فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
قوله :﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ الله وَعِندَ رَسُولِهِ﴾ الاستفهام هنا للتعجب المتضمن للإنكار، وعهد اسم يكون، وفي خبره ثلاثة أوجه : الأوّل : أنه كيف، وقدم للاستفهام، والثاني : للمشركين، وعند على هذين : ظرف للعهد، أو ليكون، أو صفة للعهد ؛ والثالث : أن الخبر عند الله، وفي الآية إضمار. والمعنى : كيف يكون للمشركين عهد عند الله يأمنون به من عذابه، وقيل : معنى الآية : محال أن يثبت لهؤلاء عهد، وهم أضداد لكم مضمرون للغدر، فلا يطمعوا في ذلك ولا يحدّثوا به أنفسهم، ثم استدرك، فقال :﴿إِلاَّ الذين عاهدتم عِندَ المسجد الحرام﴾ أي : لكن الذين عاهدتم عند المسجد الحرام، ولم ينقضوا ولم ينكثوا فلا تقاتلوهم، فما داموا مستقيمين لكم على العهد الذي بينكم وبينهم ﴿فاستقيموا لَهُمْ﴾ قيل : هم بنو بكر، وقيل : بنو كنانة وبنو ضمرة، وفي «ما » وجهان : أحدهما : أنها مصدرية زمانية، والثاني : أنها شرطية، وفي قوله :﴿إِنَّ الله يُحِبُّ المتقين﴾ إشارة إلى أن الوفاء بالعهد والاستقامة عليه من أعمال المتقين، فيكون تعليلاً للأمر بالاستقامة.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:
وقد أخرج ابن المنذر، وأبو الشيخ، عن ابن عباس، في قوله :﴿إِلاَّ الذين عاهدتم عِندَ المسجد الحرام﴾ قال : قريش. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن زيد، نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مقاتل قال : كان النبي ﷺ عاهد أناساً من بني ضمرة بن بكر وكنانة خاصة، عاهدهم عند المسجد الحرام، وجعل مدتهم أربعة أشهر، وهم الذين ذكر الله ﴿إِلاَّ الذين عاهدتم عِندَ المسجد الحرام فَمَا استقاموا لَكُمْ فاستقيموا لَهُمْ﴾ يقول : ما وفوا لكم بالعهد ففوا لهم. وأخرج ابن أبي حاتم، عن السديّ قال : هم بنو جذيمة. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن قتادة، في قوله :﴿إِلاَّ الذين عاهدتم عِندَ المسجد الحرام﴾ قال : هو يوم الحديبية.
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس، في قوله :﴿إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً﴾ قال : الإلّ : القرابة، والذمة : العهد. وأخرج الفريابي، وأبو عبيد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد قال : الإلّ الله عزّ وجلّ. وأخرج ابن المنذر، وأبو الشيخ، عن عكرمة مثله.
وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد في قوله ﴿اشتروا بآيات الله ثَمَنًا قَلِيلاً﴾ قال : أبو سفيان بن حرب أطعم حلفاءه وترك حلفاء محمد ﷺ. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن قتادة، في قوله :﴿فإن تابوا﴾ الآية يقول : إن تركوا اللات والعزّى، وشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإخوانكم في الدين. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ، عن ابن عباس، قال : حرّمت هذه الآية قتال أو دماء أهل الصلاة.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى