جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب

القول في تأويل قوله تعالى :﴿فَمَا يُكَذّبُكَ بَعْدُ بِالدّينِ * أَلَيْسَ اللّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾.


اختلف أهل التأويل في تأويل قوله :( فَمَا يُكَذّبُكَ بَعْدُ ) فقال بعضهم معناه : فمن يكذّبك يا محمد بعد هذه الحجج التي احتججنا بها، بالدين، يعني : بطاعة الله، وما بعثك به من الحقّ، وأن الله يبعث من في القبور ؟ قالوا :«ما » في معنى «مَنْ »، لأنه عُني به ابن آدم، ومن بعث إليه النبيّ ﷺ.
وقال آخرون : بل معنى ذلك : فما يكذّبك أيها الإنسان بعد هذه الحجج بالدين. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا عبد الرحمن، قال : حدثنا سفيان، عن منصور، قال : قلت لمجاهد :( فَمَا يُكَذّبُكَ بَعْدُ بِالدّينِ ) عُني به النبيّ ﷺ ؟ قال : مَعاذ الله، عُني به الإنسان.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا مهران، عن سفيان، عمن سمع مجاهدا يقول : فَمَا يُكَذّبُكَ بَعْدُ بِالدّينِ قلت : يعني به النبيّ ﷺ ؟ قال : مَعاذ الله، إنما يعني به الإنسان.
حدثنا أبو كُرَيب، قال : حدثنا وكيع، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد ( فَمَا يُكذّبُكَ بَعْدُ بِالدّينِ ) أَعُنِي به النبيّ ﷺ ؟ قال : معاذ الله، إنما عُني به الإنسان.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا ابن ثور، عن معمر، عن الكلبيّ ( فَمَا يُكَذّبُكَ بَعْدُ بِالدّينِ ) إنما يعني الإنسان، يقول : خلقتك في أحسن تقويم، فما يكذّبك أيها الإنسان بعد بالدين ؟
وقال آخرون : إنما عُنِي بذلك رسول الله ﷺ، وقيل له : استيقن مع ما جاءك من الله من البيان، أن الله أحكم الحاكمين. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله :( فَمَا يُكَذّبُكَ بَعْدُ بِالدّينِ ) أي استيقِن بعد ما جاءك من الله البيانُ، ألَيْسَ اللّهَ بِأحْكَمِ الْحاكِمِينَ ؟.
وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب قول من قال : معنى «ما » معنى «مَنْ ». ووجه تأويل الكلام إلى : فمن يكذّبك يا محمد بعد الذي جاءك من هذا البيان من الله بالدين ؟ يعني : بطاعة الله، ومجازاته العباد على أعمالهم. وقد تأوّل ذلك بعض أهل العربية بمعنى : فما الذي يكذّبك بأن الناس يدانون بأعمالهم ؟ وكأنه قال : فمن يقدر على تكذيبك بالثواب والعقاب، بعد ما تبين له خلقنا الإنسان على ما وصفنا.
واختلفوا في معنى قوله : بالدّين فقال بعضهم : بالحساب. ذكر من قال ذلك :
حدثنا عبد الرحمن بن الأسود الطّفَاوي، قال : حدثنا محمد بن ربيعة، عن النضر بن عربيّ، عن عكرِمة، في قوله : فَمَا يُكَذّبُكَ بَعْدُ بِالدّينِ قال : الحساب.
وقال آخرون : معناه : بحكم الله. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس :( فَمَا يُكَذّبُكَ بَعْدُ بِالدّينِ ) يقول : ما يكذّبك بحكم الله.
وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال : الدين في هذا الموضع : الجزاء والحساب، وذلك أن أحد معاني الدين في كلام العرب : الجزاء والحساب، ومنه قولهم : كما تدين تُدان. ولا أعرف من معاني الدين «الحكم » في كلامهم، إلا أن يكون مرادا بذلك : فما يكذّبك بعد بأمر الله الذي حكم به عليك أن تطيعه فيه ؟ فيكون ذلك.
وقوله : ألَيْسَ اللّهُ بِأحْكَمِ الْحاكمِينَ يقول تعالى ذكره : أليس الله يا محمد بأحكم من حكم في أحكامه، وفصل قضائه بين عباده ؟ وكان رسول الله ﷺ إذا قرأ ذلك فيما بلغنا قال : بَلى.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة ألَيْسَ اللّهَ بِأحْكَمِ الْحاكِمِينَ ؟ ذُكر لنا أن نبيّ الله ﷺ كان إذا قرأها قال :«بلى، وأنا على ذلك من الشاهدين ».
حدثنا أبو كُرَيب، قال : حدثنا وكيع، عن أبيه، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جُبير، قال : كان ابن عباس إذا قرأ : ألَيْسَ اللّهُ بِأحْكَمِ الْحاكِمينَ ؟ قال : سبحانك اللهمّ، وبلي.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا ابن ثور، عن معمر، قال : كان قتادة إذا تلا :( ألَيْسَ اللّهُ بِأحْكَمِ الْحاكِمينَ ) ؟ قال : بلى، وأنا على ذلك من الشاهدين، أحسبه كان يرفع ذلك، وإذا قرأ :( ألَيْسَ ذَلَك بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتَى ) ؟ قال : بلى، وإذا تلا :( فَبِأيّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ ) قال : آمنت بالله، وبما أنزل.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى