الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب

عن الكتاب
قوله :﴿الذين يلمزون المطوعين من المومنين في الصدقات﴾، إلى قوله :﴿الفاسقين﴾[ ٧٩-٨٠ ].
والمعنى : الذين يعيبون الذين تطوعوا بصدقاتهم على أهل المسكنة والحاجة فيقولون لهم : إنما تصدقون رياء وسمعة، ولم تريدوا وجه الله عز وجل(١).
﴿والذين لا يجدون إلا جهدهم﴾[ ٧٩ ].
أي : من المؤمنين، ومن﴿والذين لا يجدون﴾، عطفه على ﴿المطوعين﴾، لأن الاسم لم يتم، إذ(٢) قوله :﴿فيسخرون﴾(٣) في الصلة عطف على ﴿يلمزون﴾(٤).
و " الجهد و " الجَهد " عند البصريين [ بمعنى ](٥)، لغتان(٦).
وقال بعض الكوفيين : الجُهد، بالضم(٧) : الطاقة، وبالفتح : المشقة(٨).
والسخري(٩) من الله : الجزاء على فعلهم(١٠).
قال ابن عباس : جاء عبد الرحمن بن عوف بأربعين أوقية من ذهب إلى النبي ﷺ، وجاء رجل من الأنصار بصاع من طعام، فقال بعض المنافقين : و[ الله ](١١) ما جاء عبد الرحمن بما جاء به إلا رياء، وقالوا : إن كان الله ورسوله لغنيين عن هذا الصاع. فأنزل الله عز وجل :﴿الذين يلمزون المطوعين من المومنين في الصدقات﴾، يعني : عبد الرحمن بن عوف، ﴿والذين لا يجدون إلا جهدهم﴾، يعني : الأنصاري الذي أتى بصاع من شعير(١٢).
وقال ابن عباس : جاء عبد الرحمن بمائة أوقية من ذهب، وترك لنفسه مائة، وقال : مالي ثمانية آلاف، أما أربعة آلاف فأُقرضها الله، وأما الأربعة آلاف فلي، فقال له النبي ﷺ : " بارك الله [ لك ](١٣) فيما أمسكت(١٤) وما أعطيت " فلمزه المنافقون، وقالوا : ما أعطى عبد الرحمن بن عوف عطيته إلا رياء، وهم كاذبون، فأنزل الله عز وجل، عذره(١٥).
وقال قتادة : جاء عبد الرحمن بأربعة آلاف صدقته، وجاء رجل من الأنصار، يكنى بأبي عقيل(١٦)، بصاع من تمر لم يكن له غيره، فقال : يا رسول الله، آجرت(١٧) نفسي بصاعين، فانطلقت بصاع إلى أهلي/وجئت بصاع من تمر، فلمزه المنافقون، وقالوا : إن الله غني عن صياع هذا، فنزل فيه :﴿والذين لا يجدون إلا جهدهم﴾(١٨).
قال ابن زيد(١٩) : أمر النبي ﷺ [ المسلمين ](٢٠) أن يتصدقوا، قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : فألفى مالي(٢١) ذلك كثير، فأخذت نصفه، فجئت أحمل مالا كثيرا، فقال له رجل من المنافقين، تُرائي(٢٢) يا عمر، فقال : نعم أرائي الله ورسوله، وأما غيرهما فلا، وأتى رجل من الأنصار لم يكن عنده شيء، فآجر نفسه بصاعين، فترك صاعا لعياله، وجاء بصاع يحمله، فقال له بعض المنافقين :[ إن ](٢٣) الله ورسوله عن صاعك لغنيان، فأنزل الله عز وجل، عذرهما في قوله :﴿الذين يلمزون﴾(٢٤).
ثم قال لنبيه عليه السلام(٢٥)، استغفر لهؤلاء المنافقين، أي : ادع الله لهم بالمغفرة أو لا تدع لهم بذلك، فلفظه لفظ الأمر ومعناه الجزاء، والجزاء خبر(٢٦).
١ جامع البيان ١٤/٣٨١، ٣٨٢..
٢ في الأصل: أي، وهو تحريف..
٣ في "ر": فسخروا، وهو تحريف..
٤ انظر: مشكل إعراب القرآن ١/٣٣٤، وإعراب القرآن للنحاس ٢/٢٢٩، والبيان ١/٤٠٣، والتبيان ٢/٦٥٢، وتفسير القرطبي ٨/١٣٧، والبحر المحيط ٥/٧٦، ٧٧.
.

٥ زيادة من "ر"..
٦ في مجاز القرآن ١/٢٦٤، "... مضموم ومفتوح سواء،... ويقال: جهد المقل وجهده".
وفي معاني الزجاج ٢/٤٦٢، ".. بالفتح والضم".
وذكر الطبري في جامع البيان ١٤/٣٩٣ أن المضموم لغة أهل الحجاز والمفتوح لغة نجد وختم كلامه بالقول: "وأما أهل العلم بكلام العرب من رواة الشعر وأهل العربية، فإنهم يزعمون أنها مفتوحة ومضمومة بمعنى واحد، وإنما اختلاف ذلك لاختلاف اللغة فيه، كما اختلفت لغاتهم في "الوَجد" و"الوُجد" بالضم والفتح، من"وجدت" انظر: معاني القرآن للفراء ١/٤٤٧..

٧ في الأصل: بضم..
٨ انظر: غريب ابن قتيبة ١٩٠، واللسان/جهد.
وفي المخطوطتين: الشقة وصوابه في تفسير المشكل من غريب القرآن ١٨٨..

٩ بضم السين وكسرها. المختار/سخر..
١٠ معاني القرآن وإعرابه للزجاج ٢/٤٦٣..
١١ زيادة من "ر"..
١٢ جامع البيان ١٤/٣٨٢، وتفسير ابن أبي حاتم ٦/١٨٥٠، وتفسير ابن كثير ٢/٣٧٥، والدر المنثور ٤/٢٥٠، كلها دون قوله: "فأنزل الله من شعير"..
١٣ زيادة من "ر"..
١٤ في الأصل: مسكت..
١٥ جامع البيان ١٤/٣٨٣، بأطول من هذا..
١٦ انظر: زاد المسير ٣/٤٧٦، وتفسير ابن كثير ٢/٣٧٥..
١٧ في "ر": آجر..
١٨ تفسير عبد الرزاق الصنعاني ٢/٢٨٣، ٢٨٤، وجامع البيان ١٤/٣٨٣-٣٨٦، بإسنادين، وأسباب النزول للواحدي ٢٦٠، مع زيادة ونقصان في بعض ألفاظه، وينظر: تفسير ابن كثير ٢/٣٧٥، ٣٧٦، ولباب النقول ٢١٠..
١٩ في الأصل: يزيد، وهو تحريف..
٢٠ زيادة يقتضيها السياق من جامع البيان..
٢١ في "ر": مال، وهو سهو ناسخ..
٢٢ في المخطوطتين: تراني، وهو تحريف..
٢٣ زيادة من "ر"..
٢٤ جامع البيان ١٤/٣٩٢، وتفسير ابن أبي حاتم ٦/١٨٥٢، والدر المنثور ٤/٢٥١، ٢٥٢، باختلاف وزيادة في بعض ألفاظه..
٢٥ في "ر": صلى الله عليه وسلم..
٢٦ وهو اختيار الطبري في جامع البيان ١٤/٣٩٤، والماوردي في النكت ٢/٢٨٥، ٢٨٦ والبغوي في المعالم ٤/٧٩، وابن الجوزي في الزاد ٣/٤٧٧، انظر أحكام ابن العربي ٢/٩٩٠، ٩٩١، والمحرر الوجيز ٣/٦٤، وتفسير القرطبي ٨/١٣٩، ١٤٠، والبحر المحيط ٥/٧٧، ٧٨..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى