تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي

عن الكتاب
الآيات١ و٢ و ٣ : قوله تعالى :﴿والتين والزيتون﴾ ﴿وطور سنين﴾ ﴿وهذا البلد الأمين﴾(١) قال ( المفسرون )(٢) هذه السورة كلها نزلت في محاجة أهل مكة، أما(٣)سورة ﴿والضحى﴾ ( وسورة )(٤) ﴿ألم نشرح﴾ فإنهما جاءتا في تذكير منن الله لرسوله :
إحداهما : خاطبه جبرائيل في تذكير ما من الله عليه، والأخرى خاطبه ربه بذلك، وأما غيرهما من السور فإنما جاءت في محاجة أهل مكة.
ثم قوله تعالى :﴿والتين والزيتون﴾ ﴿وطور سنين﴾ ﴿وهذا البلد الأمين﴾ قسم أقسم تأكيدا للحجج التي أقامها ما لو لا القسم لكان ما ذكر يوجب ذلك، لكن في القسم تأكيد ما ذكر من الحجة.
ثم اختلف أهل التأويل في قوله :﴿والتين والزيتون﴾ قال بعضهم : هو التين الذي يأكل الناس والزيتون الذي يستخرجون منه الزيت. كذا روي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه سئل عن التين والزيتون، فقال : تينكم وزيتونكم هذا.
وقال بعضهم : هما جبلان بالشام. وقال بعضهم : هما مسجدان في الشام أحدهما : مسجد بيت المقدس. وقيل : التين مسجد أصحاب الكهف، ( والثاني )(٥) : الزيتون مسجد نبينا.
وعن قتادة أنه(٦) قال : التين الجبل الذي عليه دمشق، والزيتون الجبل الذي عليه مسجد بيت المقدس.
وقال القتبي : التين والزيتون جبلان بالشام يقال لهما : طور تينا وطور زيتا بالسريانية بالتين والزيتون لأنهما ينبتان فيهما.
وقوله تعالى :﴿وطور سنين﴾ قال بعضهم : هو جبل بسنين، والسينين اسم موضع، والطور الجبل، وكذا قال أبو عوسجة.
وقال بعضهم : جبل حسن، والسينين، هو الحسن بالحبشية، وقال بعضهم : كل جبل مشجر، له الثمر، فهو سينين.
وقال بعضهم : هو الجبل الذي أوحي عليه إلى موسى عليه السلام وهو طور سيناء، وقيل : هو الجبل المبارك.
ثم تخرج جهة القسم بالجبل وبما ذكر على وجوه.
أحدهما : بما عظم شأن الجبال في قلوب الخلق حين أوصل إليهم أخبار السماء من جهة تلك الجبال وجميع ما يرجع إلى منافع أنفسهم ودينهم على ما ذكر أنه أوحي إلى موسى عليه السلام على جبل طور سيناء، وأوحي إلى عيسى عليه السلام على جبل ساعورا، وأوحى إلى محمد ﷺ على جبل فاران على ما ذكر في الخبر أن موسى عليه السلام قال : أتاني ربي من جبل طور سيناء، وسيأتي وحي عيسى عليه السلام من جبل ساعورا، ويأتي الوحي إلى محمد عليه الصلاة والسلام من فاران.
والثاني : أقسم بالجبال لما أرساها في الأرض، وجعلها أوتادا لها لئلا تميد بأهلها، ولا تميل على ما ذكر في غير آية )(٧) من القرآن عظيم شأن الجبال من هذه الجهة في قلوب الخلق.
والثالث لما أخرج منها مع شدتها وصلابتها وغلظها وارتفاعها المياه الجارية الصافية الباردة، وهي من ألين الأشياء، وأخرج منها الأشجار المثمرة الكثيرة وغير المثمرة من غير إنبات أحد ولا غرسه(٨) وغير ذلك من المنافع التي جعل في الجبال مما لا يمكن للخلق استخراج ذلك بحيلهم وتكلفهم.
فاقسم بها لعظم ما جعل في الجبال من المنافع والبركات.
( والرابع )(٩) : كذلك أن كان القسم بالتين الذي يؤكل والزيتون الذي يخرج منه الزيت لما جعل لهم في ذلك من المنافع العظام كقوله تعالى :﴿وشجرة تخرج من طور سيناء تنبت بالدهن وصبغ للآكلين﴾ ( المؤمنون : ٢٠ ).
فمن هذه الوجوه التي ذكرنا يحتمل القسم بالجبال والتين والزيتون، أو ذكر التين والزيتون، والمراد بهما الجبل لما في الجبل يكونان عندهم على ما ذكرنا، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿وهذا البلد الأمين﴾ وهو مكة، سماه أمينا لما يأمن من دخله، أو يؤمن من دخله، ويحفظه لأن الأمين عند الناس، هو الذي يحفظ من ائتمن عليه وفيه، وهو المأمون به.
ثم جائز أن يكون القسم بالبلد لأهل مكة ولأهل الشرك لما عظم شأنه وأمره عندهم وفي قلوبهم، وأقسم بالجبال لعظيم قدرها ومنزلتها ومحلها في قلوب أهل الكتاب لما كانوا يؤمنون ببعض الوحي، وأهل مكة لا يؤمنون بالرسل وبالوحي ولكن يعظمون ذلك البلد. وجائز أن يكون القسم بما ذكر كله لهم جميعا، والله أعلم.
١ ساقطة من الأصل وم.
٢ ساقطة من الأصل وم.
٣ في الأصل وم: سوى.
٤ من م، في الأصل: أن.
٥ في الأصل وم والزيتون.
٦ من م، في الأصل أن.
٧ في الأصل: من غير آي، في م: في غير آي.
٨ في الأصل وم: غرسها.
٩ في الأصل وم و.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى