الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي

عن الكتاب
ثم استمرَّ القولُ في تحقيرها بقوله سبحانه :﴿وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ الناس أُمَّةً واحدة﴾ الآية ؛ وذلك أَنَّ معنى الآية أَنَّ اللَّه سبحانه أبقى على عباده، وأنعم عليهم بمراعاة بقاء الخير والإيمان، وشاء حفظه على طائفة منهم بَقِيَّةَ الدهر، ولولا كراهيةُ أنْ يكونَ الناسُ كُفَّاراً كُلُّهم، وأَهْلَ حُبٍّ في الدنيا وتجرُّدٍ لها لوسَّعَ اللَّه على الكفار غايةَ التوسعة، ومَكَّنَهم من الدنيا ؛ وذلك لحقارتها عنده سبحانه، وأنها لا قَدْرَ لها ولا وزنَ ؛ لفنائها وذَهَابِ رسومها، فقوله :﴿أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ معناه في الكُفْرِ ؛ قاله ابن عباس وغيره، ومن هذا المعنى قوله ﷺ :" لَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا تَزِنُ عِنْدَ اللَّه جَنَاحَ بَعُوضَةٍ، مَا سقى كَافِراً مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ ". وروى ابن المبارك في «رقائقه » بسنده عن عَلْقَمَةَ عن عبد اللَّه قال : اضطجع رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى حَصِيرٍ فَأَثَّرَ الحَصِيرُ في جَنْبِهِ، فَلَمَّا استيقظ، جَعَلْتُ أَمْسَحُ عَنْهُ، وَأَقُولُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلاَ آذَنْتَنِي قَبْلَ أَنْ تَنَامَ على هَذَا الحَصِيرِ، فَأَبْسُطَ لَكَ عَلَيْهِ شَيْئاً يَقِيكَ مِنْهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :" مَا لِيَ ولِلدُّنْيَا، وَمَا لِلدُّنْيَا وَمَا لِي مَا أَنَا وَالدُّنْيَا إلاَّ كَرَاكِبٍ استظل في فَيْءِ أَوْ ظِلِّ شَجَرَةٍ، ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا " انتهى، وقد خَرَّجه التِّرمذيُّ، وقال : حديثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، و﴿سُقُفاً﴾ جمع سَقْف، والمعارج : الأدراج التي يُطْلَعُ عليها ؛ قاله ابن عباس وغيره، و﴿يَظْهَرُونَ﴾ معناه : يعلون ؛ ومنه حديث عائشةَ ( رضي اللَّه عنها ) والشمس في حجرتها لم تظهر بعد.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى