تفسير الشعراوي — الشعراوي

عن الكتاب
إذن: القضية قضية تقليد أعمى دون تفكير أو تأويل، فقالوا ﴿إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ﴾ [الزخرف: ٢٢] يعني: على دين أو على ملَّة أو طريقة مقصودة من الفعل (أمَّ) يعني: قصد ﴿وَإِنَّا عَلَىٰ ءَاثَارِهِم﴾ [الزخرف: ٢٢] على طريقتهم ﴿مُّهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٢] يعني: هذه الطريقة هي التي تدلنا وتهدينا.
والقرآن الكريم تناول هذه القضية بتفصيل في مواضع أخرى، ففي آية قال سبحانه: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّبِعُوا مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَآ أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَآءَنَآ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٧٠].
وفي آية أخرى قال سبحانه: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَىٰ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَآ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ﴾ [المائدة: ١٠٤].
وتأمل دقة الأداء القرآني في هاتين الآيتين، وكيف خُتمت كل آية بما يناسبها، أولاً تجد أن المعنى العام للآيتين واحد، لكنهم في الأولى قالوا: ﴿بَلْ نَتَّبِعُ مَآ أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَآءَنَآ﴾ [البقرة: ١٧٠] وفي الأخرى قالوا: ﴿حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَآ﴾ [المائدة: ١٠٤].
فاستخدموا أسلوب القصر والحصر، وقصروا عبادتهم على ما وجدوا عليه الآباء، فالإعراض في هذه أقوى من الأولى، لذلك جاء ذيل الآية بما يناسب إعراضهم.
ففي الأولى قال تعالى رداً عليهم بهذا الاستفهام التعجبي ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٧٠] وقال في الأخرى: ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ﴾ [المائدة: ١٠٤] فما الفرق بين ﴿لاَ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٧٠] و ﴿لاَ يَعْلَمُونَ﴾ [المائدة: ١٠٤]؟ يعقلون يعني: هو الذي يستنبط المسائل بنفسه وبعقله، أمَّا يعلمون. أي: لا يقدر على الاستنباط إنما يعلم من استنباط غيره.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى