الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي
عن الكتاب
قوله :﴿وَالَّذِي جَآءَ﴾ : بالصدق لَفْظُه مفردٌ، ومعناه جمعٌ لأنه أُريد به الجنسُ. وقيل : لأنه قُصِدَ به الجزاءُ، وما كان كذلك كَثُرَ فيه وقوعُ " الذي " موقع " الذين "، ولذلك رُوْعي معناه فجُمِع في قولِه :﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ كما رُوْعِيَ معنى " مَنْ " في قولِه :" للكافرين " ؛ فإنَّ الكافرين ظاهرٌ واقعٌ موقعَ المُضْمرِ ؛ إذ الأصلُ : مثوىً لهم. وقيل : بل الأصلُ : والذين جاء بالصدق، فحُذِفَتِ النونُ تخفيفاً، كقولِه :﴿وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُواْ﴾ [التوبة: ٦٩]. وهذا وهمٌ ؛ إذ لو قُصِد ذلك لجاء بعده ضميرُ الجمع، فكان يُقال : والذي جاؤوا، كقوله :" كالذي خاضُوا ". ويَدُلُّ عليه أنَّ نونَ التثنيةِ إذا حُذِفَتْ عاد الضميرُ مَثْنى، كقولِه :
ولجاءَ كقوله :
وقرأ عبدُ الله ﴿وَالَّذِي جَآؤوا بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَوا بِهِ﴾ وقد تقدَّم تحقيقُ مثلِ هذه الآيةِ في أوائلِ البقرة وغيرها. وقيل :" الذي " صفةٌ لموصوفٍ محذوفٍ بمعنى الجمعِ، تقديرُه : والفريق أو الفوج ولذلك قال :﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾. وقيل : المرادُ بالذي واحدٌ بعينِه وهو محمدٌ صلَّى الله عليه وسلَّم، ولكن لَمَّا كان المرادُ هو وأتباعُه اعْتُبر ذلك فجُمِعَ، فقال :" أولئك هم " كقوله :﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [المؤمنون: ٤٩]. قاله الزمخشري وعبارتُه :" هو رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم أراد به إياه ومَنْ تبعه، كما أراد بموسى إياه وقومَه ". وناقشه الشيخ في إيقاعِ الضميرِ المنفصلِ موقعَ المتصلِ قال :" وإصلاحُه أَنْ يقولَ : أراده به كما أراده بموسى وقومِه ". قلت : ولا مناقَشَةَ ؛ لأنَّه مع تقديم " به " و " بموسى " لغرضٍ من الأغراض استحالَ اتصالُ الضميرِ، وهذا كما تقدَّم لك بحثٌ في قولِه تعالى :﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾ [النساء: ١٣١]، وقوله :﴿يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ﴾ [الممتحنة: ١] : وهو أنَّ بعضَ الناسِ زَعَمَ أنه يجوزُ الانفصالُ مع القدرةِ على الاتصال، وتقدَّم الجوابُ بقريبٍ مِمَّا ذكَرْتُه هنا، وبَيَّنْتُ حكمةَ التقديمِ ثمةَ. وقولُ الزمخشريِّ :" إن الضميرَ في " لعلهم يَهْتدون " لموسى وقومِه " فيه نظرٌ، بل الظاهرُ خصوصُ الضميرِ بقومِه دونَه ؛ لأنَّهم هم المطلوبُ منهم الهدايةُ. وأمَّا موسى عليه السلام فمهتدٍ ثابتٌ على الهداية. وقال الزمخشري أيضاً :" ويجوز أن يريدَ : والفوج أو الفريق الذي جاء بالصدقِ وصَدَّق به، وهم : الرسولُ الذي جاء بالصدقِ وصحابتُه الذين صَدَّقوا به ". قال الشيخ :" وفيه توزيعُ الصلةِ، والفوجُ هو الموصولُ، فهو كقولِك : جاء الفريقُ الذي شَرُفَ وشَرُفَ، والأظهرُ عَدَمُ التوزيعِ بل المعطوفُ على الصلةِ صلةٌ لمَنْ له الصلة الأولى ".
وقرأ أبو صالح وعكرمة بن سليمان/ ومحمد بن جُحادة مخففاً بمعنى صَدَقَ فيه، ولم يُغَيِّرْه. وقُرِئ " وصُدِّق به " مشدَّداً مبنياً للمفعول.
| ٣٨٩٥ أَبَني كُلَيْبٍ إنَّ عَمَّيَّ اللَّذا | قَتَلا الملوكَ وفَكَّكا الأَغْلالا |
| ٣٨٩٦ وإنَّ الذيْ حانَتْ بفَلْجٍ دماؤُهُمْ | همُ القومُ كلُّ القومِ يا أمَّ خالدِ |
وقرأ أبو صالح وعكرمة بن سليمان/ ومحمد بن جُحادة مخففاً بمعنى صَدَقَ فيه، ولم يُغَيِّرْه. وقُرِئ " وصُدِّق به " مشدَّداً مبنياً للمفعول.