البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة

عن الكتاب
ثم ذكر إهانة الدنيا، وخساستها عنده، فقال :
﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾*﴿وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ﴾*﴿وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾.
يقول الحق جلّ جلاله :﴿ولولا أن يكون الناسُ أمةً واحدةٌ﴾ أي : ولولا كراهة أن يجتمع الناس على الكفر، ويُطبقوا عليه، ﴿لجعلنا﴾ لأجل حقارة الدنيا عندنا ﴿لِمَن يكفُر بالرحمن لبيوتهم﴾ : بدل " مَن " ﴿سُقُفاً من فضةٍ﴾ أي : متخذة منها، ﴿ومعارجَ﴾ أي : ولجعلنا لهم مصاعد، أي : سلالم من فضة أيضاً، يصعدون عليها إلى السطوح، ﴿عليها يظهرون﴾ أي : يَعلون السطوح والعلالي عليها.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : في الآية ذم للدنيا ولمَن اشتغل بها. وفي الحديث :" لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقي كافراً منها شربة ماء " (١). وعن علقمة عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : اضطجع رسول الله صلى الله عليه وسلم على حصيرٍ، فأثَّرَ الحصيرُ في جَنْبِه، فلما استيقظ، جعلتُ أمسح عنه، وأقول : يا رسول الله ؛ ألا آذنتني قبل أن تنام على هذه الحصير، فأبسط لك عليه شيئاً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" ما لي وللدنيا، وما للدنيا وما لي، ما أنا والدنيا إلا كراكبٍ استظلَّ في فيء، أو ظل شجرةٍ، ثم راح وتركها " (٢). ورُوي أن عيسى عليه السلام أخذ لبنة من طوب، فجعلها تحت رأسه، فجاءه جبريل عليه السلام، فوكز الطوية من تحت رأسه، ونزعها، وقال :" اترك هذه مع ما تركتَ ". وأنشدوا في هذا المعنى :فقل لبني الدنيا :
رضيتُ من الدنيا بقُوتٍ وخرقةٍوأشربُ من كوز حوافيه تُكْسَرُ
اعزلوا مَن أردتُموولُّوا، وخلوني على البعد أنظرُ

تفسير هذه الآية من كتب أخرى