الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي
عن الكتاب
قوله تعالى :﴿كَيْفَ يَكُونُ﴾ : في خبر " يكون " ثلاثةُ أوجه أظهرُها : أنه " كيف "، و " عهدٌ " اسمُها، والخبر هنا واجبُ التقديمِ لاشتماله على ما له صدرُ الكلام وهو الاستفهامُ، و " للمشركين " على هذا متعلقة : إمَّا ب " يكون " عند مَنْ يُجيز في " كان " أن تعمل في الظرفِ وشبهه، وإمَّا بمحذوف لأنها صفةٌ لعهد في الأصل، فلما قُدِّمَتْ نُصِبَتْ حالاً، و " عند " يجوز أن تكون متعلقةً ب " يكون " أو بمحذوفٍ على أنها صفةٌ ل " عَهْد " أو متعلقةً بنفس " عهد " لأنه مصدر. الثاني : أن يكون الخبر " للمشركين " و " عند " على هذا فيها الأوجهُ المتقدمة. ونزيد وجهاً رابعاً وهو أنه يجوز أن يكونَ ظرفاً للاستقرار الذي تعلَّق به " للمشركين ". والثالث : أن يكون الخبرُ " عند الله " و " للمشركين " على هذا : إمَّا تبيين، وإمَّا متعلقٌ ب " يكون " عند مَنْ يجيز ذلك كما تقدم، وإمَّا حال من " عهد "، وإمَّا متعلقٌ بالاستقرار الذي تعلَّق به الخبر. ولا يُبالَى بتقديم معمولِ الخبرِ على الاسم لكونِهِ حرفَ جر. و " كيف " على هذين الوجهين الأخيرين مُشْبِهةٌ بالظرف أو بالحال كما تقدَّم تحقيقه في ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ﴾ [البقرة: ٢٨].
ولم يذكروا هنا وجهاً رابعاً وكان ينبغي أن يكونَ هو الأظهر - وهو أن يكونَ الكونُ تاماً بمعنى : كيف يوجد عهدٌ للمشركين عند الله ؟، والاستفهامُ هنا بمعنى النفي، ولذلك وقع بعده الاستثناء ب " إلا "، ومِنْ مجيئه بمعنى النفي أيضاً قولُه :
أي : ليس ضاربٌ بالسيف.
قوله :﴿إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ﴾ فيه وجهان أحداهما : أنه استثناءٌ منقطع أي : لكن الذين عاهدتم فإنَّ حُكْمَهم كيت وكيت. والثاني : أنه متصلٌ وفيه حينئذٍ احتمالان، أحدهما : أنه منصوبٌ على أصل الاستثناء من المشركين. والثاني : أنه مجرورٌ على البدل منهم، لأنَّ معنى الاستفهامِ المتقدمِ نفيٌ، أي : ليس يكونُ للمشركين عهدٌ إلا للذين لم ينكُثوا. فقياسُ قولِ أبي البقاء فيما تقدَّم أن يكون مرفوعاً بالابتداء، والجملةُ من قوله " فما استقاموا " خبرُه.
قوله :﴿فَمَا﴾ يجوز في " ما " أن تكونَ مصدريةً ظرفيةً، وهي في محلِّ نصبٍ على ذلك أي : فاستقيموا لهم مدةَ استقامتِهم لكم. ويجوز أن تكونَ شرطيةً، وحينئذٍ ففي محلِّها وجهان، أحدهما : أنها في محلِّ نصبٍ على الظرف الزماني، والتقدير : أيَّ زمانٍ استقاموا لكم فاستقيموا لهم. ونظَّره أبو البقاء بقولِه تعالى :
﴿مَّا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا﴾ [فاطر: ٢]. والثاني : أنها في محل رفع بالابتداء، وفي الخبر الأقوالُ المشهورة، و " فاستقيموا " : جوابُ الشرط. وهذا نحا إليه الحوفي، ويحتاج إلى/ حذفِ عائد أي : أيُّ زمانٍ استقاموا لكم فيه، فاستقيموا لهم. وقد جوَّز الشيخ جمال الدين ابنُ مالك في " ما " المصدرية الزمانية أن تكونَ شرطيةً جازمة، وأنشد على ذلك :
ولا دليل فيه لأنَّ الظاهرَ الشرطيةُ من غير تأويلٍ بمصدرية وزمانٍ، قال أبو البقاء :" ولا يجوز أن تكونَ نافيةً لفساد المعنى، إذ يصير المعنى : استقيموا لهم لأنهم لم يَسْتقيموا لكم ".
ولم يذكروا هنا وجهاً رابعاً وكان ينبغي أن يكونَ هو الأظهر - وهو أن يكونَ الكونُ تاماً بمعنى : كيف يوجد عهدٌ للمشركين عند الله ؟، والاستفهامُ هنا بمعنى النفي، ولذلك وقع بعده الاستثناء ب " إلا "، ومِنْ مجيئه بمعنى النفي أيضاً قولُه :
| ٢٤٥٤ فهذي سيوفٌ يا صُدَيُّ بنَ مالكٍ | كثيرٌ ولكن كيف بالسيفِ ضاربُ |
قوله :﴿إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ﴾ فيه وجهان أحداهما : أنه استثناءٌ منقطع أي : لكن الذين عاهدتم فإنَّ حُكْمَهم كيت وكيت. والثاني : أنه متصلٌ وفيه حينئذٍ احتمالان، أحدهما : أنه منصوبٌ على أصل الاستثناء من المشركين. والثاني : أنه مجرورٌ على البدل منهم، لأنَّ معنى الاستفهامِ المتقدمِ نفيٌ، أي : ليس يكونُ للمشركين عهدٌ إلا للذين لم ينكُثوا. فقياسُ قولِ أبي البقاء فيما تقدَّم أن يكون مرفوعاً بالابتداء، والجملةُ من قوله " فما استقاموا " خبرُه.
قوله :﴿فَمَا﴾ يجوز في " ما " أن تكونَ مصدريةً ظرفيةً، وهي في محلِّ نصبٍ على ذلك أي : فاستقيموا لهم مدةَ استقامتِهم لكم. ويجوز أن تكونَ شرطيةً، وحينئذٍ ففي محلِّها وجهان، أحدهما : أنها في محلِّ نصبٍ على الظرف الزماني، والتقدير : أيَّ زمانٍ استقاموا لكم فاستقيموا لهم. ونظَّره أبو البقاء بقولِه تعالى :
﴿مَّا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا﴾ [فاطر: ٢]. والثاني : أنها في محل رفع بالابتداء، وفي الخبر الأقوالُ المشهورة، و " فاستقيموا " : جوابُ الشرط. وهذا نحا إليه الحوفي، ويحتاج إلى/ حذفِ عائد أي : أيُّ زمانٍ استقاموا لكم فيه، فاستقيموا لهم. وقد جوَّز الشيخ جمال الدين ابنُ مالك في " ما " المصدرية الزمانية أن تكونَ شرطيةً جازمة، وأنشد على ذلك :
| ٢٤٥٥ فما تَحْيَ لا نسْأَمْ حياةً وإن تَمُتْ | فلا خيرَ في الدنيا ولا العيشِ أجمعا |