اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
بسم الله الرحمان الرحيم
قوله تعالى :﴿والطور﴾ وما بعده أقسام جوابها ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ﴾ والواوات(١) التي بعد الأولى عواطف لا حروف قسم كما تقدم في أول هذا الكتاب عن الخليل.
ونكر الكتابَ تفخيماً وتعظيماً.

فصل


مناسبة هذه السورة لما قبلها من حيث الافتتاح بالقسم وبيان الحشر فيهما، وأول هذه السورة مناسب لآخر ما قبلها، لأن في آخرها قوله تعالى :﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن يَوْمِهِمُ الذي يُوعَدُونَ﴾ [الذاريات: ٦٠] وفي أول هذه السورة ﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾ [الطور: ١١] وفي آخر تلك السورة قوله :﴿فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ ذَنُوباً﴾ [الذاريات: ٥٩] ؛ وذلك إشارة إلى العذاب، وقال هَهُنَا : إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ.

فصل


قيل : المراد بالطور الجبل الذي كلم الله عليه موسى - عليه الصلاة والسلام - بالأرض المقدسة، أقسم الله به. وقيل : هو الجبل الذي قال الله تعالى :﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾ [التين: ٢]. وقيل : هو اسم جنس.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:فصل
قيل : الحكمة في القسم بهذه الثلاثة أشياء أن هذه الأماكن الثلاثة وهي : الطور، والبيت المعمور، والبحر المسجور كانت لثلاثة أنبياء للخلوة بربهم والخلاص من الخلق وخطابهم مع الله. أما الطور فانتقل إليه موسى - عليه الصلاة والسلام - وخاطب الله تعالى هناك وأما البيت المعمور فانتقل إليه محمد - عليه الصلاة والسلام - وقال لربه :«سَلاَمٌ عَلَيْنَا وعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحينَ، لاَ أُحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيتَ على نَفسك». وأما البحر المسجور فانتقل إليه يونسُ - عليه الصلاة والسلام -، ونادى في الظلمات :﴿أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين﴾ فصارت هذه الأماكن شريفة بهذه الأسباب فأقسم الله تعالى بها.
وأما ذكر الكتاب فلأن الأنبياء كان لهم في هذه ( الأماكن ) (١٠) مع الله تعالى كلام والكلام في الكتاب ( واقترانه(١١) بالطور أدل على ذلك ؛ لأن موسى - عليه السلام - كان له مكتوبٌ ينزل عليه وهو بالطُّور ). فصل
أقسم في بعض السور بجموع كقوله :﴿والذاريات﴾ [الذاريات: ١] ﴿والمرسلات﴾ [المرسلات: ١] ﴿والنازعات﴾ [النازعات: ١] وفي بعضها بأفراد كقوله :«والطُّورِ» ولم يقل : والأَطوار والبِحار.
قال ابن الخطيب : والحكمة فيه : أن في أكثر الجموع أقسم عليها بالمتحركات والريح الواحدة ليست بثابتة بل هي متبدِّلة بأفرادها مستمرة بأنواعها، والمقصود مِنْهَا لا يحصل إلا بالبَدَل والتَّغَيُّر، فقال :«والذاريات» إشارة إلى النوع المستمر، لا الفرد المعين المستقر، وأما الجبل فهو ثابت غير(١٢) متغير عادة فالواحد من الجبال دائمٌ زماناً ودهراً، فأقسم في ذلك بالواحد، وكذلك في قوله :﴿والنجم﴾ [النجم: ١]، ولو قال :«والريح» لما علم المقسَمُ به، وفي الطور عُلِمَ(١٣).


١ كذا في (أ) وفي (ب) والواو الذي بعد الأولى..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى