تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
ثم بين تعالى الأعذار التي لا حَرَج على من قعد فيها عن القتال، فذكر منها ما هو لازم للشخص لا ينفك عنه، وهو الضعف في التركيب الذي لا يستطيع معه الجلاد في الجهاد، ومنه العمى والعَرَج ونحوهما، ولهذا بدأ به. ما هو عارض بسبب مرض عَنَّ له في بدنه، شغله عن الخروج في سبيل الله، أو بسبب فقره(١) لا يقدر على التجهز للحرب، فليس على هؤلاء حَرَج إذا قعدوا ونصحوا في حال قعودهم، ولم يرجفوا بالناس، ولم يُثَبِّطوهم، وهم محسنون في حالهم هذا ؛ ولهذا قال :﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
وقال سفيان الثوري، عن عبد العزيز بن رفيع، عن أبي ثمامة، رضي الله عنه، قال : قال الحواريون : يا روح الله، أخبرنا عن الناصح لله ؟ قال : الذي يُؤثِر حق الله على حق الناس، وإذا حدث له أمران - أو : بدا له أمر الدنيا وأمر الآخرة - بدأ بالذي للآخرة ثم تفرغ للذي للدنيا.
وقال الأوزاعي : خرج الناس إلى الاستسقاء، فقام فيهم بلال بن سعد، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال : يا معشر من حضر : ألستم مقرين بالإساءة ؟ قالوا : اللهم نعم. فقال : اللهم، إنا نسمعك تقول :﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ اللهم، وقد أقررنا بالإساءة فاغفر لنا وارحمنا واسقِنا. ورفع يديه ورفعوا أيديهم فَسُقوا.
وقال قتادة : نزلت هذه الآية في عائذ بن عمرو المزني.
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي، حدثنا هشام بن عبيد الله الرازي، حدثنا ابن جابر، عن ابن فروة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن زيد بن ثابت قال : كنت أكتبُ لرسول الله ﷺ، فكنت أكتب " براءة " فإني لواضعُ القلم على أذني إذ أمرْنا بالقتال، فجعل رسول الله ﷺ ينظر ما ينزل عليه، إذا جاء أعمى فقال : كيف بي يا رسول الله وأنا أعمى ؟ فأنزل الله(٢) ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى﴾ الآية(٣) وقال العوفي، عن ابن عباس في هذه الآية : وذلك أن رسول الله ﷺ أمرَ الناس أن ينبعثوا غازين معه، فجاءته عصابة من أصحابه، فيهم عبد الله بن مُغَفَّل المزني(٤) فقالوا : يا رسول الله، احملنا. فقال لهم :" والله لا(٥) أجد ما أحملكم عليه ". فتولوا ولهم بكاء، وعزَّ عليهم أن يجلسوا عن الجهاد، ولا يجدون نفقة ولا محملا. فلما رأى الله حرْصَهم على محبته ومحبة رسوله أنزل عذرهم في كتابه، فقال :﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ﴾ إلى قوله تعالى :﴿فَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾.
١ - في ت، أ :"فقر"..
٢ - في ت، أ :"فنزلت"..
٣ - ورواه الدارقطني في الأفراد كما في الأطراف لابن طاهر (ق ١٣٤) وقال :"غريب من حديث أبي فروة - مسلم بن سالم عنه - أي ابن أبي ليلى - عن زيد، تفرد به محمد بن جابر عنه، وهو غريب من حديث ابن أبي ليلى لا يعلم حدث به عنه غير أبي فروة"..
٤ - في ت، ك، أ :"عبد الله بن معقل بن مقرن"..
٥ - في ت، ك :"ما"..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى