البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة
عن الكتاب
يقول الحق جلّ جلاله :﴿والتينِ والزيتونِ﴾، أقسم بهما تعالى لِما فيهما من المنافع الجمّة. رُوي أنه صلى الله عليه وسلم أُهْدِي له طبقٌ من تينٍ فأكل منه، وقال لأصحابه :" كُلوا، فلو قلتُ إنَّ فاكهةً نزلت من الجنة لقُلتُ هذه، لأن فاكهة الجنة، بلا عَجَمِ، فكلوها فإنها تقْطَعُ البواسير، وتنفَعُ من النقْرسِ ". وهو أيضاً فاكهة طيبة لا فضل له، وغذاء لطيف سريع الهضم، كثير النفع، ملين الطبع، ويحلل البلغم، ويُطهر الكليتين، ويزيل ما في المثانة من الرمل، ويسمن البدن، ويفتح سُرد الكبد والطحال. وعن عليّ بن موسى الرضا : التين يزيل نكهة الفم، ويطيل الشعر، وهو أمان من الفالج. ه.
وأمّا الزيتون فهو فاكهة وإدام ودواء، ولو لم يكن له سوى اختصاصه بدُهن كثير المنافع لكفى به فضلاً. وشجرته هي الشجرة المباركة، المشهود لها في التنزيل. ومرّ معاذُ بن جبل بشجرة الزيتون، فأخذ منها قضيباً واستاك به. وقال : سمعتُ النبي صلى الله عليه وسلم يقول :" نعم السواك الزيتون، هي الشجرة المباركة، يطيب الفم، ويذهب بالحفرة " (١) وقال :" هو سواكي وسواك الأنبياء قبلي " (٢). وعن ابن عباس : هو تينكم هذا، وزيتونكم هذا. وقيل : هما جبلان بالشام ينبتانهما.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: الإشارة : حاصل ما ذكره القشيري : أنه تعالى أقسم بأربعة أشياء، لغاية شرفها ؛ الأولى شجرة القلب التينية المثمِرة للعلوم اللدنية الخالصة عن نوى الشكوك العقلية والشبهة الوهمية. والثانية : شجرة الروح المستضيئة من نور السر لكمال استعدادها، وإليه الإشارة بقوله :﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾ [النور: ٣٥] الخ. والثالثة : شجرة السر، الذي هو طور التجلِّي محل المشاهدة والمكالمة والمناجاة. والرابعة : البلد الأمين، الذي هو حال التلبيس والخفاء، بعد التمكين، وهو الرجوع للأسباب، قياماً بآداب الحكمة ورسم العبودية، وهو مقام الكملة. والمقسَم عليه :﴿لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم﴾ قال القشيري : أي : في المظهر الأكمل والأتم، والمحل الأعم، حامل الأمانة الإلهية، وصاحب الصورة الرحمانية، روحانيته أُم الروحانيات، وطبيعته أجمع الأمزجة وأعدلها، ونشأته أوسع النشآت وأشملها. هـ. قلت : وإليه أشار الششتري بقوله :
وفيك يطوى ما انتشر من الأواني ***...
وقول الشاعر :
وقال في لطائف المنن، حاكياً عن شيخة أبي العباس المرسي : قرأتُ ليلة ﴿والتين والزيتون﴾ إلى أن انتهيت إلى قوله :﴿لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين﴾ ففكرتُ في معنى الآية، فكشف لي عن اللوح المحفوظ، فإذا فيه مكتوب : لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم روحاً وعقلاً، ثم رددنا أسفل سافلين نفساً وهوى. هـ. فقوله تعالى :﴿إلاّ الذين آمنوا..﴾ الخ ؛ هم أهل الروح والعقل، الباقون في حسن التقويم، وغيرهم أهل النفس والهوى، والله تعالى أعلم. وصلّى الله على سيدنا محمد وآله.
وأمّا الزيتون فهو فاكهة وإدام ودواء، ولو لم يكن له سوى اختصاصه بدُهن كثير المنافع لكفى به فضلاً. وشجرته هي الشجرة المباركة، المشهود لها في التنزيل. ومرّ معاذُ بن جبل بشجرة الزيتون، فأخذ منها قضيباً واستاك به. وقال : سمعتُ النبي صلى الله عليه وسلم يقول :" نعم السواك الزيتون، هي الشجرة المباركة، يطيب الفم، ويذهب بالحفرة " (١) وقال :" هو سواكي وسواك الأنبياء قبلي " (٢). وعن ابن عباس : هو تينكم هذا، وزيتونكم هذا. وقيل : هما جبلان بالشام ينبتانهما.
وفيك يطوى ما انتشر من الأواني ***...
وقول الشاعر :
| يا تائهاً في مهمهٍ عن سره | انظر تجد فيك الوجودَ بأسره |
| أنت الكمال طريقة وحقيقة | يا جامعاً سر الإله بأسره |
١ أخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد ٢/١٠٠، والعجلوني في كشف الخفاء ١/٤٤١، ٥٣٥..
٢ انظر الحاشية السابقة..
٢ انظر الحاشية السابقة..