الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري
عن الكتاب
﴿لِبُيُوتِهِمْ﴾ بدل اشتمال من قوله :﴿لِمَن يَكْفُرُ﴾ ويجوز أن يكونا بمنزلة اللامين في قولك : وهبت له ثوباً لقميصه. وقرىء «سقفاً » بفتح السين وسكون القاف. وبضمها وسكون القاف وبضمها : جمع سقف، كرهن ورهن ورهن. وعن الفراء : جمع سقيفة وسقفاً بفتحتين، كأنه لغة في سقف وسقوفاً، ومعارج ومعاريج. والمعارج : جمع معرج، أو اسم جمع لمعراج : وهي المصاعد إلى العلالي ﴿عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾ أي على المعارج، يظهرون السطوح يعلونها، فما اسطاعوا أن يظهروه.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: لما قال :﴿خَيْرٌ مّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [الزخرف: ٣٢] فقلل أمر الدنيا وصغرها : أردفه ما يقرّر قلة الدنيا عنده من قوله :﴿وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ الناس أُمَّةً واحدة﴾ أي : ولولا كراهة أن يجتمعوا على الكفر ويطبقوا عليه، لجعلنا لحقارة زهرة الحياة الدنيا عندنا للكفار سقوفاً ومصاعد وأبواباً وسرراً كلها من فضة وزخرف، وجعلنا لهم زخرفاً، أي : زينة من كل شيء. والزخرف : الزينة والذهب. ويجوز أن يكون الأصل : سقفاً من فضة وزخرف، يعني : بعضها من فضة وبعضها من ذهب، فنصب عطفاً على محل ﴿مِن فِضَّةٍ﴾ وفي معناه قول رسول الله ﷺ :" لو وزنت الدنيا عند الله جناح بعوضة ما سقى الكافر منها شربة ماء "
فإن قلت : فحين لم يوسع على الكافرين للفتنة التي كان يؤدّي إليها التوسعة عليهم من إطباق الناس على الكفر لحبهم الدنيا وتهالكهم عليها، فهلا وسع على المسلمين ليطبق الناس على الإسلام ؟ قلت : التوسعة عليهم مفسدة أيضاً لما تؤدى إليه من الدخول في الإسلام لأجل الدنيا، والدخول في الدين لأجل الدنيا من دين المنافقين، فكانت الحكمة فيما دبر : حيث جعل في الفريقين أغنياء وفقراء، وغلب الفقر على الغنى.
فإن قلت : فحين لم يوسع على الكافرين للفتنة التي كان يؤدّي إليها التوسعة عليهم من إطباق الناس على الكفر لحبهم الدنيا وتهالكهم عليها، فهلا وسع على المسلمين ليطبق الناس على الإسلام ؟ قلت : التوسعة عليهم مفسدة أيضاً لما تؤدى إليه من الدخول في الإسلام لأجل الدنيا، والدخول في الدين لأجل الدنيا من دين المنافقين، فكانت الحكمة فيما دبر : حيث جعل في الفريقين أغنياء وفقراء، وغلب الفقر على الغنى.