التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي

عن الكتاب
اتفق المفسرون على أن المراد بطور سينين : الجبل الذى كلم الله - تعالى - عليه موسى - عليه السلام - وسينين، وسيناء، وسينا، اسم للبقعة التى فيها هذا الجبل، بإضافة " طور " إلى ما بعده، من إضافة الموصوف إلى الصفة.
قال الإِمام الشوكانى : " وطور سينين " هو الجبل الذى كلم الله عليه موسى، اسمه الطور. ومعنى سينين : المبارك الحسن.. وقال مجاهد : سينين كل جبل فيه شجر مثمر، فهو سينين وسيناء. وقال الأخفش : طور : جبل. وسينين شجر، واحدته سينه، ولم ينصرف سينين كما لم ينصرف سيناء، لأنه جعل اسما للبقعة.
وأقسم - سبحانه - به، لأنه من البقاع المباركة، وأعظم بركة حلت به ووقعت فيه، تكليم الله - تعالى -، لنبيه موسى - عليه السلام -.
كما اتفقوا - أيضا - على أن المراد بالبلد الأمين : مكة المكرمة، وسمى بالأمين لأن من دخله كان آمنا، وقد حرمها - تعالى - على جميع خلقه، وحرم شجرها وحيوانها، وفى الحديث الصحيح، أن النبى ﷺ قال بعد فتحتها : " إن الله حرم مكة يوم خلق السموات والأرض فهى حرام إلى أن تقوم الساعة، لم تحل لأحد قبلي، ولن تحل لأحد بعدي، ولم تحل لي إلا ساعة من نهار، فلا يُعْضَد - أي : يقطع - شجرها - ولا ينفر صيدها، ولا تحل لقطتها إلا لمنشد.
إلا أن خلافهم فى المراد بقوله - تعالى - :﴿والتين والزيتون﴾، وقد ذكر الإِمام القرطبى هذا الخلاف فقال ما ملخصه : قوله :﴿والتين والزيتون﴾ : قال ابن عباس وغيره : هو تينكم الذى تأكلون، وزيتونكم الذى تعصرون منه الزيت. قال - تعالى - :﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَآءَ تَنبُتُ بالدهن وَصِبْغٍ لِّلآكِلِيِنَ﴾ وهى شجرة الزيتون.
وقال أبو ذر : " أهدى للنبى ﷺ سلة تين، فقال : " كلوا " وأكل منها. ثم قال : " لو قلت إن فاكهة نزلت من الجنة، لقلت هذه.. " ".
وعن معاذ : أنه استاك بقضيب زيتون، وقال : سمعت النبى ﷺ يقول : " نعم السواك الزيتون من الشجرة المباركة ".
وقال الإِمام ابن جرير بعد أن ساق جملة من الأقوال من المقصود بالتين والزيتون : والصواب من القول فى ذلك عندنا قول من قال : التين : هو التين الذى يؤكل. والزيتون : هو الزيتون الذى يعصر منه الزيت، لأن ذلك هو المعروف عند العرب، ولا يعرف جبل يسمى تينا، ولا جبل يقال له زيتون. إلا أن يقول قائل : المراد من الكلام القسم بمنابت التين، ومنابت الزيتون، فيكون ذلك مذهبا، وإن لم يكن على صحة ذلك أنه كذلك، دلالة فى ظاهر التنزيل.
وما ذهب إليه الإِمامان : ابن جرير والقرطبى، من أن المراد بالتين والزيتون، حقيقتهما، هو الذى نميل إليه، لأنه هو الظاهر من معنى اللفظ، ولأنه ليس هناك من ضرورة تحمل على مخالفته، ولله - تعالى - أن يقسم بما شاء من مخلوقاته، فهو صاحب الخلق والأمر، تبارك الله رب العالمين.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى