأحكام الشريعة والطريقة حتى تتمرن نفوسهم وإلا ﴿فمأواهم جهنم﴾ القطيعة ﴿ولقد قالوا كلمة الكفر﴾ وهي التي توجب الإنكار والاعتراض على الشيخ ﴿وهموا بما لم ينالوا﴾ أي أثبتوا لأنفسهم مرتبة الشيخوخة قبل أوانها ﴿وما نقموا﴾ إلا أن الشيخ رباهم بلبان فضل الله عن حلمة الولاية فلم يحتملوا لضيق حوصلة الهمة، ومربد الطريقة أعظم من مربد الشريعة فلهذا يكون عذابه أليماً في الدنيا والآخرة كما قال الجنيد : لو أقبل صديق إلى الله ألف سنة ثم أعرض عنه لحظة فإن ما فاته أكثر مما ناله ﴿ومنهم من عاهد الله﴾ باستعداده الفطري ﴿لئن آتانا من فضله﴾ جعلنا متمكنين من اكتساب الكمال ﴿لنصدقن﴾ لنصرفن كل ما أعطانا فيما أعطى لأجله ﴿إلى يوم يلقونه﴾ أي يلقون جزاء النفاق ﴿وأن الله علام الغيوب﴾ يعلم ما توسوس به أنفسهم وهو غيب عن الخلف ويعلم ما يستكن في قلوبهم وهو غيب في نفوسهم ولهذا قال ﴿الغيوب﴾. ﴿سخر الله منهم﴾ ذكره بلفظ الماضي ليعلم أن سخرية المنافقين نتيجة سخرية الله بهم في الأزل.