اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي
عن الكتاب
قوله تعالى :﴿وَجَآءَ المعذرون مِنَ الأعراب﴾ الآية.
لمَّا شرح أحوال المنافقين الذين كانُوا في المدينة، شرح في هذه الآية أحوال المنافقين من الأعراب.
قرأ الجمهور " المُعذِّرُونَ " بفتح العين وتشديد الذَّال، وهي تحتمل وجهين :
أن يكون وزنه " فعَّل " مضعّفاً، ومعنى التَّضعيف فيه التكليف، والمعنى : أنه توهَّم أنَّ لهُ عُذراً، ولا عذر لهُ.
والثاني : أن يكون وزنه " افْتَعَل "، والأصلُ :" اعتذرَ "، فأدغمت التاءُ في الذال بأن قلبت تاءُ الافتعال ذالاً، ونُقِلت حركتها إلى السَّاكن قبلها، وهو العين، ويدلُّ على هذا قراءةُ سعيد بن جُبير " المُعْتَذِرُونَ " على الأصل، وإليه ذهب الأخفشُ، والفرَّاءُ وأبو عبيد، وأبو حاتم، والزَّجَّاجُ، وابن الأنباري، والاعتذار قد يكُون بالكذبِ، كما في قوله ﴿يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ٩٤]، وكان ذلك الاعتذار فاسداً، لقوله :" لا تَعْتَذِرُوا "، وقد يكون بالصِّدقِ، كقول لبيد :[ الطويل ]
. . . *** ومَنْ يَبْكِ حَوْلاً كَامِلاً فَقدِ اعتذرْ(١)
يريد : فقد جاء بعُذْرٍ.
وقرأ زيد بن عليّ(٢)، والضحاكُ، والأعرجُ، وأبو صالح، وعيسى بن هلال، وهي قراءة ابن عباس ومجاهد أيضاً، ويعقوب، والكسائي " المُعْذرُونَ " بسكون العين وكسر الذَّال مخففة من أعْذَر، يُعْذِر ك " أكْرَم، يُكْرِم "، وهم المبالغون في العُذْرِ.
وقرأ مسلمةُ(٣) " المُعَّذِّرُون " بتشديد العين والذال، من " تعذَّرَ " بمعنى اعْتذرَ.
قال أبُو حاتمٍ : أراد " المتعذَّرون " والتاء لا تدغم في العين، لبُعد المخارجِ وهي غلطٌ منه، أو عليه.
قوله :" ليُؤذنَ " متعلقٌ ب " جَاءَ " وحذفَ الفاعلُ، وأقيمَ الجارُّ مقامه، للعلم به، أي : ليأذن لهم الرسول.
أمَّا قراءةُ التخفيف فهم الكاذبون في العذر، وأمَّا قراءة التشديد، فمحتملة لأن يكونُوا صادقين، وأن يكُونُوا كاذبينَ. قال ابنُ عبَّاسٍ " هم الَّذِين تخلَّفُوا بعذرٍ بإذن رسُول الله ﷺ " (٤) وهو قول بعض المفسرين أيضاً، قال : المعذرون، كانوا صادقين ؛ لأنَّه تعالى لمَّا ذكرهم قال بعدهم ﴿وَقَعَدَ الذين كَذَبُواْ الله وَرَسُولَهُ﴾، فلمَّا ميَّزهم عن الكاذبين دلَّ على أنَّهم لَيْسُوا كاذبينَ. وقال الضَّحَّاكُ : هُم رهطُ عامر بن الطفيل جاءوا إلى رسول الله ﷺ دفاعاً عن أنفسهم، فقالُوا : يا نبيَّ الله : إنْ نحنُ غزونَا معك أغارت أعرابُ طيىءٍ على حلائلنا، وأولادنا، ومواشينا، فقال لهم رسُول الله ﷺ قد نَبَّأني الله من أخباركم، وسيغنيني الله عنكم(٥).
وروى الواحديُّ عن أبي عمرو : أنَّهُ لمَّا قيل له هذا الكلام قال : إنَّ أقواماً تكلَّفُوا عُذْراً بباطل فهمُ الذين عناهم بقوله :" وَجَآءَ المعذرون "، وتخلَّف آخرون لا بعُذر ولا بشبهةِ عذرٍ جراءة على الله تعالى ؛ فهم المرادون بقوله ﴿وَقَعَدَ الذين كَذَبُواْ الله وَرَسُولَهُ﴾، فأوعدهُم بقوله :﴿سَيُصِيبُ الذين كَفَرُواْ مِنْهُمْ﴾ في الدُّنيا بالقتلِ، وفي الآخرة بالنَّارِ.
وإنَّما قال " مِنْهُم " ؛ لأنَّه تعالى كان عالماً بأنَّ بعضهم سيؤمن، فذكر بلفظة " مِنْ " الدَّالة على التَّبعيض.
وقرأ الجمهور " كَذبُوا " بالتَّخفيف، أي : كذبُوا في أيمانهم. وقرأ الحسنُ(٦) في المشهور عنه وأبيٌّ، وإسماعيل " كذَّبُوا " بالتَّشديد، أي : لَمْ يُصدِّقُوا ما جاء به الرَّسولُ عن ربِّه ولا امتثلوا أمره.
لمَّا شرح أحوال المنافقين الذين كانُوا في المدينة، شرح في هذه الآية أحوال المنافقين من الأعراب.
قرأ الجمهور " المُعذِّرُونَ " بفتح العين وتشديد الذَّال، وهي تحتمل وجهين :
أن يكون وزنه " فعَّل " مضعّفاً، ومعنى التَّضعيف فيه التكليف، والمعنى : أنه توهَّم أنَّ لهُ عُذراً، ولا عذر لهُ.
والثاني : أن يكون وزنه " افْتَعَل "، والأصلُ :" اعتذرَ "، فأدغمت التاءُ في الذال بأن قلبت تاءُ الافتعال ذالاً، ونُقِلت حركتها إلى السَّاكن قبلها، وهو العين، ويدلُّ على هذا قراءةُ سعيد بن جُبير " المُعْتَذِرُونَ " على الأصل، وإليه ذهب الأخفشُ، والفرَّاءُ وأبو عبيد، وأبو حاتم، والزَّجَّاجُ، وابن الأنباري، والاعتذار قد يكُون بالكذبِ، كما في قوله ﴿يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ٩٤]، وكان ذلك الاعتذار فاسداً، لقوله :" لا تَعْتَذِرُوا "، وقد يكون بالصِّدقِ، كقول لبيد :[ الطويل ]
. . . *** ومَنْ يَبْكِ حَوْلاً كَامِلاً فَقدِ اعتذرْ(١)
يريد : فقد جاء بعُذْرٍ.
وقرأ زيد بن عليّ(٢)، والضحاكُ، والأعرجُ، وأبو صالح، وعيسى بن هلال، وهي قراءة ابن عباس ومجاهد أيضاً، ويعقوب، والكسائي " المُعْذرُونَ " بسكون العين وكسر الذَّال مخففة من أعْذَر، يُعْذِر ك " أكْرَم، يُكْرِم "، وهم المبالغون في العُذْرِ.
وقرأ مسلمةُ(٣) " المُعَّذِّرُون " بتشديد العين والذال، من " تعذَّرَ " بمعنى اعْتذرَ.
قال أبُو حاتمٍ : أراد " المتعذَّرون " والتاء لا تدغم في العين، لبُعد المخارجِ وهي غلطٌ منه، أو عليه.
قوله :" ليُؤذنَ " متعلقٌ ب " جَاءَ " وحذفَ الفاعلُ، وأقيمَ الجارُّ مقامه، للعلم به، أي : ليأذن لهم الرسول.
فصل
أمَّا قراءةُ التخفيف فهم الكاذبون في العذر، وأمَّا قراءة التشديد، فمحتملة لأن يكونُوا صادقين، وأن يكُونُوا كاذبينَ. قال ابنُ عبَّاسٍ " هم الَّذِين تخلَّفُوا بعذرٍ بإذن رسُول الله ﷺ " (٤) وهو قول بعض المفسرين أيضاً، قال : المعذرون، كانوا صادقين ؛ لأنَّه تعالى لمَّا ذكرهم قال بعدهم ﴿وَقَعَدَ الذين كَذَبُواْ الله وَرَسُولَهُ﴾، فلمَّا ميَّزهم عن الكاذبين دلَّ على أنَّهم لَيْسُوا كاذبينَ. وقال الضَّحَّاكُ : هُم رهطُ عامر بن الطفيل جاءوا إلى رسول الله ﷺ دفاعاً عن أنفسهم، فقالُوا : يا نبيَّ الله : إنْ نحنُ غزونَا معك أغارت أعرابُ طيىءٍ على حلائلنا، وأولادنا، ومواشينا، فقال لهم رسُول الله ﷺ قد نَبَّأني الله من أخباركم، وسيغنيني الله عنكم(٥).
وروى الواحديُّ عن أبي عمرو : أنَّهُ لمَّا قيل له هذا الكلام قال : إنَّ أقواماً تكلَّفُوا عُذْراً بباطل فهمُ الذين عناهم بقوله :" وَجَآءَ المعذرون "، وتخلَّف آخرون لا بعُذر ولا بشبهةِ عذرٍ جراءة على الله تعالى ؛ فهم المرادون بقوله ﴿وَقَعَدَ الذين كَذَبُواْ الله وَرَسُولَهُ﴾، فأوعدهُم بقوله :﴿سَيُصِيبُ الذين كَفَرُواْ مِنْهُمْ﴾ في الدُّنيا بالقتلِ، وفي الآخرة بالنَّارِ.
وإنَّما قال " مِنْهُم " ؛ لأنَّه تعالى كان عالماً بأنَّ بعضهم سيؤمن، فذكر بلفظة " مِنْ " الدَّالة على التَّبعيض.
وقرأ الجمهور " كَذبُوا " بالتَّخفيف، أي : كذبُوا في أيمانهم. وقرأ الحسنُ(٦) في المشهور عنه وأبيٌّ، وإسماعيل " كذَّبُوا " بالتَّشديد، أي : لَمْ يُصدِّقُوا ما جاء به الرَّسولُ عن ربِّه ولا امتثلوا أمره.
١ ينظر: ديوانه ص (٢١٤)، الأشباه والنظائر ٧/٩٦، الأغاني ١٣/٤٠، بغية الوعاة ١/٤٢٩ خزانة الأدب ٤/٣٣٧، ٣٤٠، ٤٣٢، الخصائص ٣/٢٩، الدرر ٥/١٥، شرح المفصل ٣/١٤، العقد الفريد ٢/٧٨، ٣/٥٧، المقاصد النحوية ٣/٣٧٥، المنصف ٣/١٣٥ أمالي الزجاجي ص٦٣، شرح الأشموني ٢/٣٠٧، شرح عمدة الحافظ ص (٥٠٧)، المقرب ١/٢١٣، همع الهوامع ٢/٤٩، ١٥٨، اللسان (غدر)..
٢ ينظر: حجة القراءات ص (٣٢١)، إتحاف ٢/٩٦، الكشاف ٢/٣٠٠، المحرر الوجيز ٣/٦٩، البحر المحيط ٥/٨٦، الدر المصون ٣/٤٩٠..
٣ ينظر: الكشاف ٢/٣٠٠، المحرر الوجيز ٣/٦٩، البحر المحيط ٥/٨٦، الدر المصون ٣/٤٩٠..
٤ ذكره البغوي في "تفسيره" (٢/٣١٨)..
٥ انظر المصدر السابق. وقرأ بها كذلك نوح..
٦ ينظر: الكشاف ٢/٣٠٠، المحرر الوجيز ٣/٧٠، البحر المحيط ٥/٨٧، الدر المصون ٣/٤٩١..
٢ ينظر: حجة القراءات ص (٣٢١)، إتحاف ٢/٩٦، الكشاف ٢/٣٠٠، المحرر الوجيز ٣/٦٩، البحر المحيط ٥/٨٦، الدر المصون ٣/٤٩٠..
٣ ينظر: الكشاف ٢/٣٠٠، المحرر الوجيز ٣/٦٩، البحر المحيط ٥/٨٦، الدر المصون ٣/٤٩٠..
٤ ذكره البغوي في "تفسيره" (٢/٣١٨)..
٥ انظر المصدر السابق. وقرأ بها كذلك نوح..
٦ ينظر: الكشاف ٢/٣٠٠، المحرر الوجيز ٣/٧٠، البحر المحيط ٥/٨٧، الدر المصون ٣/٤٩١..