المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية

عن الكتاب
الأكثر في ﴿لكن﴾ أن تجيء بعد نفي، وهو ها هنا في المعنى، وذلك أن الآية السالفة معناها أن المنافقين لم يجاهدوا فحسن بعدها «لكن الرسول والمؤمنون جاهدوا »، و ﴿الخيرات﴾ جمع خيرة وهو المستحسن من كل شيء، وكثر استعماله في النساء، فمن ذلك قوله عز وجل :﴿فيهن خيرات حسان﴾(١) ومن ذلك قول الشاعر أنشده الطبري :[ الكامل ]
ولقد طعنت مجامع الربلاتربلات هند َخيرة الملكات(٢)
و ﴿المفلحون﴾ الذين أدركوا بغيتهم من الجنة، والفلاح يأتي بمعنى إدراك البغية، من ذلك قول لبيد :[ الرجز ]
أفلح بما شئت فقد يبلغ بالضعف وقد يخدع الأريب(٣)
ويأتي بمعنى البقاء ومن ذلك قول الشاعر :[ المنسرح ]
لكل همٍّ من الهموم سعهْوالمسى والصبح لا فلاح معهْ(٤)
أي لا بقاء.
قال القاضي أبو محمد : وبلوغ البغية يعم لفظة الفلاح حيث وقعت فتأمله.
١ - الآية (٧٠) من سورة (الرحمن)..
٢ - البيت أنشده أيضا أبو عبيدة، وهو لرجل من بني عدي تيم جاهلي، قال الأخفش في قوله تعالى: ﴿فيهن خيرات حسان﴾: "إنه لما وصف به وقيل: "فلان خير" أشبه الصفات فأدخلوا فيه الهاء للمؤنث، ولم يريدوا به أفعل، (كما في البيت)، فإن أردت معنى التفضيل قلت: "فلانة خير الناس" ولم تقل خيرة، "وفلان خير الناس" ولم تقل أخير.
والرّبلات: جمع ربلة بتسكين الباء وبتحريكها، قال الأصمعي: والتحريك أفصح، وهي ما حول الضّرع والحياء من باطن الفخذ، وخيرة بسكون الخاء هي الفاضلة من كل شيء. وقيل: هي الكريمة النسب، الشريفة الحسب، الحسنة الوجه، الحسنة الخلق، الكثيرة المال..

٣ - نسب صاحب (اللسان) البيت لعبيد، ورواه "بالنّوك" بدلا من "بالضعف" وأشار إلى رواية الضعف، والمعنى: عش بما شئت من عقل وحمق فقد يرزق الأحمق ويُحرم العاقل. وقد سبق الاستشهاد بالبيت في غير هذا الموضع من الكتاب..
٤ - البيت للأضبط بن قريع السعدي، والمعنى: ليس مع كرّ الليل والنهار بقاء. وهذا وقد سبق لابن عطية أن استشهد بهذا البيت في مواضع أخرى من تفسيره..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى